تسعى تونس إلى تعزيز موقعها ضمن الدول النامية المنخرطة في مسار الاقتصاد منخفض الكربون، عبر رفع سقف تعهداتها المناخية في النسخة الثالثة من مساهمتها المحددة وطنيا، والتي تستهدف خفض كثافة الكربون في الاقتصاد بنسبة 62% بحلول عام 2035.
ويأتي هذا التوجه رغم أن تونس لا تسهم إلا بنسبة محدودة جدا من الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، تقدر بنحو 0.07%، إلا أن السلطات التونسية تراهن على تسريع الانتقال الطاقي، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتحسين قدرة البلاد على التكيف مع تداعيات التغير المناخي.
وتضع خارطة الطريق الجديدة أهدافا أكثر طموحا مقارنة بالتعهدات السابقة، إذ تسعى تونس إلى خفض كثافة الكربون بنسبة 46.4% بحلول عام 2030، ثم 62% في أفق 2035، مقارنة بسنة 2010 المعتمدة كسنة مرجعية.
وتعهدت تونس في نسخة عام 2015 بخفض الكثافة الكربونية بنسبة 41%، قبل أن ترفع الهدف إلى 45% في نسخة عام 2021.
وتتضمن الوثيقة المناخية الجديدة، للمرة الأولى، توقعات بتراجع صافي انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 34% عام 2035 مقارنة بعام 2010، في مؤشر على توجه رسمي لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي والطاقي على أسس أكثر استدامة وأقل ارتباطا بمصادر الطاقة التقليدية.
كما تشير المعطيات الواردة في الوثيقة إلى إمكانية انخفاض نصيب الفرد من الانبعاثات إلى 1.77 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول 2035، مقابل 2.55 طن عام 2010، أي بتراجع يناهز 31%، وهو ما تعتبره السلطات دليلا على إمكانية تحقيق نمو اقتصادي أقل تلويثا.
ويرتكز هذا المسار أساسا على توسيع استخدام الطاقات المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية، ودفع الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر.
واعتمدت الحكومة التونسية في عام 2023 استراتيجية تهدف إلى رفع حصة الطاقات المتجددة إلى ما لا يقل عن 50% من المزيج الكهربائي الوطني بحلول نهاية 2035.
غير أن هذه الأهداف تطرح تساؤلات جدية بشأن قدرة تونس على توفير التمويلات اللازمة، وتحديث بنيتها التحتية الطاقية، وجذب الاستثمارات الخضراء، خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد منذ سنوات، وارتفاع الطلب المحلي على الطاقة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير في البيئة والتنمية المستدامة والمستشار السابق لوزير البيئة، عامر الجريدي، أن الهدف التونسي يعكس توجها رسميا نحو نموذج تنموي أقل اعتماداً على الطاقة الأحفورية وأكثر انسجاما مع التحولات المناخية العالمية، معتبرا أن بلوغ هذا الهدف “ليس مستحيلا”.
وقال الجريدي إن تونس راكمت خلال السنوات الماضية أرضية قانونية وتقنية مهمة في مجال الانتقال الطاقي والانتقال الإيكولوجي، من خلال الانخراط في الاتفاقيات الدولية، مثل بروتوكول كيوتو واتفاق باريس للمناخ، إضافة إلى اعتماد استراتيجيات وطنية لتعزيز الطاقات المتجددة والحد من الانبعاثات.
وفي المقابل، أشار إلى أن ما تحتاجه تونس فعليا هو سياسة بيئية عامة أكثر وضوحا واستقرارا وقابلة للتنفيذ على المدى الطويل، إلى جانب توفير التمويلات الضرورية وتسريع المشاريع المعطلة أو البطيئة في قطاع الطاقة النظيفة.
وتقدر تونس حاجتها التمويلية للمشاريع المناخية بنحو 55 مليار دولار، أي ما يعادل حوالي 161.3 مليار دينار تونسي، خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2035.
وتتوزع هذه الاعتمادات بين مشاريع التكيف مع التغيرات المناخية بنسبة 53%، ومشاريع خفض الانبعاثات بنسبة 47%.
ورجح الجريدي أن تتمكن تونس، في حال استمرار المشاريع الحالية وتوفير التمويلات المطلوبة، من خفض انبعاثات الكربون بنسبة تتراوح بين 45 و55% بحلول عام 2035، خصوصاً إذا نجحت في تسريع مشاريع الطاقة الشمسية والرياح وتحسين مناخ الاستثمار الأخضر.
وفي المقابل، يرى الخبير الدولي في البيئة والتنمية المستدامة عادل الهنتاتي أن هدف خفض كثافة الكربون بأكثر من 60% بحلول 2035 يبدو “طموحاً أكثر من اللازم”، بالنظر إلى استمرار اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط والغاز والفحم، وصعوبة تحقيق انتقال طاقي سريع في الدول النامية.
وأوضح الهنتاتي أن أكبر الاقتصادات الصناعية لم تقترب حتى الآن من تحقيق هدف الحياد الكربوني، رغم تعهداتها المناخية، مشيراً إلى أن الاستثمارات العالمية لا تزال تتجه نحو استكشاف حقول جديدة للنفط والغاز، في ظل ارتفاع الطلب على الطاقة والتوترات الجيوسياسية.
ورغم تحفظه على حجم الطموح المعلن، أقر الهنتاتي بأن تونس حققت تقدما في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لافتاً إلى أن الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي تستهدف رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 35% بحلول 2030، ثم 50% عام 2035، في حين لا تتجاوز النسبة الحالية نحو 12%.
ويأتي هذا النقاش بعد امتناع تونس، في 20 مايو الجاري، إلى جانب تسع دول عربية، عن التصويت على قرار أممي يدعو إلى التخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري داخل أنظمة الطاقة، بهدف بلوغ “صفر انبعاثات صافية” بحلول عام 2050.
واعتبر الهنتاتي أن الموقف التونسي كان واقعيا ومنسجما مع تحديات الدول النامية، موضحاً أن التخلي الكامل عن الوقود الأحفوري خلال عقود قليلة يبقى هدفا نظريا أكثر منه خيارا قابلا للتطبيق، خاصة بالنسبة للدول التي تواجه ضغوطا مالية وطاقية متزايدة.
مصر تتصدر شمال إفريقيا في عائدات السياحة لعام 2025
