تشهد محافظات تونسية تصاعداً في الاحتجاجات المطالبة بالشغل والتنمية والكرامة، وسط مؤشرات على اتساع الحراك الاجتماعي وتقاربه مع السياسي.
وتستعد عدة محافظات تونسية، من الشمال إلى الجنوب، لمزيد من التحركات الاحتجاجية، بعد حراك شعبي حاشد شهدته مدينة منزل بوزيان في محافظة سيدي بوزيد، مهد الثورة التونسية، الاثنين الماضي، أعقبه تحرك للمعطلين من العمل الأربعاء الماضي تحت شعار “شغل حرية كرامة وطنية”.
وامتدت حالة الاحتقان إلى القصرين، وسط غرب البلاد، حيث احتج حاملو الشهادات العليا المعطلون من العمل برفقة أطفالهم وعائلاتهم، للمطالبة بتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025، المتعلق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم في القطاع العام والوظيفة العمومية.
وتتواصل تحركات أصحاب الشهادات العليا المعطلين في قابس جنوب البلاد وولايات أخرى، بعد تجدد الدعوات في 14 سبتمبر إلى تنظيم وقفة احتجاجية جهوية أمام مقر محافظة قابس.
وفي ظل الاحتقان الاجتماعي، شدد الرئيس التونسي قيس سعيّد، خلال اجتماعه الثلاثاء الماضي برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ لمناقشة إعداد مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، على ضرورة إدراج خيارات المشروع ضمن المخطط الخماسي المصادق عليه، بما يحقق التوازن الجهوي ويوفر فرص العمل ويضمن الكرامة، وفق بيان للرئاسة.
ويرى المتحدث باسم الحزب الجمهوري وسام الصغير أن الحراك الاجتماعي يحمل في عمقه أبعاداً سياسية، بسبب التقاطع بين قضايا الحقوق والحريات والملفات الاجتماعية والاقتصادية. وتوقع أن يؤدي تفاقم الأزمة إلى التقاء التحركات الاجتماعية القطاعية مع الفعل السياسي الذي تمثله النخب السياسية والمدنية.
وأشار الصغير إلى دخول الاتحاد العام التونسي للشغل على خط المشهد ودعوته إلى الإضراب العام، معتبراً تحركه الأخير رسالة إلى السلطة، وأن تطورات المرحلة قد تؤدي إلى تغير موازين القوى.
من جانبه، قال وزير الخارجية الأسبق والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام إن المطالب الاجتماعية تتنامى في العاصمة ومختلف المناطق، وتشمل انقطاع المياه والكهرباء والشغل والخدمات والتهميش. ورأى أن دخول اتحاد الشغل في تحركات جهوية تمهيداً للإضراب العام يدفع الساحة الاجتماعية إلى مزيد من التوتر.
واعتبر عبد السلام أن الحراك السياسي يشهد بدوره تصاعداً بالتوازي مع التحركات الاجتماعية، مشيراً إلى مبادرات وجبهات سياسية جديدة، ومتوقعاً أن يلتقي المساران تدريجياً، خصوصاً مع ظهور شعارات سياسية في بعض التحركات الاجتماعية موجهة إلى رأس السلطة.
وأضاف أن اتحاد الشغل بات يدرج ضمن بياناته ومطالبه قضايا الحريات ورفض المحاكمات السياسية وتوظيف القضاء، معتبراً أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التنسيق بين الفعل السياسي والاحتجاج الاجتماعي.
وفي السياق، دعا الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي السلطة إلى تنفيذ قانون تشغيل من طالت بطالتهم، معتبراً في بيان الاثنين أن التشغيل يمثل أحد المطالب الرئيسية التي جسدها المسار الثوري، وأن على السلطات وقف ما وصفه بالمماطلة والتسويف.
وقال الباحث المختص في التحركات الاجتماعية رمضان بن عمر إن احتجاجات المعطلين تتصاعد وتتوسع في الجهات، مشيراً إلى تحركات مقررة في عدد من مراكز المحافظات والمعتمديات، بينها أريانة وتطاوين والكاف وبنزرت وجندوبة وسوسة والمنستير والمهدية وقفصة وتوزر، إضافة إلى بئر علي بن خليفة ومنزل بوزيان والمكناسي والرديف، وتحرك آخر في نابل.
ورأى بن عمر أن السلطة تواجه اختباراً في التعامل مع هذه الاحتجاجات، محذراً من مواجهتها أمنياً أو اللجوء إلى خطاب المؤامرة والتخوين. وأضاف أن استمرار التحركات قد يضع السلطات أمام خيار تفعيل الأوامر الترتيبية للقانون 18 لسنة 2025 أو مواجهة اتساع الاحتجاجات وانضمام فئات أخرى لديها مطالب مختلفة.
وفي منزل بوزيان، أكدت الناشطة في المجتمع المدني وإحدى المعطلات من العمل وئام العثماني أن الحراك سلمي لكنه يتجه نحو التصعيد بسبب عدم تفعيل قانون 18 وعدم تنفيذ الوعود المقدمة للعاطلين.
وقالت العثماني إنها بقيت من دون عمل لمدة 14 عاماً، بينما ينتظر آخرون فرص التشغيل منذ 20 أو 25 عاماً وأكثر، ووصفت الوضع في المنطقة بأنه “سيئ للغاية”، مشيرة إلى مشاركة الأهالي في الاحتجاجات ودعمهم لأبنائهم.
وأكدت أن المحتجين متمسكون بمواصلة التحركات تحت شعار “لا رجوع للوراء”، مشيرة إلى أن الحراك لا تقوده جهة محددة، وأن المشاركين يعملون على تأطيره بأنفسهم والحفاظ على طابعه السلمي إلى حين تحقيق مطالبهم في الشغل والكرامة.
تونس.. استعادة 11,795 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأمريكية
