29 أغسطس 2026

كشف الباحث في شؤون الطاقة محمد آدم المقراني لموقع أخبار شمال إفريقيا، أن موجة انقطاعات الكهرباء التي شهدتها تونس أخيرا لا يمكن تفسيرها بارتفاع درجات الحرارة والزيادة الاستثنائية في الاستهلاك فقط، معتبرا أن الضغوط التي تعرضت لها الشبكة كشفت هشاشة تراكمت على مدى سنوات.

وأوضح المقراني أن الأزمة ترتبط بصورة أوسع بتراجع الاستقلالية الطاقية للبلاد، مشيرا إلى أنها كانت في حدود 93 في المئة عام 2010، قبل أن تنخفض إلى نحو 34 في المئة بنهاية يونيو 2026.

وتؤكد بيانات وزارة الصناعة والمناجم والطاقة بلوغ نسبة الاستقلالية الطاقية 34 في المئة في نهاية يونيو، مقابل 38 في المئة خلال الفترة نفسها من 2025.

وبحسب المقراني، يعكس هذا التراجع انتقال تونس من دولة تغطي الجزء الأكبر من حاجاتها من مواردها المحلية إلى الاعتماد بدرجة متزايدة على الخارج، ولا سيما الغاز القادم من الجزائر، بالتوازي مع الانخفاض المستمر في إنتاج المحروقات.

وتراجع متوسط إنتاج النفط الخام من نحو 77 ألف برميل يوميا في 2010 إلى 25.4 ألف برميل يوميا بنهاية يونيو الماضي، بحسب بيانات وزارة الطاقة، فيما شهد إنتاج الغاز الطبيعي المحلي مسارا مماثلا خلال السنوات الماضية.

وقال المقراني إن أهمية تراجع إنتاج الغاز تتضاعف بسبب اعتماد منظومة الكهرباء التونسية عليه بصورة شبه كاملة، ما يجعل أمن الإمدادات الكهربائية مرتبطا مباشرة بتوفر الغاز المحلي والمستورد.

وتشير بيانات رسمية سابقة إلى أن الغاز شكل أكثر من 97 في المئة من مزيج إنتاج الكهرباء في 2021، فيما أكدت شركة الكهرباء والغاز في يونيو الماضي استمرار اعتماد الإنتاج بأكثر من 95 في المئة على الغاز الطبيعي.

وفي المقابل، رأى الباحث أن تونس حققت تقدما في مشاريع الطاقات المتجددة، خصوصا خلال العامين الأخيرين، لكنه اعتبر أن وتيرة توسعها لم تكن كافية لتعويض الانخفاض الأسرع في إنتاج النفط والغاز، قائلا إن «المنظومة القديمة تراجعت قبل أن تتمكن المنظومة الجديدة من تحمل العبء».

وأضاف أن موجة الحر لم تصنع الأزمة بقدر ما كشفتها، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وتأخر الاستثمارات وعدم اكتمال عملية تنويع مزيج إنتاج الكهرباء، ما حول مشكلة انقطاعات ظرفية إلى مؤشر على تحد أوسع يتعلق بالأمن الطاقي وقدرة السياسات العامة على الاستباق.

وربط المقراني جانبا من أزمة الكهرباء بالوضع المالي للشركة التونسية للكهرباء والغاز «الستاغ»، لكنه حذر من اختزال المشكلة في مديونية الشركة وحدها، موضحا أن تراجع الموارد المالية انعكس مباشرة على قدرتها على الاستثمار وتجديد وسائل الإنتاج والشبكات.

وبلغت ديون الستاغ في 23 يونيو 2026 نحو 7.356 مليارات دينار، في حين تجاوزت مستحقاتها غير المحصلة لدى الأفراد والمؤسسات العامة والخاصة 6 مليارات دينار، وفق أرقام قدمها مسؤولو الشركة أمام لجنة المالية في البرلمان.

وأشار المقراني إلى أن الشركة تواجه كذلك فجوة بين كلفة إنتاج الكهرباء ومتوسط سعر بيعها، وأظهرت بيانات عرضتها الشركة أن متوسط سعر بيع الكيلوواط ساعة في 2025 بلغ 291 مليما مقابل كلفة إنتاج وصلت إلى 456 مليما، بما يعني أن سعر البيع غطى نحو 64 في المئة من الكلفة.

وقال المقراني إن هذه المعادلة تضع الدولة أمام تحد يتمثل في الحفاظ على أسعار مقبولة اجتماعيا بالتزامن مع توفير الموارد الضرورية للشركة لتمويل المحطات والشبكات والاستثمارات الجديدة.

وانعكست الضغوط المالية على حجم الاستثمار، إذ انخفضت استثمارات «الستاغ» في وسائل إنتاج الكهرباء من نحو 1.947 مليار دينار بين 2016 و2020 إلى 248 مليون دينار بين 2021 و2025، بتراجع يقارب 87 في المئة.

واعتبر المقراني أن هذا الانخفاض حول تدريجيا الأزمة المالية إلى مشكلة تقنية، لأن آثار عدم إنشاء محطة أو تحديث شبكة لا تظهر بالضرورة بصورة فورية، لكنها تتراكم إلى أن يرتفع الطلب وتفقد المنظومة هامشها للتكيف.

ودعا إلى معالجة وضع الشركة عبر إصلاح نموذجها المالي وتحسين استخلاص المستحقات ومراجعة منظومة الدعم وإعادة ضخ الاستثمارات في الإنتاج والشبكات، بدلا من الاعتماد على الاقتراض أو التمويلات الجديدة وحدها.

ورأى المقراني أن أزمة الكهرباء لا تنفصل عن اضطرابات شهدتها تونس في قطاعات أخرى، بينها المياه المعلبة وبعض المواد الأساسية والأدوية وارتفاع الأسعار، معتبرا أن تزامنها يكشف مشكلة أوسع في إدارة السياسات العامة.

وقال إن ارتفاع الطلب على الكهرباء خلال موجات الحر، وكذلك زيادة استهلاك المياه المعلبة خلال الموسم السياحي وعودة التونسيين المقيمين في الخارج، عوامل يمكن توقعها مسبقا، ما يجعل إدارة المخزون والتمويل والتوزيع والاستعداد للطلب جزءا أساسيا من منع تحول الضغوط الموسمية إلى أزمات.

وأشار كذلك إلى الضغوط التي يواجهها تمويل المؤسسات، إذ ذكر البنك الدولي أن حصة الحكومة من إجمالي الائتمان المصرفي ارتفعت إلى نحو الثلث في 2025 مقارنة بنحو 15 في المئة عام 2019، وهو ما يحد من السيولة المتاحة لتمويل المؤسسات والأسر ويضغط على الاستثمار.

وأضاف أن تعديلات تشريعية ومالية، بينها الإجراءات المتعلقة بالشيكات، فرضت بدورها ضغوطا على دورة تمويل بعض المؤسسات، بالتزامن مع استمرار مشكلات هيكلية في قطاعات مثل الصناديق الاجتماعية والدواء والطاقة.

وبحسب المقراني، لا تكمن المشكلة في غياب تشخيص هذه الأزمات، إذ توجد منذ سنوات تقارير محلية ودولية تحذر من هشاشة الأمن الطاقي والمائي والصعوبات المالية للمؤسسات العمومية والحماية الاجتماعية، بل في عدم تحول التشخيص بالسرعة الكافية إلى قرارات وتمويل واستثمارات قابلة للتنفيذ.

وحذر الباحث من أن استمرار ضغوط الخدمات والقدرة الشرائية قد يحول الأزمة تدريجيا إلى مصدر للاحتقان الاجتماعي، موضحا أن مظاهر الاحتجاج ما تزال متفرقة ومحلية ولا تسمح بالقول إنها ستتطور حتما إلى أزمة اجتماعية واسعة.

واعتبر أن تراكم مشكلات الكهرباء والمياه والأدوية والمواد الأساسية والخدمات العامة ينقل القضية من أداء كل قطاع منفرد إلى مستوى ثقة المواطن بقدرة الدولة على ضمان احتياجاته الأساسية.

وقال إن مفهوم الأمن القومي في الحالة التونسية ينبغي أن يشمل الأمن الطاقي والمائي والغذائي والصحي، خصوصا مع تعرض هذه القطاعات لضغوط متزامنة.

كما دعا المقراني السلطات إلى مزيد من المصارحة والشفافية بشأن أسباب الأزمات، معتبرا أن تفسير الصعوبات حصرا بأعمال التخريب أو المؤامرات لا يقدم تفسيرا كافيا لاختلالات مالية وهيكلية موثقة منذ سنوات.

وأضاف أن أي تجاوزات أو أعمال تخريب ينبغي التعامل معها بالقانون، بالتوازي مع الاعتراف بالمشكلات الهيكلية وشرحها للرأي العام وعرض خطوات واضحة لمعالجتها.

وحذر من أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحول أزمة الخدمات إلى أزمة ثقة، معتبرا أن استمرار تآكل الثقة قد ينقل الاحتقان الاجتماعي المتفرق إلى أزمة أوسع ذات انعكاسات سياسية، وهو ما يجعل الاستباق والاستثمار والتواصل مع المواطنين عناصر أساسية في إدارة المرحلة المقبلة.

تونس تفتتح مشوارها في أمم إفريقيا بلقاء أوغندا على ملعب الرباط

اقرأ المزيد