يدخل المغرب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر 2026 في لحظة سياسية لا يمكن قراءتها كاستحقاق دوري عادي.
الانتخابات المقبلة لا تتعلق فقط بتجديد مجلس النواب، ولا بإعادة توزيع المقاعد بين الأغلبية والمعارضة، بل باختبار أعمق لقدرة الأحزاب المغربية التقليدية على تغيير لغتها السياسية أمام جيل جديد لم يعد يتجاوب بسهولة مع الشعارات القديمة.
عمليا فرضت احتجاجات “جيل Z” سؤالا ًجوهرياً على الحياة الحزبية، فكيف يمكن للأحزاب أن تنتقل من خطاب التعبئة العامة إلى خطاب يستجيب لأولويات ملموسة، وفي مقدمتها الصحة والتعليم ومحاربة الفساد وتحسين شروط العيش؟

لا تتنافس الأحزاب في هذا السياق من أجل رفع مشاركة الشباب والنساء في الانتخابات بوصفها غاية محايدة، بل لاستقطاب أصواتهم لصالحها، وهذا الفارق يكشف حدود الخطاب الحزبي التقليدي، فحين تتحدث الأحزاب عن “إشراك الشباب” أو “تمكين النساء” فإن السؤال الحقيقي عن موقع هؤلاء داخل القرار، وطبيعة البرامج المعروضة عليهم، وقدرة الحزب على تحويلهم من جمهور انتخابي إلى قوة سياسية مؤثرة.
من شعار الشباب إلى سؤال الثقة
تعاملت الأحزاب مع الشباب سابقاً باعتبارهم عنواناً انتخابياً مريحاً، فتتكرر عبارات مثل “الشباب مستقبل الوطن” و”طاقات البلاد” و”رافعة التنمية”، وغالباً تبقى هذه الشعارات في حدود الخطاب الرمزي.
عندما جاءت احتجاجات “جيل زد 212” كشفت أن هذه اللغة غدت من الماضي، فالشباب الذين تحركوا عبر المنصات الرقمية لم يطرحوا مطالب نظرية، بل ركزوا على قضايا يومية مباشرة.
هنا تجد الأحزاب نفسها أمام مأزق حقيقي، فهي لا تستطيع تجاهل هذا الجيل، لكنها لا تستطيع أيضا مخاطبته بالأدوات نفسها التي استخدمتها سابقاً، فجيل Z لا ينتظر من الحزب أن يطلب منه المشاركة فقط، بل يريد أن يعرف لماذا يشارك، وماذا سيتغير بعد التصويت، وكيف ستتحول الوعود إلى قرارات قابلة للقياس.
التحدي الأول أمام الأحزاب المغربية هو تغيير شعارها من “ندعو الشباب إلى المشاركة” إلى “نقدم للشباب سبباً واضحا للمشاركة”، فالشعار الأول يفترض أن المشكلة في عزوف الشباب، أما الثاني فيعترف بأن جزءاً من المشكلة في عجز السياسة عن إقناعهم.
الصحة والتعليم بدل الوعود الكبرى
أهم ما فرضته احتجاجات جيل Z هو إعادة ترتيب سلم الأولويات، فبدت مطالب الصحة والتعليم أكثر إقناعا ًمن أي خطاب عام حول التنمية.
لا يعني ذلك أن الشباب يرفضون المشاريع الكبرى أو البنية التحتية الحديثة أو استضافة المغرب لمناسبات دولية مثل كأس العالم 2030، لكنهم يرفضون أن تظهر هذه المشاريع وكأنها تتقدم على الحاجات الاجتماعية الأساسية.
بالنسبة لخطاب الأحزاب لم يعد مقنعاً الاكتفاء بالقول إن المغرب يحتاج إلى ملاعب ومطارات وسكك ومشاريع سياحية كبرى، فهذه المشاريع ضرورية لتعزيز صورة البلاد وجاذبيتها الاقتصادية، لكنها تحتاج إلى تبرير اجتماعي واضح.
على الأحزاب أن تشرح كيف ستنعكس هذه الاستثمارات على المواطنين، وكيف ستتوازن مع الإنفاق على المستشفيات والمدارس والجامعات والتكوين المهني.
الشعار التقليدي الذي يقول “نواصل مسار التنمية” لم يعد كافياً، فالمطلوب شعار أكثر تحديداً يقيس التنمية بالخدمات لا بالواجهات فقط”، فالمواطن لا يحكم على الدولة من خلال صورة الملعب وحدها، بل من خلال قدرته على العلاج، وتعليم أبنائه، والحصول على فرصة عمل كريمة.
الحزب الذي يريد مخاطبة جيل Z عليه أن ينتقل من لغة المشاريع الكبرى إلى لغة العدالة في توزيع ثمار هذه المشاريع.
من تمثيل النساء إلى نفوذ النساء
اعتادت الأحزاب استخدام تمثيل النساء كجزء من خطاب الحداثة والانفتاح، لكن هذا الخطاب يواجه اليوم أسئلة أكثر تعقيداً.
النساء أحياناً قد يصوتن تلقائياً للنساء، لكن لناخبة تتأثر بعوامل حزبية ومحلية واجتماعية واقتصادية، وتختار مرشحاً أو مرشحة وفق الكفاءة أو القرب أو المصلحة أو الثقة، لا وفق النوع الاجتماعي وحده.

كما أن نظام الحصص للنساء يظل موضوعاً قابلاً للنقاش، حيث يمكن اعتباره آلية ضرورية لتصحيح اختلال تاريخي في التمثيل السياسي، لكنه في نفس الوقت يعبر عن أشكال خفية من التمييز، حيث تحول إلى سقف غير معلن لحضور النساء، واستخدمته الأحزاب لتجميل صورتها من دون منح النساء مواقع فعلية في القرار.
تغيير الشعار الحزبي من رفع تمثيل النساء إلى منحهم سلطة سياسية حقيقية بات جزء من بيئة الناخبين الشباب، فعدد النساء في البرلمان لا يكفي وحده لقياس المساواة السياسية؛ فالسؤال الحقيقي هو ما إذا كان هذا الحضور يترجم نفوذا داخل الأحزاب والبرلمان، أم يبقى مجرد تحسين رقمي لصورة التمثيل.
التزكيات تكشف صدق الشعارات
إذا أرادت الأحزاب أن تقنع جيل Z والنساء والناخبين المترددين، فعليها أن تبدأ من داخلها، فالمشكلة لا تكمن في الشعارات وحدها، بل في الطريقة التي تمنح بها التزكيات.

حين تخضع التزكيات لمنطق المال والنفوذ المحلي، لا يعود خطاب التجديد مقنعاً، فالمشكلة ليست في أن الأحزاب تتحدث عن الشباب والنساء والكفاءة، بل في أنها كثيراً ما تفعل ذلك من دون تغيير القواعد التي تنتج المرشحين وتحدد مواقعهم داخل المنافسة.
يفقد شعار “تجديد النخب” جزءاً كبيراً من قوته وفق قواعد التزكية القائمة، وبقي منفصلا ًعن قواعد إنتاج المرشحين داخل الأحزاب، فالمسألة لا تتعلق بإضافة وجوه جديدة إلى الواجهة الانتخابية، بل بطبيعة الآليات التي تحدد من يحصل على التزكية، ومن يدفع إلى الهامش، ومن يمتلك فرصة فعلية للمنافسة.
العزوف ليس كسلاً سياسيا
تتعامل بعض الخطابات الحزبية مع العزوف الانتخابي باعتباره مشكلة وعي لدى الناخبين، خصوصاً الشباب، غير أن احتجاجات جيل Z تكشف أن جزءاً من الشباب مهتم بالسياسة، لكنه غير مقتنع بالأحزاب.
الاحتجاج في الشارع أو على المنصات الرقمية هو أيضاً شكل من أشكال التعبير السياسي، حتى إن لم يمر عبر الصندوق.

يكشف العزوف الشبابي هنا عن أزمة ثقة لا عن لامبالاة سياسية، فجزء من جيل Z لا يرى في التصويت قناة كافية لتغيير واقعه، لأن التجارب المتراكمة جعلت الانتخابات تبدو منفصلة عن الخدمات اليومية، في حين أن الاحتجاج يظهر أحياناً كوسيلة أسرع لفرض المطالب على جدول الأعمال العام.
ضمن هذه الصورة تصبح استعادة الثقة مرتبطة بالنتائج لا بالمواعظ الانتخابية، فدعوة الشباب إلى التصويت تفقد جزءاً من قوتها حين لا يلمس الناخب أثراً واضحاً للسياسة في المدرسة والمستشفى والعمل وشروط العيش.
انتخابات لا تختبر المقاعد فقط
تبدو انتخابات 2026 في المغرب اختباراً مزدوجاً، فهي منافسة على المقاعد والتحالفات، لكنها أيضاً اختبار لقدرة الأحزاب التقليدية على إعادة صياغة خطابها السياسي.
لم يعد ممكناً مخاطبة المجتمع بالعبارات العامة نفسها، فجيل Z يطلب لغة دقيقة، والنساء يطلبن نفوذاً لا حضوراً رمزياً، والناخبون يطلبون خدمات لا وعوداً مؤجلة.

الأحزاب التي ستفهم هذه الرسالة ستدرك أن المشكلة ليست في ابتكار شعارات أكثر جاذبية فقط، بل في بناء علاقة جديدة بين السياسة والحياة اليومية، أما الأحزاب التي ستتعامل مع احتجاجات الشباب كحادثة عابرة، أو مع النساء كواجهة انتخابية، أو مع الصحة والتعليم كملف دعائي، فستعمق الفجوة بينها وبين المجتمع.
لا يدخل المغرب هذه الانتخابات بحثاً عن أغلبية عددية فقط، بل عن جواب سياسي لجيل جديد يراقب ويقارن ويحاسب، ولا يطلب من الأحزاب أن تقول إنها تغيرت، بل أن تثبت ذلك في برنامجها، ومرشحيها، وتزكياتها، وأولوياتها.
بقلم: نضال الخضري
المغرب.. افتتاح مهرجان شوارع آرت في خريبكة بشعار “شوارعنا منبع الفن”
