09 مايو 2026

تواصل السلطات التونسية سياسة تثبيت أسعار المحروقات، رغم الارتفاع المتسارع في أسعار النفط العالمية والتوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الإيرانية.

وبينما اتجهت عدة دول عربية ومتوسطية خلال الأشهر الأخيرة إلى رفع أسعار البنزين والديزل لمواجهة الضغوط على الموازنات العامة، اختارت تونس الإبقاء على منظومة الدعم، رغم ما يفرضه ذلك من أعباء إضافية على المالية العمومية واتساع عجز قطاع الطاقة.

ويرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن قرار تثبيت الأسعار يحمل أبعادا سياسية واجتماعية أكثر من كونه خيارا اقتصاديا بحتا، مشيرا إلى أن الحكومة التونسية سبق أن رفضت توصيات من صندوق النقد الدولي تتعلق بإصلاحات اقتصادية تشمل تقليص دعم المحروقات ورفع الأسعار.

وأوضح الشكندالي أن أي زيادة في أسعار الوقود ستنعكس مباشرة على تكاليف النقل والسلع والخدمات الأساسية، ما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة ويزيد من حدة التوتر الاجتماعي في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع مستويات الفقر.

وأضاف أن الحكومة تعتمد عمليا على سياسة الدعم لاحتواء التداعيات الاجتماعية للأزمة الاقتصادية، حتى وإن جاء ذلك على حساب التوازنات المالية للدولة، محذرا من أن استمرار التمويل المباشر عبر البنك المركزي من دون تحقيق نمو اقتصادي فعلي أو خلق ثروة إنتاجية تؤدي إلى مزيد من الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.

وفي الوقت ذاته، رجح أن تلجأ السلطات إلى طلب تسهيلات مالية إضافية من البنك المركزي التونسي لمواصلة تمويل دعم الطاقة وتغطية التزامات الأجور، خاصة مع تصاعد فاتورة الاستيراد الطاقي وتراجع الإنتاج المحلي من النفط.

وعلى خلاف تونس، شهدت دول عدة في المنطقة زيادات متفاوتة في أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب الإيرانية، من بينها الإمارات والمغرب والأردن ولبنان وموريتانيا، إلى جانب ارتفاعات سجلتها دول أوروبية متوسطية مثل إسبانيا وإيطاليا، نتيجة الارتفاع العالمي في أسعار النفط.

ومن جانبه، اعتبر الخبير المالي زياد أيوب أن بإمكان تونس تقليص الضغط على ميزانيتها إذا اعتمدت بشكل أوسع على أدوات التحوط في أسواق الطاقة واستغلت فترات انخفاض الأسعار العالمية لعقد صفقات شراء مستقبلية.

وأشار إلى أن استمرار الأسعار المرتفعة للنفط يكلف تونس ما لا يقل عن سبعة مليارات دينار إضافية هذا العام، متوقعا أن تجد الحكومة نفسها مضطرة على المدى المتوسط إلى مراجعة سياسة تثبيت الأسعار إذا لم تتمكن من تأمين موارد إضافية للحفاظ على استقرار المالية العامة واحتياطي النقد الأجنبي.

وأكد أيوب أن كلفة دعم الطاقة مرشحة للارتفاع بشكل حاد إذا استمرت الأسواق العالمية في تسجيل مستويات مرتفعة للأسعار، موضحًا أن سياسة تثبيت أسعار المحروقات تمثل توازنا معقدا بين متطلبات الاستقرار الاجتماعي والحفاظ على التوازنات المالية، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا متزايدة على الدين العمومي والإنفاق الحكومي.

ويعد ملف المحروقات من أكثر الملفات حساسية في تونس، بالنظر إلى تأثيره المباشر على تكاليف المعيشة والإنتاج والنقل، إضافة إلى ارتباطه بالاستقرار الاجتماعي في بلد شهد خلال السنوات الماضية موجات متكررة من الاحتجاجات المرتبطة بتدهور الأوضاع المعيشية.

وتواجه الحكومة التونسية تحديا إضافيا يتمثل في أن موازنة عام 2026 بنيت على تقديرات لسعر النفط عند حدود 65 دولارا للبرميل، في حين تجاوزت الأسعار العالمية مستويات أعلى خلال الأسابيع الأخيرة، مدفوعة بالمخاوف من اتساع التوترات في الشرق الأوسط وتهديد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

ورغم رهان السلطات على تحقيق نمو اقتصادي يبلغ 3.3% خلال العام الجاري، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي في تونس قد يقتصر على 2.1% في 2026، مع توقعات بتباطؤ إضافي خلال السنوات اللاحقة.

تونس.. القضاء يحكم بالسجن على مسؤولين سابقين في قضية البنك الفرنسي التونسي

اقرأ المزيد