أصبحت موازنة الدفاع الجزائرية مؤشرا على ترتيب الأولويات الأمنية والاقتصادية للدولة، وعلى تصورها لدورها في شمال إفريقيا والساحل.
قراءة حجم موازنة الدفاع في الجزائر تتطلب التمييز بين الإنفاق المنفذ، واعتمادات الدفع السنوية، والالتزامات التي تسمح بإبرام عقود تمتد كلفتها إلى سنوات لاحقة، فالخلط بينها يصور تراجعا حادا أو توسعا غير محدود، بينما تكشف الأرقام عن مسار أكثر تعقيدا، فهناك قفزة كبيرة منذ 2023، تلتها موازنة مرتفعة في 2026 مع ضغط متزايد على قدرة التمويل.
من 9.1 إلى 25.4 مليار دولار
تظهر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري” أن الإنفاق العسكري الجزائري ارتفع من 9.1 مليارات دولار عام 2022 إلى 18.3 مليارا في 2023، ثم 21.8 مليارا في 2024، وصولا إلى 25.4 مليار دولار عام 2025.
عمليا زاد الإنفاق بنحو 76% في 2023، ثم واصل الصعود حتى بلغ أعلى مستوى مسجل في السلسلة، واستحوذ الإنفاق العسكري الجزائري على نحو 44% من إجمالي الإنفاق العسكري في إفريقيا عام 2025، فيما بلغ إنفاق القارة 58.2 مليار دولار، منها 35 مليارا في شمال إفريقيا.

أما في 2026، فتقدر الموازنة المخصصة لوزارة الدفاع بنحو 3.205 تريليونات دينار، أو قرابة 24.5 مليار دولار وفق سعر التحويل المستخدم في تحليل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
وهذا انخفاض اسمي يقارب 4% عن مخصصات 2025، ويصل إلى نحو 10% بعد احتساب التضخم، لكنه لا يعني العودة إلى مستويات ما قبل القفزة؛ فموازنة الدفاع بقيت أعلى بكثير من أرقام 2022 و2023.
كما ارتفعت صلاحيات الالتزام بالعقود، ما يتيح توقيع برامج جديدة تدفع كلفتها على مراحل، لذلك لا يكفي النظر إلى اعتمادات الدفع وحدها للحكم على وتيرة التحديث.
أولوية مالية كبيرة، لكن النسب تحتاج إلى سياق
تصف “سيبري” الجزائر بأنها صاحبة ثاني أعلى حصة للإنفاق العسكري من إجمالي الإنفاق الحكومي عالميا في 2025، بنحو 25% بعد أوكرانيا.
ويقدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية العبء الدفاعي عند 8.8% من الناتج المحلي في ذلك العام، ثم 7.7% في 2026، وهذه نسب مرتفعة تكشف حجم الأولوية الأمنية، لكنها لا تعني أن ريع كل موازنة منشورة يذهب بالضرورة إلى الدفاع، فقانون المالية لعام 2026 يقدر نفقات الدولة بأكثر من 135 مليار دولار، ما يجعل مخصصات الدفاع البالغة 24.5 مليارا نحو 18% من الإجمالي وفق مقارنة مباشرة، ويعكس الاختلاف جزئيا تباين التعريفات والفترات وطرق احتساب الإنفاق الحكومي.
كما تكشف بنية الاعتمادات أن الرقم لا يمثل قيمة شراء الأسلحة فقط، ففي 2026 بلغت اعتمادات الالتزام لوزارة الدفاع نحو 3.505 تريليونات دينار، مقابل 3.205 تريليونات اعتمادات دفع.

وتتوزع اعتمادات الدفع، بحسب بيانات قانون المالية، إلى نحو 608 مليارات دينار لبرنامج الدفاع الوطني، و861 مليارا للوجستيات والدعم، و1.736 تريليون دينار للإدارة العامة، وتشمل الموازنة، إلى جانب التجهيز، الأجور والتدريب والصيانة والنقل والبنية التحتية والخدمات المساندة.
هذه البنود ضرورية لاستدامة الجاهزية، لكنها تجعل المقارنة بين قيمة الموازنة وثمن صفقات السلاح مضللة إذا لم يعرف ما ي تضمنه كل رقم.
حدود واسعة وتنافس إقليمي
تواجه الجزائر حدودا برية طويلة ومتنوعة، تمتد نحو ليبيا ومالي والنيجر وموريتانيا والمغرب، وسط مساحات صحراوية يصعب مراقبتها.
يضيف عدم الاستقرار في الساحل مخاطر الجماعات المسلحة والتهريب والجريمة العابرة للحدود، فيما تذكر عملية الهجوم على منشأة تيقنتورين الغازية عام 2013 بأن منشآت الطاقة جزء من معادلة الأمن الوطني.
في النصف الأول من 2026، أعلنت وزارة الدفاع مقتل 23 مسلحا، وتوقيف 147 شخصا بشبهة دعم الإرهاب، واستعادة 49 قطعة سلاح، وهذه الحصيلة توضح طبيعة المهام المعلنة، لكنها لا تكفي وحدها لتقدير كلفة التهديد أو قياس أثر كل بند من الموازنة.

غربا، يغذي النزاع حول الصحراء الغربية وقطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب عام 2021 استمرار التوتر بين البلدين، ووفق أرقام سيبري، بلغ إنفاق المغرب 6.3 مليارات دولار في 2025، فيما تورد تقديرات أخرى أرقاما أعلى تبعا لاختلاف منهجية الحساب.
ويظهر ذلك معضلة أمنية متبادلة؛ فعندما يحدث أحد الطرفين قدراته العسكرية، ينظر الطرف الآخر إلى ذلك بوصفه تهديدا، فيزيد مشترياته، فيدفع السعي إلى الردع نحو سباق تسلح، بدلا من تحقيق استقرار دائم.
تحديث المنظومات والجاهزية والتصنيع المحلي
تخدم الموازنة ثلاثة مسارات مترابطة، تبدأ بتحديث المنظومات الجوية والبرية والبحرية، وتمويل التدريب والصيانة والاستطلاع والاتصالات، وبناء قدرة صناعية محلية.
يشمل مسار التصنيع العسكري في الجزائر إنتاج مركبات تكتيكية ومدرعة، وزوارق بحرية، وذخائر ومعدات إلكترونية، كما عرضت مؤسسات عسكرية محلية أسلحة خفيفة ومدفعا مضادا للطائرات، وتنتج مركبات بالشراكة مع “مرسيدس-بنز”، إلى جانب طائرتي “فرناس 142” و”سفير 43″، ويمكن لهذا التصنيع أن يحد من الاعتماد على الاستيراد وينقل الخبرة إلى السوق المحلية، لكن تقييم أثره يتطلب بيانات عن حجم الإنتاج، ونسبة المكونات المحلية، وكلفة التشغيل والصيانة.

تبقى المشتريات الخارجية مركزية في بناء القدرات المتقدمة، حيث اعتمدت الجزائر تاريخيا على روسيا، ووسعت دور الصين، واستمرت في اقتناء بعض التجهيزات من موردين أوروبيين.
تظهر بيانات سيبري للفترة 2020–2024 أن روسيا وفرت 48% من واردات الجزائر من الأسلحة الرئيسية، تلتها الصين بـ19% وألمانيا بـ14%.

لكن بيانات الفترة الأحدث، 2021–2025، تسجل انخفاضا كبيرا في واردات الجزائر، مع تنبيه المعهد إلى أن السرية تجعل تقدير بعض الصفقات غير مكتمل، ما يعني أن تنويع الموردين ليس مجرد قرار شراء؛ فهو يتطلب القدرة على دمج أنظمة مختلفة وتوفير قطع الغيار والتدريب والصيانة، مع إدارة مخاطر العقوبات أو تعطل الإمداد، كما أن التقارير عن وصول مقاتلات “سو-57” لم تحسم رسميا، وينبغي التعامل معها بوصفها ادعاء غير مؤكد، لا حقيقة مثبتة.
الاستدامة.. المحك في الإيرادات والإنفاق الاجتماعي
تمنح عائدات المحروقات الجزائر قدرة تمويلية كبيرة، لكنها تجعل الموازنة عرضة لتقلب أسعار النفط والغاز.
يشير صندوق النقد الدولي إلى أن المحروقات شكلت في المتوسط 67% من إيرادات الحكومة منذ 2020، وأن تقلب أسعارها يمثل تحديا ماليا أساسيا، وحذر من أن العجز الكبير في 2024 و2025 استنزف بعض الهوامش المالية، رغم أن ارتفاع أسعار الطاقة والطلب على الغاز يحسن الإيرادات على المدى القريب، وبنيت موازنة 2026 على سعر مرجعي للنفط قدره 60 دولارا للبرميل، فيما تتجاوز نفقات الدولة 135 مليار دولار.
يظهر هنا حد الاستدامة، فالدفاع يوفر حماية للحدود والمنشآت والاستثمارات، لكنه ينافس قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية على موارد محدودة، ولا تكفي المقارنة بين الموازنات لإثبات أن الإنفاق العسكري ينتقص مباشرة من الخدمات؛ فذلك يتطلب تحليل التنفيذ والعجز وأثر الإنفاق في كل قطاع.

غير أن استمرار المخصصات الدفاعية المرتفعة مع ضعف تنويع الإيرادات يضيق خيارات الحكومة عند هبوط أسعار الطاقة، وتزداد الضغوط المالية إذا تزامنت مستحقات العقود العسكرية طويلة الأجل مع تراجع عائدات النفط والغاز.
تعكس الموازنة، في المحصلة، عقيدة تركز على الردع وحماية السيادة، والاستعداد لمخاطر الحدود والساحل، والحفاظ على موقع إقليمي مؤثر، وتكشف استعدادا لتحمل كلفة عسكرية كبيرة في بيئة تنظر فيها الجزائر إلى التهديدات باعتبارها متشابكة.
وسيقاس نجاح هذا التوجه بقدرته على الجمع بين الجاهزية والتصنيع المحلي وتنويع الموردين، من دون أن تصبح الموارد النفطية شرطا دائما لتمويله أو أن يضيق الإنفاق الدفاعي مساحة التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
بقلم: مازن بلال
الجزائر: استدعاء السفير من فرنسا بداية سلسلة من الإجراءات الاحتجاجية
