17 أبريل 2026

بات المهاجرون القادمون من غرب إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى يسدّون فجوة متسعة في سوق العمل الزراعي بالمغرب.

وأفضى النزيف المتواصل للأيدي العاملة المحلية نحو المدن إلى إعادة رسم ملامح قطاع كان يُعدّ ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني، في تحوّل يُعيد تعريف دور المملكة من مجرد ممر عبور نحو أوروبا إلى وجهة استقرار وعمل للمهاجرين الأفارقة.

ورصد تقرير لوكالة “رويترز” نُشر الجمعة هذا التحوّل في منطقة سهول اشتوكة بإقليم سوس ماسة، على بعد نحو 50 كيلومتراً جنوبي أغادير، حيث تنتشر صوبات زراعية تمتد على أكثر من 24 ألف هكتار تُنتج ما يزيد على أربعة أخماس صادرات المغرب من الفاكهة والخضراوات، وهي منطقة شهدت انتعاشاً ملحوظاً في إنتاجها عقب سنوات من الجفاف، وأسهمت في رفع الصادرات الزراعية الوطنية بنسبة 3.6% لتبلغ 4.5 مليارات دولار خلال العام الماضي.

وفي هذا المشهد، يُجسّد عبد الفتاح أليو، البالغ من العمر 23 عاماً والقادم من توغو، نموذجاً لجيل من المهاجرين الذين وصلوا إلى بلدة آيت عميرة الريفية بعد أن تناقلت أخبار فرص العمل المتاحة فيها.

وكان أليو قد حاول في بادئ الأمر الوصول إلى الجيب الإسباني في شمال المغرب، قبل أن تُعيد السلطات المغربية نقله جنوباً، وعند انتهاء نوبة عمله في إحدى مزارع الطماطم، قال ببساطة إن العمل أجدى من التسوّل في الشوارع.

ولكن حضور هؤلاء المهاجرين ليس سوى انعكاس لغياب متعمّق للعامل المغربي عن الحقول، فبعد موجات جفاف متتالية، شدّت المدن أعداداً كبيرة من شباب الريف المغربي بما توفره من فرص في قطاعي البناء والخدمات المتناميين، مما أفضى إلى فقدان القطاع الزراعي نحو 1.7 مليون وظيفة منذ عام 2000 وفق الإحصاءات الرسمية، في ظل تراجع الزراعة المعيشية.

ولم يعد اليوم يعمل في الزراعة سوى واحد من كل أربعة مغاربة، في مقابل النصف قبل عقدين، أما من يبقى منهم في القطاع، فبات يشترط أجوراً مرتفعة أو يُفضّل نظام الأجر بالقطعة مقابل كل صندوق محصول أو صف محاصيل يُحصد، وهو ما قد يرفع دخله اليومي إلى 500 درهم أي نحو 55 دولاراً، ما يتجاوز خمسة أضعاف ما يكسبه المهاجرون عادةً.

وفي ظل هذا الواقع، بات توافر العمالة الإفريقية شرطاً لاستمرار بعض المزارع، وهو ما أكده عبد العزيز المعناوي، رئيس جمعية اشتوكة للمنتجين الفلاحيين، بقوله إنه لولا هذه العمالة لأغلقت مزارع عديدة أبوابها أو اضطرت إلى تقليص إنتاجها.

ودعا المعناوي إلى تبسيط الإجراءات الإدارية لتمكين المزارعين من توظيف هؤلاء العمال بصورة قانونية، لا سيما أن أكثر من 50 ألف مهاجر حصلوا على وضع قانوني في المغرب منذ 2013، فيما تظل غالبية العمالة الوافدة من جنوب الصحراء في دائرة العمل غير الرسمي.

وأشار إلى أن أزمة العمالة مرشّحة للتفاقم مع تراجع معدلات الخصوبة في المغرب إلى 1.9 طفل لكل امرأة، وهو دون مستوى الإحلال الطبيعي للسكان.

وعلى صعيد أوسع، تتقاطع هذه الأزمة مع منافسة متصاعدة على اليد العاملة المغربية لا تقتصر على جاذبية الأسواق الأوروبية، بل تمتد إلى الداخل أيضاً، فقد كشف محمد الهاكش، الرئيس السابق لاتحاد الجامعة الوطنية للقطاع الزراعي، أن الحد الأدنى للأجر اليومي في الزراعة المغربية لا يتجاوز 10 دولارات، في حين تعرض دول أوروبية كإسبانيا وفرنسا والبرتغال وإيطاليا للعمال الموسميين المغاربة ما لا يقل عن 30 دولاراً يومياً، مطالباً بتحسين الأجور وتوسيع الحماية الاجتماعية عبر التصريح بالتشغيل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وتزيد من حدة هذه المنافسة ورشات البناء والإنشاء التي تعمل بكامل طاقتها استعداداً لاستضافة المغرب كأس العالم 2030، إذ تُقدَّر الاستثمارات في البنية التحتية من سكك حديدية وطرق وملاعب ومطارات بنحو 190 مليار درهم ما يعادل 20 مليار دولار على مدى السنوات الأربع المقبلة، بما يمثل نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني استمرار استنزاف الريف لصالح المدن في المدى المنظور.

وأمام هذا المشهد المركّب، حذّر رشيد بنعلي، رئيس الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية، من أن اعتياد السكان على الحياة الحضرية يجعل استعادتهم للعمل الزراعي في الريف أمراً عسيراً، مضيفاً أن ما وصفه بـ”النقص الهيكلي” في العمالة الزراعية المؤهلة وغير المؤهلة على حد سواء بات يُهدد القدرة التنافسية للقطاع، ومختتماً بعبارة دالة على حجم التحوّل الذي طرأ على موازين سوق العمل في البلاد، بقوله إن المغرب “لم يعد يملك ميزة العمالة الرخيصة”.

المغرب يؤجل محاكمة 18 مشجعاً سنغالياً على أحداث نهائي أمم إفريقيا إلى الخميس المقبل

اقرأ المزيد