تكثف مصر والسودان تنسيقهما الأمني والسياسي لتأمين الحدود ومواجهة تداعيات الحرب، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية والجهود الدولية لإنهاء النزاع.
وقالت مصادر مصرية مطلعة لـ”العربي الجديد” إن الاتصالات المصرية السودانية الأخيرة ترتبط بالتحولات المتسارعة في الحرب، على المستويين الميداني والسياسي والدولي، بالتزامن مع تصاعد عمليات الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع وتكثيف المساعي الدولية لدفع الأطراف نحو مسار تفاوضي.
وأضافت المصادر أن الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، الأحد الماضي، يكتسب أهمية خاصة، بعدما سبقه عدد من الاتصالات الأمنية والعسكرية بين البلدين، ركزت على دعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، إلى جانب التشاور بشأن تطورات الحرب.
وشددت القاهرة خلال الأشهر الأخيرة إجراءات تأمين حدودها الجنوبية، إذ أعلنت القوات المسلحة المصرية تنفيذ حملات أمنية موسعة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية استهدفت بؤراً إجرامية تنشط في الاتجار بالسلاح والمخدرات والتنقيب غير المشروع عن الذهب والهجرة غير النظامية.
كما أعلنت قوات حرس الحدود استمرار تأمين الحدود البرية والساحلية عبر منظومة مراقبة متكاملة تشمل أجهزة الكشف والمراقبة ووسائل الاتصال ومركبات الدفع الرباعي وأجهزة الفحص والكلاب المدربة على اكتشاف المهربات.
وتتعامل القاهرة مع هذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من حماية الأمن القومي، في ظل اضطرابات إقليمية متزايدة. وكان وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر قد شدد، خلال لقائه مقاتلي المنطقة الجنوبية في مايو الماضي، على أهمية الاستعداد القتالي لحماية الحدود، مشيراً إلى مكافحة التهريب والتنقيب العشوائي عن الذهب وانعكاسات التطورات الإقليمية والدولية على الأمن القومي المصري.
وفي السودان، أصبحت مواجهة شبكات التهريب جزءاً من جهود مؤسسات الدولة للحفاظ على خطوط الإمداد والسيطرة على المناطق الحدودية، في ظل امتداد الحرب إلى طرق التجارة والإمداد والموارد، وفي مقدمتها الذهب.
وتشير تقارير صحافية إلى تنامي نشاط شبكات التهريب على الحدود منذ اندلاع الحرب، نتيجة تراجع الرقابة الأمنية وتعدد المنافذ والمسارات الصحراوية. ويعكس تزامن تشديد الإجراءات المصرية مع التحركات السودانية لمواجهة هذه الشبكات هدفاً مشتركاً يتمثل في منع الحدود من التحول إلى مسار خلفي لاقتصاد الحرب.
ولا يقتصر التقارب المصري السوداني على الملفات السياسية والأمنية، بل يمتد إلى قطاع التعدين، خصوصاً الذهب، الذي أصبح من مجالات الاستثمار العابرة للحدود بين البلدين.
وفي هذا السياق، وسعت شركة “ديب ميتالز” للمعادن، التي يرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال المصري محمد الجارحي، حضورها في قطاع الذهب السوداني، بعد استحواذها العام الماضي على حصة تبلغ 85% من مشروع ومنجم “أركيديا” للذهب، في صفقة قُدرت بنحو 277.3 مليون دولار، وشملت إنشاء مصنع لمعالجة المخلفات ومصفاة للذهب، إلى جانب حقوق الاستكشاف والإنتاج في عدد من مربعات الامتياز بولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر والقضارف.
وانتقلت استثمارات الشركة أيضاً إلى السوق المصرية، إذ وقعت في يونيو الماضي اتفاقية للاستحواذ على 50% من أسهم شركة “إبداع لمناجم الذهب”، التي تعمل في مجال البحث والاستكشاف عن الذهب في الصحراء الشرقية.
وتعكس هذه التحركات نشوء مصالح اقتصادية مصرية سودانية حول الذهب، تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والتكرير، وقد تفتح المجال أمام تطوير سلاسل إمداد إقليمية تربط الإنتاج السوداني بالخبرات والبنية التحتية والأسواق المصرية.
وقال السفير حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، لـ”العربي الجديد”، إن مصر تعد “الأكثر وضوحاً” بين دول جوار السودان في موقفها المؤيد للجيش السوداني ومؤسسات الدولة، معتبراً أن موقف القاهرة يستند إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة ورفض انتشار المليشيات.
وأضاف أن مصر تشارك في الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، فضلاً عن استضافتها أعداداً كبيرة من اللاجئين السودانيين ومساهمتها في مشروعات تنموية وإغاثية.
من جهتها، قالت الخبيرة المصرية في الشؤون الإفريقية أماني الطويل إن السودان يمر بمرحلة تتسع فيها رقعة المواجهات، مرجعة ذلك إلى استمرار حصول أطراف الصراع على الدعم، إلى جانب انشغال الولايات المتحدة بالمواجهة مع إيران.
وأوضحت أن أطراف الصراع تسعى إلى تحسين مواقعها التفاوضية، ما يفسر استمرار العمليات العسكرية في ظل غياب تقدم فعلي نحو وقف إطلاق النار.
وأضافت أن التطورات الميدانية، خصوصاً في شمال كردفان واتجاه دارفور، ستكون من أبرز العوامل التي ينبغي مراقبتها خلال الفترة المقبلة، لتحديد تأثيرها على فرص استئناف المسار التفاوضي والمبادرات الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب.
تقرير دولي: مصر الوجهة الأولى لمشروعات الفنادق في القارة السمراء
