أكد الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية مصطفى كمال دماني أن زيارة الوزير الأول الجزائري إلى مالي تعكس أولوية الساحل في الدبلوماسية الجزائرية.
وقال دماني، في مقابلة خاصة لوكالة “أخبار شمال إفريقيا”، أن زيارة الوزير الأول الجزائري إلى مالي تندرج ضمن ديناميكية متنامية في الدبلوماسية الجزائرية تجاه دول منطقة الساحل، مشيراً إلى أن الهواجس الأمنية، إلى جانب ملفات الطاقة والهجرة والتنمية، تشكل أبرز دوافع التحرك الجزائري في المنطقة.
وأوضح دماني أن التقارب مع مالي يأتي في سياق تحركات جزائرية شملت أيضاً دولاً أخرى في الساحل وغرب إفريقيا، على غرار النيجر وتشاد والسنغال وموريتانيا، بهدف تعزيز التنسيق الإقليمي ومواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
وقال الباحث إن التطورات الأمنية التي شهدتها مالي، ولا سيما تحرك الجماعات المسلحة باتجاه العاصمة باماكو، شكّلت عاملاً إضافياً دفع الجزائر إلى إعادة تفعيل علاقاتها مع باماكو، معتبراً أن المقاربة الجزائرية تقوم على التحرك الوقائي والبحث عن حلول سياسية وأمنية، بدل الاقتصار على المعالجة العسكرية.
وأشار دماني إلى أن الانسحاب الفرنسي من منطقة الساحل خلّف فراغاً أمنياً، في وقت أثبتت فيه المقاربات العسكرية السابقة محدوديتها في التعامل مع التهديدات التي تواجه مالي، الأمر الذي أسهم، بحسبه، في إعادة تقييم السلطات المالية لخياراتها والعودة إلى الجزائر للاستفادة من خبرتها في ملف السلم والأمن الإقليميين.
وفي هذا السياق، لفت المتحدث إلى أهمية إحياء اتفاق السلام في مالي وإعادة تفعيل مذكرات التعاون بين البلدين، معتبراً أن ذلك من شأنه تصحيح مسار العلاقات الجزائرية المالية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل التداعيات التي خلفتها الخلافات السابقة بين البلدين.
وأضاف أن الجزائر تنظر إلى أمن منطقة الساحل باعتباره جزءاً من أمنها القومي وامتداداً لمجالها الحيوي، في ظل تنامي نشاط الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة والتهريب عبر الحدود، وهي ظواهر قال إنها تمثل تهديداً مشتركاً للجزائر ومالي وبقية دول المنطقة.
وبحسب دماني، فإن البعد الطاقوي يمثل عاملاً آخر في التقارب الجزائري مع دول الساحل، خصوصاً في ضوء الطموح المتعلق بنقل الغاز النيجيري عبر النيجر والجزائر باتجاه أوروبا. وأوضح أن تحقيق هذا المشروع يتطلب بيئة مستقرة وتنسيقاً أمنياً وسياسياً بين دول المنطقة، بالنظر إلى التعقيدات الجغرافية والحدودية والتداخلات السكانية والقبلية.
وأكد الباحث أن الجزائر تسعى، من خلال تحركها في الساحل، إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وتعزيز موقعها كحلقة وصل بين أوروبا ودول المنطقة، مشيراً إلى أن الاستقرار في الساحل يرتبط أيضاً بملفات الطاقة والهجرة والأمن الأوروبي.
وفي هذا الإطار، أوضح دماني أن دول الاتحاد الأوروبي تنظر إلى الهجرة غير النظامية باعتبارها أحد أبرز التحديات المرتبطة بمنطقة الساحل، وهو ما يمنح الجزائر، وفق تقديره، دوراً أمنياً وإقليمياً متزايد الأهمية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع دول المنطقة.
كما تحدث عن البعد التنموي في المقاربة الجزائرية، مشيراً إلى أن الجزائر لا تركز على الجانب الأمني والعسكري فقط، وإنما تعمل على دعم مشاريع تنموية في دول الساحل، بما فيها النيجر وتشاد، مع إمكانية توسيع هذا التوجه ليشمل مالي. واعتبر أن التنمية يمكن أن تسهم في معالجة بعض الأسباب التي تدفع السكان إلى الانخراط في أنشطة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة.
وفي ما يتعلق بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، أكد دماني أنها أصبحت من أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى دول المنطقة، خصوصاً مع ارتباط أنشطة التهريب بتمويل الجماعات الإرهابية، مشيراً إلى أن الجزائر دفعت بهذا الملف ضمن تحركاتها الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز التعاون الأمني بين دول الساحل.
وشدد الباحث على أن نجاح التقارب الجزائري المالي يظل مرتبطاً بإرادة سياسية مشتركة، معتبراً أن كثافة الزيارات والوفود الوزارية والاتفاقيات المبرمة بين البلدين تعكس رغبة في إعادة بناء التعاون وتجاوز الخلافات السابقة.
وأضاف أن مواجهة التحديات الأمنية الراهنة تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين التنسيق الأمني والتنمية والحوار السياسي، إلى جانب العمل على إعادة تفعيل اتفاق السلام في مالي، باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار في البلاد والمنطقة.
ويرى دماني أن التحرك الجزائري في الساحل يندرج ضمن مسعى أوسع إلى الحفاظ على العمق الاستراتيجي للجزائر وتعزيز حضورها الإقليمي، في ظل التنافس بين القوى الكبرى على المنطقة، مشيراً إلى أهمية تنسيق الجزائر مع مختلف الأطراف الدولية الفاعلة، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي.
وخلص الباحث إلى أن منطقة الساحل باتت تمثل أولوية بالنسبة إلى الدبلوماسية الجزائرية، باعتبارها امتداداً مباشراً للأمن القومي الجزائري وجزءاً من الأمن الإقليمي، مؤكداً أن أي تدهور أمني في المنطقة ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود دول الساحل لتطال الجزائر والاتحاد الأوروبي أيضاً.
الصين تحدت العقوبات وجعلت روسيا أكبر مورد نفط لها في 2023
