قال الباحث في شؤون الطاقة محمد آدم المقراني إن انقطاعات الكهرباء الأخيرة تكشف أزمة أعمق تتعلق بهشاشة الأمن الطاقي في تونس وتراجع الاستثمار.
وأوضح المقراني، في مقابلة خاصة لوكالة “أخبار شمال إفريقيا”، أن تونس انتقلت من وضع كانت فيه تغطي الجزء الأكبر من حاجاتها الطاقية من مواردها الوطنية إلى الاعتماد المتزايد على الخارج، مشيراً إلى أن نسبة الاستقلال الطاقي تراجعت من نحو 93 بالمائة سنة 2010 إلى حوالي 34 بالمائة في نهاية يونيو 2026.
وعزا الباحث هذا التراجع أساساً إلى انخفاض إنتاج المحروقات، لافتاً إلى أن إنتاج النفط الخام تراجع من حوالي 77 ألف برميل يومياً سنة 2010 إلى نحو 25 ألف برميل يومياً حالياً، أي بفقدان ما يقارب ثلثي مستوى الإنتاج السابق.
وأشار كذلك إلى تراجع إنتاج الغاز الطبيعي، الذي أصبح لا يمثل سوى نحو ربع موارد الغاز المتاحة لتونس، في وقت تعتمد فيه البلاد بشكل كبير على الغاز لتوليد الكهرباء، إذ يناهز نصيبه 91 بالمائة من إنتاج الكهرباء.
الطاقات المتجددة تتقدم لكن بوتيرة غير كافية
ورغم التطور المسجل في مجال الطاقات المتجددة خلال السنتين الأخيرتين، اعتبر المقراني أن حصتها من إنتاج الكهرباء لا تزال في حدود 9 بالمائة، مؤكداً أن الإشكال لا يكمن في التوجه نحو الطاقات المتجددة، وإنما في أن تراجع إنتاج النفط والغاز كان أسرع من قدرة الطاقات الجديدة على تعويضه.
وقال إن المنظومة الطاقية القديمة تراجعت قبل أن تتمكن المنظومة الجديدة من تحمل العبء، معتبراً أن موجة الحر لم تصنع الأزمة وإنما كشفت عن هشاشة تراكمت على مدى سنوات نتيجة تراجع الإنتاج الوطني وتأخر الاستثمارات وبدء التحول التدريجي في مزيج إنتاج الكهرباء.
وأضاف أن ما يبدو في الظاهر أزمة كهرباء ظرفية هو في العمق أزمة أمن طاقي مرتبطة بقدرة السياسة العامة على الاستباق والتخطيط، خصوصاً في قطاع استراتيجي مثل الطاقة.
الوضعية المالية لـ”ستاغ” تعمّق الأزمة
وفي ما يتعلق بالشركة التونسية للكهرباء والغاز “ستاغ”، أكد المقراني أن الوضعية المالية الصعبة للشركة تمثل جزءاً أساسياً من الأزمة، لكنه حذر من اختزال الأزمة بأكملها في الشركة.
وأوضح أن الأزمة المالية أصبحت تؤثر مباشرة في قدرة “ستاغ” على الاستثمار، ما أدى إلى نشوء حلقة مفرغة: كلما تدهورت الوضعية المالية تراجعت القدرة على الاستثمار، وكلما تأخر الاستثمار ازدادت هشاشة منظومة الإنتاج وشبكات الكهرباء.
وأشار إلى أن “ستاغ” أعلنت، خلال يونيو 2026، أن حجم ديونها بلغ حوالي 7.356 مليار دينار، في حين تتجاوز المستحقات غير المستخلصة لدى الحرفاء والمؤسسات العامة والخاصة 6 مليارات دينار.
واعتبر أن هذه الأرقام تعكس ليس فقط مشكلة مديونية، وإنما أيضاً أزمة سيولة وديوناً متقاطعة ونموذجاً مالياً يواجه ضغوطاً متزايدة.
كما لفت إلى وجود فجوة بين كلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها، موضحاً أن متوسط سعر البيع خلال سنة 2025 كان يغطي نحو 64 بالمائة فقط من كلفة الإنتاج، وهو ما يطرح، وفق تقديره، معضلة التوفيق بين الحفاظ على أسعار مقبولة اجتماعياً وتوفير الموارد اللازمة للشركة لتجديد محطاتها وشبكاتها والاستثمار في قدرات إنتاج جديدة.
تراجع الاستثمار يرفع المخاطر التقنية
وحسب المقراني، انعكست الصعوبات المالية بشكل واضح على مستوى الاستثمار، إذ تراجعت استثمارات “ستاغ” في وسائل الإنتاج الكهربائي من حوالي 1.95 مليار دينار خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2020 إلى نحو 248 مليون دينار فقط بين 2021 و2025، أي بانخفاض يقارب 87 بالمائة.
وأكد أن الأزمة انتقلت بذلك من بعدها المالي إلى بعد تقني، موضحاً أن تأخر إنجاز محطة إنتاج أو تحديث شبكة كهرباء قد لا تظهر تداعياته بشكل فوري، لكن تأثيره يتضح بعد سنوات عندما يرتفع الطلب وتجد المنظومة نفسها بهامش محدود للتكيف مع الضغوط.
ويرى الباحث أن معالجة الأزمة لا تقتصر على ضخ أموال إضافية في الشركة، بل تتطلب إصلاح النموذج المالي، وتحسين عمليات الاستخلاص، ومراجعة منظومة الدعم، إلى جانب إعادة الاستثمار في الإنتاج والشبكات قبل تحول الاحتياجات المتوقعة إلى أزمات فعلية.
أزمة الكهرباء جزء من أزمة أوسع في إدارة السياسات العامة
وحذر المقراني من التعامل مع أزمات الكهرباء والمياه المعلبة وبعض المواد الأساسية وارتفاع الأسعار باعتبارها أزمات منفصلة، معتبراً أن تزامنها يكشف عن أزمة أوسع مرتبطة بإدارة السياسات العمومية وقدرة الدولة على الاستباق.
وأوضح أن تدخل الدولة أصبح، في عدد من الحالات، يتم بعد ظهور الأزمة بدلاً من التحرك قبل وقوعها، رغم أن العديد من الضغوط يمكن توقعها مسبقاً، مثل ارتفاع استهلاك الكهرباء خلال موجات الحر أو ارتفاع الطلب على المياه المعلبة خلال الموسم السياحي ومع عودة التونسيين المقيمين بالخارج.
وأشار إلى أن بعض الاضطرابات في توفر المياه المعلبة لم تكن نتيجة توقف الإنتاج، وفق ما أفاد به المنتجون، وإنما ارتبطت بسرعة استنزاف المخزون وصعوبات التوزيع، ما يطرح مسائل تتعلق بالاستباق وإدارة المخزون والتمويل وتنظيم السوق.
كما أشار إلى ضغوط التمويل التي تواجه الاقتصاد التونسي، مستشهداً بمعطيات البنك الدولي التي تفيد بأن اقتراض الدولة أصبح يمثل حوالي ثلث الاعتماد المصرفي سنة 2025، مقابل نحو 15 بالمائة سنة 2019، وهو ما يضغط، بحسب تقديره، على السيولة المتاحة للمؤسسات وعلى قدرتها على تمويل الاستثمار والمخزون ودورة الاستغلال.
وأضاف أن قطاعات استراتيجية أخرى تواجه بدورها صعوبات متراكمة، من بينها الصناديق الاجتماعية وقطاع الدواء، في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة تراجعاً في مستويات الاستثمار.
“المشكلة ليست في غياب التشخيص”
وأكد المقراني أن المشكلة في تونس لا تتمثل في غياب التشخيص، مشيراً إلى أن هشاشة الأمن الطاقي وأزمة المياه والصعوبات التي تواجه المؤسسات العمومية والصناديق الاجتماعية معروفة منذ سنوات، سواء من خلال تقارير الدولة أو المؤسسات الوطنية والدولية.
واعتبر أن الإشكال الأساسي يكمن في عدم تحول هذه التشخيصات بالسرعة المطلوبة إلى إصلاحات واستثمارات وقرارات قابلة للتنفيذ.
وشدد على أن العوامل الخارجية، مثل الجفاف والحروب وتقلب أسعار الطاقة وعدم استقرار الأسواق الدولية، تمثل بالفعل مصادر ضغط على تونس، لكن وظيفة السياسة العامة، وفق تقديره، ليست منع هذه الصدمات وإنما تقليص آثارها على المواطن والاقتصاد.
تراجع الخدمات يهدد الثقة في الدولة
وحذر الباحث من أن تزامن الصعوبات في الكهرباء والمياه وبعض المواد الأساسية والأدوية، إلى جانب ارتفاع الأسعار والضغط على القدرة الشرائية وأزمة الصناديق الاجتماعية، بدأ يحول الأزمات القطاعية إلى مصدر احتقان اجتماعي.
وقال إن الاحتقان لا يزال، في الوقت الراهن، متفرقاً ومحلياً، ولا توجد معطيات تسمح بالجزم بتحوله إلى أزمة اجتماعية واسعة، غير أن تراكم الأزمات قد يجعل المسألة تتجاوز مجرد اضطرابات في الخدمات العامة لتصبح قضية مرتبطة بثقة المواطن في قدرة الدولة على ضمان احتياجاته الأساسية.
ودعا إلى توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل، إلى جانب أبعاده التقليدية، الأمن الطاقي والمائي والغذائي والصحي، معتبراً أن هذه العناصر تواجه اليوم ضغوطاً متواصلة.
المقراني يدعو إلى المصارحة والاستباق
وأكد المقراني أن معالجة الوضع تتطلب مسؤولية سياسية تقوم على الاستباق والمصارحة والشفافية، وليس فقط البحث عن حلول بعد وقوع الأزمات.
واعتبر أن الخطاب الذي يفسر بعض الصعوبات بالتخريب أو “المؤامرات” لا يكفي لتفسير أزمات هيكلية تؤكدها أرقام وتقارير المؤسسات الوطنية والدولية.
وشدد على ضرورة معالجة أي أعمال تخريب أو تجاوزات بالقانون، بالتوازي مع الاعتراف بالصعوبات المالية والهيكلية الحقيقية وشرحها للمواطن وتقديم رؤية واضحة لمعالجتها.
وختم الباحث بالتحذير من أن استمرار تآكل الثقة قد يحول الاحتقان الاجتماعي المتفرق إلى أزمة أوسع ثم إلى أزمة سياسية، مؤكداً أن الأولوية اليوم تتمثل في الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الاستباق والتخطيط والتمويل والتنفيذ قبل وصول تداعياتها إلى المواطن.
تراجع طفيف للمنتخب المغربي في تصنيف “الفيفا” رغم تألقه
