تواجه مدينة الأبيض السودانية أزمة إنسانية متفاقمة مع وصول آلاف النازحين، وسط شح المياه والغذاء وتدهور الرعاية الصحية.
وتتزايد الضغوط على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مع استمرار تدفق المدنيين الفارين من المعارك في المناطق المحيطة، فيما تواجه المدينة ومخيمات النازحين نقصاً متزايداً في الغذاء والمياه والرعاية الصحية والبنية التحتية، وفق تقرير نشرته صحيفة “الغارديان”.
وتقدّر الأمم المتحدة وصول أكثر من 15 ألف أسرة إلى الأبيض منذ منتصف يوليو، لينضموا إلى أكثر من 200 ألف شخص نزحوا إلى المدينة خلال النصف الأول من عام 2026، وفق أرقام حكومية استندت إليها منظمة “أنقذوا الأطفال”.
ويصف عاملون في المجال الإنساني الأبيض بأنها أصبحت شديدة الاكتظاظ، مع وصول نازحين يومياً من القرى والمناطق التي تشهد مواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فيما يصل كثير منهم سيراً على الأقدام وبحوزتهم القليل من الممتلكات.
أكثر من 200 ألف نازح خلال ستة أشهر
وقالت منظمة “أنقذوا الأطفال”، استناداً إلى مفوضية العون الإنساني في شمال كردفان، إن 204 آلاف شخص نزحوا إلى الأبيض بين يناير ويونيو 2026، بينهم نحو 38,740 طفلاً.
ويقيم نحو 21,413 شخصاً من هؤلاء في المخيمات، بينما استوعبت المجتمعات المضيفة داخل المدينة والمناطق المحيطة أكثر من 182 ألف نازح. وتقدّر المنظمة أن عدد الموجودين حالياً في مدينة الأبيض ومحلية شيكان تجاوز 605 آلاف شخص.
وفي المخيمين الرئيسين المحيطين بالمدينة، يعيش عشرات الآلاف في خيام وملاجئ مؤقتة. وأظهر تحليل لصور الأقمار الاصطناعية أجراه مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة “ييل” ظهور نحو 800 خيمة جديدة في أحد المخيمات بين 4 و25 أغسطس الجاري، في مؤشر إلى استمرار موجة النزوح.
وقال مدير المجلس الدنماركي للاجئين في السودان، بول بايرز، عقب زيارة للأبيض، إن نحو 85% من الوافدين الجدد من النساء والأطفال، بينما يبقى عدد من الرجال في مناطقهم خلال موسم الزراعة.
المياه أقل من نصف الحد الأدنى
وتعد أزمة المياه من أخطر المشكلات التي تواجه سكان الأبيض والنازحين. وقالت منظمة “أنقذوا الأطفال” إن متوسط كمية المياه المتاحة انخفض إلى نحو 7 لترات للفرد يومياً، أي أقل من نصف الحد الأدنى الموصى به في حالات الطوارئ والبالغ 15 لتراً.
وأشارت المنظمة إلى أن بعض الأسر تمضي ما يقارب نصف يومها في البحث عن المياه.
وقالت منسقة الطوارئ في السودان لدى منظمة “أطباء بلا حدود”، إسبيرانزا سانتوس، إن مصدراً رئيسياً للمياه شمال المدينة تعرض لأضرار جسيمة ولم يُصلح بالكامل، إلى جانب تضرر شبكات الأنابيب.
وأدى ذلك إلى اعتماد المستشفيات ومخيمات النازحين بدرجة كبيرة على نقل المياه بالصهاريج، رغم أن الكميات المتاحة لا تكفي الاحتياجات.
وأضافت سانتوس أن ظروف الصرف الصحي في المخيمات “سيئة للغاية”، إذ يصل عدد المستخدمين في بعض المواقع إلى أكثر من 100 شخص للمرحاض الواحد.
ارتفاع سوء التغذية والأسعار
ويتزامن شح المياه والغذاء مع مؤشرات على تصاعد سوء التغذية بين الأطفال. وقالت “أنقذوا الأطفال” إن المرافق الصحية التي تدعمها في محلية شيكان عالجت 426 طفلاً من سوء التغذية خلال أبريل، مقابل 195 طفلاً في مارس، بزيادة شهرية بلغت 118%، وبزيادة 75% مقارنة أبريل 2025.
وحذرت المنظمة من أن المساعدات الغذائية المتاحة في المخيمين الرئيسين أقل بكثير من الاحتياجات، ما يدفع بعض الأطفال إلى تفويت وجبات أو النوم جائعين.
كما ساهمت المخاطر التي تواجه شاحنات الإمداد وتعطل طرق النقل في ارتفاع كبير لأسعار المواد الأساسية. ووفق بيانات برنامج الأغذية العالمي، بلغ سعر لتر زيت الفول السوداني في شمال كردفان خلال يوليو نحو 17 ألف جنيه سوداني، مقارنة بـ13 ألفاً في يونيو و7,700 جنيه قبل عام.
كما تضاعفت أسعار الدقيق ولحوم الماعز والأغنام بأكثر من مرتين خلال عام.
المسيّرات تضاعف المخاطر
وبحسب “الغارديان”، لا يزال خطر هجمات المسيّرات قائماً رغم انخفاض وتيرة الضربات مقارنة بشهر يونيو.
وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في يوليو من “كارثة حقوقية” حول الأبيض، مشيرة إلى ظروف شبيهة بالحصار، ونقص حاد في المياه، وتقارير عن إعدامات وخطف وتعذيب وعنف جنسي على طرق النزوح في كردفان.
وتحدث متطوعون للصحيفة عن رصد حالات تُستخدم فيها ضربة ثانية بعد الضربة الأولى لاستهداف أشخاص يصلون إلى موقع الهجوم لإنقاذ المصابين، وهي ممارسة تُعرف بـ”الضربة المزدوجة”.
وبحسب بيانات مجموعة “ACLED” التي نقلتها الصحيفة البريطانية، سجل إقليم كردفان 322 حادثة عنف أثرت على المدنيين منذ مطلع 2026، مقابل 388 حادثة طوال عام 2025. ونُسب نحو نصف حوادث العام الحالي إلى قوات الدعم السريع وأوقعت ضحايا مدنيين.
ورغم استعادة الجيش السوداني في أواخر يوليو طريقاً رئيسياً يربط الأبيض شمالاً بالخرطوم، ما خفف جزئياً خطر الحصار، فإن استمرار المعارك في المناطق المحيطة يدفع مزيداً من السكان إلى المدينة ويزيد الضغط على مواردها المحدودة.
وتحذر المنظمات الإنسانية من اقتراب الأبيض من نقطة انهيار إنساني إذا استمر تدفق النازحين من دون توسع عاجل في إمدادات الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى، ولا سيما مع وجود مناطق في الأبيض ومحيطها معرضة لخطر المجاعة.
الدبيبة يعلن عن خطة جديدة لإنهاء الأزمة الليبية
