تتجاوز الحرب في السودان حدود التنافس على السلطة لتغدو مسارا متكاملا لتفكيك الدولة واستنزاف المجتمع، ومع انعقاد مؤتمر برلين، بدا المأزق السوداني أكثر انكشافا بين ضغوط دولية متصاعدة ومبادرات سلام متكررة، بينما يواصل عبد الفتاح البرهان التمسك بالحسم العسكري كطريق وحيد.
وسط هذا المشهد، تتعمق الكارثة وتبتلع البلاد كلها؛ من دولة تتفكك، ومجتمع يدفع إلى الإنهاك، وملايين المدنيين يواجهون القتل والنزوح والجوع، بينما تتصرف النخبة العسكرية كما لو أن الزمن لا يزال يسمح بمزيد من الحرب، فالسودان أمام أزمة عابرة، بل أمام خسارة متواصلة لذاته، تتسع مع كل يوم يتأخر فيه وقف النار.
مؤتمر برلين: محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
انعقد مؤتمر برلين على خلفية دخول الحرب مرحلة أكثر دموية وتعقيدا، فالأرقام توضح عمق المأساة، فما لا يقل عن 11 ألف قتيل، وملايين النازحين، واتساع رقعة المجاعة، وانهيار متسارع في البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، فلم يعد السودان أمام أزمة سياسية تقليدية، بل انهيار شامل يضرب مؤسسات الدولة، ويعصف بالنسيج الاجتماعي.
حاول مؤتمر برلين أن يعيد وضع السودان على الطاولة الدولية باعتباره كارثة تستوجب تحركا عاجلا، غير أن المشكلة لم تكن في نقص الإدراك الدولي لحجم المأساة، بل في غياب الشريك السوداني المستعد للتعاطي مع أي مسار يخفف الكلفة الإنسانية ويفتح الباب أمام تسوية سياسية.
البرهان ورفض السلام: مناورات السيادة أم عقيدة الحرب؟
سارعت الحكومة السودانية إلى التنديد بمؤتمر برلين واعتبرته تدخلا غير مقبول في الشؤون الداخلية؛ بحجة أنه انعقد من دون التنسيق مع الخرطوم، وهذا الموقف في الدفاع عن السيادة الوطنية يغدو في السياق الفعلي للحرب ملتبسا، حيث يشير أن أي مقاربة لا تمنح السلطة العسكرية حق احتكار التمثيل، ولا تتبنى روايتها الكاملة عن الصراع مرفوضة.
يظهر موقف البرهان بوصفه أكثر من مجرد اعتراض دبلوماسي، فهو لا يتعامل مع مبادرات السلام باعتبارها فرصة لوقف النزيف، بل تهديدا لإمكانية الحسم العسكري التي لا يزال يراهن عليها، فهو يقترب أكثر فأكثر من عقيدة “الحرب حتى النهاية” حتى لو أدت لخراب السودان نفسه.
هذا الرهان لا يعكس ثقة، بل مأزقا، فالسلطة التي تربط شرعيتها باستمرار المعركة تصبح عاجزة عن تخيل السياسة خارج السلاح، وكل دعوة إلى هدنة، أو إلى مسار تفاوضي، أو إلى تسوية تدريجية، تقرأ داخل هذا المنطق بوصفها تنازلا لا خطوة إنقاذ.
تصريحات مسعد بولس: ما الذي أغضب البرهان؟
يبدو أن غضب البرهان تصاعد أيضا بسبب تصريحات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية والعربية، الذي أكد أن الولايات المتحدة لا تدعم أياً من طرفي الصراع، وأن تركيزها ينصب قبل كل شيء على مواجهة الأزمة الإنسانية.
هذا الموقف الأميركي، الذي يتسم بالتوازن، لكنه في الحسابات السياسية للطرف العسكري يحمل دلالة مزعجة، فواشنطن لا ترى في الجيش السوداني حليفا ينبغي منحه غطاء سياسيا مطلقا، ولا تعتبر الحرب معركة شرعية يمكن دعمها تحت عنوان “استعادة الدولة”.
بالنسبة إلى البرهان، لا تبدو هذه الرسالة مريحة، فهو كان يفضل، على الأرجح، موقفا دوليا يميز بين طرف “شرعي” وآخر “متمرد”، أو على الأقل يتيح له تسويق نفسه بوصفه الممثل الطبيعي للدولة السودانية، لكن واشنطن حين لا تدعم أياً من الطرفين، فإنها تنزع عنه ميزة سياسية كان يسعى إلى تثبيتها، وتعيد تعريف الأولوية بانها ليست أمام صراع على الشرعية، بل كارثة إنسانية تستدعي وقف الحرب أولا.
هذا التحول مهم لأنه يسحب النقاش من قاموس العسكر إلى قاموس المدنيين والضحايا، فبدل سؤال من ينتصر؟ يصبح كيف يتوقف الانهيار؟ وبدل البحث عن غالب ومغلوب، يصبح التركيز على وقف القتل وفتح الممرات الإنسانية ومنع المجاعة من التحول إلى قدر جماعي.
لا تعاطف مع أحد: مأساة بلد عالق بين طرفين
أحد أبرز أسباب الفتور الدولي في التعاطي مع طرفي الحرب هو أن الجيش وقوات الدعم السريع لا يبدوان طرفين قادرين على كسب تعاطف سياسي أو أخلاقي واسع، فالجيش، بقيادة البرهان، يقدم نفسه باعتباره حامي الدولة، لكنه لم يطرح حتى الآن تصورا وطنيا مقنعا يبدد مخاوف السودانيين من أن تنتهي الحرب إلى نسخة أشد قسوة من الأزمة نفسها.
في المقابل، تلاحق قوات الدعم السريع صورة سلبية بسبب اتهامات بارتكاب انتهاكات وممارسة العنف بصورة ممنهجة، فيجد المجتمع الدولي نفسه أمام طرفين يفتقر كل منهما إلى الجاذبية السياسية والرصيد الأخلاقي، ما يفسر جانبا من البرودة التي تحيط بالمواقف الدولية تجاههما.
هذه المعضلة تجعل أي مقاربة تنحاز إلى أحد الطرفين انحيازا مريحا سياسيا، لكنها فاشلة أخلاقيا وعمليا، فالمشكلة لم تعد في هوية المنتصر، بل في طبيعة الخراب الذي يتركه الصراع وراءه.
المجتمع الدولي: إدراك متأخر وعجز مستمر
مؤتمر برلين، في جوهره، كان اعترافا متأخرا بأن المجتمع الدولي لم يرتق إلى مستوى الكارثة السودانية، فهناك بيانات، وتحذيرات، ومؤتمرات، وتعهدات إنسانية، لكن كل ذلك لا يرقى إلى ضغط سياسي قادر على فرض كلفة على معرقلي السلام، فما زالت الحرب تدار وكأنها نزاع قابل للاحتواء، فيما الواقع يقول إنها تحولت إلى محرقة بطيئة لبلد كامل.
المشكلة أن العالم يتحدث كثيرا عن السودان، لكنه يفعل قليلا من أجله، فهناك إدانات لتدفق السلاح، ودعوات لحماية المدنيين، ومناشدات بوقف إطلاق النار، غير أن موازين الفعل لا تزال أقل بكثير من حجم المأساة، وهذا ما يمنح أمراء الحرب هامشا واسعا للمناورة، ويشجعهم على الاعتقاد بأن بإمكانهم مواصلة القتال من دون ثمن سياسي حقيقي.
القوى المدنية: الصوت الأضعف والأكثر عقلانية
مقابل هذا الانسداد، تبرز القوى المدنية باعتبارها الطرف الأضعف ميدانيا، لكنها الأكثر اتساقا سياسيا وأخلاقيا، فهي تكرر ما يبدو اليوم بديهيا إلى حد الألم، فلا حل عسكريا للأزمة السودانية، والمطلوب وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات، وحماية المدنيين، ثم إطلاق عملية سياسية جادة لا تبنى على الإقصاء ولا على شرعية البندقية.
المفارقة أن هذا الطرح يبقى الأقل تأثيرا لأن ميزان القوة مختل أصلا لصالح حاملي السلاح، لكن أي مخرج فعلي من الأزمة لا يمكن أن يبنى إلا من هذه الزاوية، فالسودان لا يحتاج إلى صفقة، بل لاستعادة السياسة من العسكريين، وإعادة تعريف الدولة باعتبارها عقدا اجتماعيا لا ثكنة موسعة.
الحرب حتى النهاية… لكن نهاية ماذا؟
حين يتمسك البرهان بخيار الحرب حتى النهاية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه عن معنى “النهاية”، فما الذي يمكن أن يعنيه الانتصار في بلد تتمزق مدنه، وتتسع فيه المجاعة، ويطرد الملايين من بيوتهم، وتنهار فيه مؤسسات الدولة تدريجيا؟ وأي نصر هذا الذي يقاس باستعادة الجغرافيا فيما المجتمع نفسه يتشظى؟
هذه هي المفارقة غائبة عن الخطاب العسكري، فالحرب التي يفترض أنها تخاض لحماية الدولة، تنتهي عمليا إلى تقويضها، والحسم الذي يفترض أنه يعيد الاستقرار، يترك وراءه بلدا أكثر هشاشة وفقرا وانقساما، والإصرار على المعركة المفتوحة لا يبدو دليل قوة، بل علامة على فراغ سياسي عميق وعجز عن تخيل مخرج آخر.
السودان لا يحتاج إلى غالب… بل إلى من يوقف الخراب
السودان اليوم لا يحتاج إلى من يربح الحرب، بل إلى من يملك الشجاعة لوقفها، وهذه الحقيقة يكشفها مؤتمر برلين، على رغم محدوديته، فالعالم بدأ يدرك أن الكارثة السودانية لم تعد تحتمل إدارة باردة أو بيانات إنسانية موسمية.
لكن هذا الإدراك لن يكون كافيا ما لم يتحول إلى ضغط فعلي، وما لم يفرض على الطرفين، وفي مقدمتهما البرهان، ثمن سياسي واضح لاستمرار العناد العسكري.
كل المؤشرات تقول إن قائد الجيش السوداني لا يزال يفضل لغة الميدان على منطق التسوية، ويرى في مبادرات السلام قيدا على مشروعه لا فرصة لإنقاذ بلاده، ومأساة السودان الكبرى تكمن في أن بلد يحترق، فيما من يمسكون بالسلاح يتصرفون كما لو أن الوقت لا يزال يسمح بالمزيد من الحرب.
بقلم مازن بلال
الأمم المتحدة: وجود الأسلحة في مخيمات اللاجئيين بتشاد يزيد تعرض النساء للعنف
