مزاعم بشأن عروض مغرية لشراء عقارات وأراضٍ بأسعار مرتفعة في جزيرة جربة التونسية أثارت جدلاً واسعاً، وسط تساؤلات حول شفافية المعاملات العقارية ومصادر التمويل وهويات المشترين.
وتصاعدت الاتهامات مع تداول روايات تشير إلى احتمال ارتباط بعض المستثمرين بإسرائيل، ما فتح الباب أمام مخاوف من وجود تحركات عقارية ذات أبعاد سياسية، فيما ذهب بعض النشطاء إلى الحديث عن “مخطط استيطاني” يستهدف الجزيرة، التي تحتضن معبد الغريبة اليهودي، أحد أبرز المواقع الدينية اليهودية في المنطقة، والذي يستقطب زواراً وحجاجاً من بينهم إسرائيليون.
وبينما طالب مدونون ونشطاء بكشف حقيقة الصفقات المتداولة وتشديد الرقابة على عمليات التملك العقاري، حذّر آخرون من تحويل الشكوك والادعاءات غير المحسومة إلى اتهامات جماعية تطال سكان جربة ومكوناتها الاجتماعية، بما قد يؤدي إلى تأجيج التوترات والانقسامات داخل المجتمع التونسي.
ويتداخل في هذا الجدل البعد المتعلق بالسيادة الوطنية مع حساسيات سياسية وتاريخية، ليضع السلطات التونسية أمام تساؤلات بشأن ضرورة التثبت من صحة المعلومات المتداولة، وضمان شفافية المعاملات العقارية، والتحقيق في أي تجاوزات محتملة استنادًا إلى أدلة موثوقة.
ويعود جانب من هذا السجال إلى تدوينات نشرها عدد من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم أحمد قنون، الذي اعتبر أن ما يجري يتجاوز المعاملات العقارية المعتادة ليطرح مسألة تتعلق بالأمن القومي التونسي.
وتحدث قنون عن عمليات شراء أراضٍ قال إنها تتم عبر يهود تونسيين، مطالبًا بتقديم أدلة واضحة تؤكد هذه المزاعم أو تنفيها، بما يسمح بتحديد حقيقة ما يجري بعيدًا عن التكهنات.
كما طرح الناشط احتمال وجود مخطط لضم جزيرة جربة، الواقعة في الجنوب التونسي، إلى إسرائيل، وهي فرضية من أكثر الروايات حدة التي ظهرت في سياق النقاش الدائر، من دون أن يقدم النص المتداول ما يثبت صحتها.
ومن جهته، قال الناشط السياسي عبد الرزاق بن العربي إنه يحذر منذ أكثر من عشرين عاماً مما يصفه بخطر الاستيطان الإسرائيلي عبر شراء الأراضي من أشخاص يهود يقيمون في تونس ويحملون الجنسية الإسرائيلية أو جنسيات أجنبية أخرى.
وطرح بن العربي أيضاً فرضيات بشأن وجود صلة بين الهجرة الوافدة من دول جنوب الصحراء، التي تضم مهاجرين غير نظاميين من بلدان إفريقية مختلفة، وما وصفه بتحركات استيطانية محتملة، من دون أن ترد في المعطيات المتداولة أدلة مستقلة تثبت وجود ارتباط بين الملفين.
وبدوره، تحدث الناشط في المجتمع المدني باشا ليهيذب عن تداول أنباء بشأن بيع أراضٍ في حي الرياض بجزيرة جربة، مشيراً كذلك إلى منطقة جرجيس التابعة لمحافظة مدنين في جنوب تونس.
واعتبر ليهيذب أن بعض اليهود من أصول تونسية، ممن تربطهم صلات بإسرائيل وفرنسا، قد يكونون بصدد البحث عن وجهات أخرى للإقامة، غير أن هذه التصورات تندرج ضمن الطروحات المتداولة في النقاش، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود عمليات شراء منظمة أو أهداف سياسية تقف وراءها.
وفي سياق متصل، ركّز الإعلامي معز الحاج منصور على شركة الوساطة العقارية “ري/ماكس” (RE/MAX)، مستحضراً اسم تامير بولاغ، الذي وصفه بأنه شغل منصباً قيادياً في الشركة وسبق له العمل ضابطاً في الجيش الإسرائيلي.
وأثار منصور تساؤلات بشأن طبيعة نشاط الشركة وعلاقاتها المحتملة بالسوق العقارية الإسرائيلية، كما اتهم، في تدوينة نشرها على موقع “فيسبوك”، فرع الشركة في جربة باستهداف عقارات يملكها أشخاص يواجهون ضائقة مالية، متحدثاً عن احتمال إتمام بعض عمليات الشراء عبر وسطاء أو أشخاص يحملون جنسيات أوروبية.
وتناول الإعلامي كذلك مسألة العمولات الناتجة عن المعاملات العقارية التي قال إنها قد تُحوّل إلى حسابات الشركة الأم في الخارج، مطالباً وزارتي الداخلية والمالية بالتدخل وتعزيز الرقابة على الصفقات العقارية، والتحقق من مصادر تمويلها والجهات المستفيدة منها.
وتظل هذه الاتهامات والتساؤلات بحاجة إلى معطيات موثقة وتحقق مستقل، ولا تمثل في حد ذاتها دليلاً على ارتكاب مخالفات أو وجود مخطط منظم للاستحواذ على أراضي الجزيرة.
وفي المقابل، رد إيلي الطرابلسي، نجل بيريز الطرابلسي، المشرف على معبد الغريبة في جربة، على ما وصفه بحملة تستهدف الجزيرة وسكانها، معرباً عن رفضه لما اعتبره ممارسات تتضمن الشتم والتخوين والتشهير بمواطنين أبرياء عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وقال الطرابلسي، في تدوينة نشرها على “فيسبوك”، إن الحملة تجاوزت طرح التساؤلات بشأن المعاملات العقارية إلى استهداف أشخاص ومنظمات دولية، من بينها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو”، من خلال اتهامات وصفها بالمسيئة.
كما أشاد بجهود الأمن التونسي في حماية البلاد، معتبراً أن ما يجري ينعكس سلباً على صورة جزيرة جربة، التي تتمتع بمكانة سياحية وثقافية ودينية بارزة، وتُعرف بتنوع مكوناتها الاجتماعية والدينية.
ويعكس هذا الرد جانباً آخر من الجدل، يتمثل في المخاوف من انتقال النقاش بشأن شفافية الصفقات العقارية ومصادر تمويلها إلى التشكيك في مواطنين أو استهدافهم بسبب انتمائهم الديني أو أصولهم، بما قد يفاقم التوترات الاجتماعية ويضر بصورة الجزيرة.
وفي ظل استمرار تداول هذه المزاعم، يبقى حسم الجدل مرتبطًا بتوافر معلومات موثوقة ووثائق مستقلة توضح حقيقة الصفقات العقارية، وطبيعة الأطراف المشاركة فيها، ومصادر الأموال المستخدمة، ومدى التزام المعاملات بالقوانين التونسية المنظمة للتملك والاستثمار.
وبين دعوات إلى تعزيز الرقابة على السوق العقارية حمايةً للسيادة الوطنية وضماناً للشفافية، وتحذيرات من حملات التخوين والتشهير، تبرز الحاجة إلى التعامل مع الملف على أساس الأدلة والتحقيقات، بعيداً عن التعميم أو تحميل فئات اجتماعية بأكملها مسؤولية اتهامات لم تثبت صحتها.
وإلى حين ظهور معطيات رسمية أو نتائج تحقيقات مستقلة، يظل الجدل بشأن العقارات في جربة مفتوحاً، وسط مطالب بكشف حقيقة ما يُتداول، وضمان تطبيق القانون، والحفاظ على السلم الاجتماعي والتنوع الذي يميز الجزيرة.
المغرب والجزائر يتصدران قائمة وجهات الفارين من العدالة الفرنسية
