وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في الأول من سبتمبر 2026، وسط احتفال بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات بين البلدين، وفي أول زيارة له إلى مصر بعد غياب استمر عقداً.
حمل توقيت الرحلة مسائل أكثر تعقيداً، فالشرق الأوسط يعيش فوق خطوط ساخنة تمتد من غزة والسودان إلى البحر الأحمر والخليج، وأصبحت التجارة والطاقة والتكنولوجيا أجزاء من مواجهة واحدة بين بكين وواشنطن.
في الزيارات الرئاسية، يبقى الكثير مخفياً خارج البروتوكولات المعلنة. فالصين ترى في مصر أكثر من سوق كبيرة، إذ تملك قناة السويس، وثقلاً سكانياً وعسكرياً، وعلاقات إفريقية، ودوراً في الملفات التي تهدد تجارتها. لذلك، جاء “شي” بحثاً عن موقع يمكن البناء عليه لسنوات، لا عن صور واتفاقيات سريعة.

السويس قبل أي شيء
تبدأ الحسابات الصينية من الخريطة، فتمر السفن بين البحر الأحمر والمتوسط عبر قناة السويس إلى الموانئ الأوروبية، فيما تمنح الاتفاقيات التجارية المصرية المصانع المحلية منفذاً إلى أسواق عربية وإفريقية وأوروبية. وتزداد قيمة هذه الميزة كلما ارتفعت الرسوم الغربية على السلع الصينية.
جذبت المنطقة الاقتصادية للقناة نحو أربعة مليارات دولار من الاستثمارات الصينية، واستقرت في “تيدا”، منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر، أكثر من مئتي شركة وفرت عشرة آلاف وظيفة مباشرة. أما القائمة الجديدة، فتشمل السيارات الكهربائية والسفن ومكونات الطاقة المتجددة وتحلية المياه والمعادن الحرجة.
يريد الصينيون الانتقال من الطرق والأبراج إلى سلاسل إنتاج كاملة، ويأتي مجمع “لينغ لونغ” المقترح للإطارات، باستثمارات تقارب ملياري دولار، مثالاً على ذلك، إذ يستهدف السوق المصرية والتصدير، ويضم صناعات مغذية.
المقصود أن التصنيع داخل مصر يساعد الشركات الصينية على تجاوز بعض الرسوم والقيود المفروضة على المنتجات القادمة مباشرة من الصين. ووفق هذه الآلية، تستطيع الشركات الصينية تصنيع منتجاتها في مصر، ثم تصديرها بسهولة أكبر إلى الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية، مستفيدة من اتفاقيات التجارة التي أبرمتها القاهرة، بدلاً من التصدير المباشر من الصين.

أرقام كبيرة وأسئلة أكبر
تعطي التجارة صورة أقل تفاؤلاً، إذ بلغ حجم التبادل التجاري 20.78 مليار دولار في 2025، ثم 11.3 ملياراً في النصف الأول من 2026. واستوردت مصر خلال هذه الفترة بضائع بنحو 10.4 مليارات دولار، وصدرت بقيمة 840.8 مليون دولار، وفق بيانات الجهاز المركزي المصري. ورغم قفزة الصادرات بنحو 200 في المئة، بقي الفارق هائلاً.
تبدو أرقام الاستثمار مربكة، فتتحدث القاهرة عن رصيد صيني متراكم تجاوز عشرة مليارات دولار، بينما تظهر التدفقات السنوية بحجم أصغر. فبعض الأرقام يجمع بين المشروعات والقروض، وبعضها الآخر يقيس الأموال الداخلة فعلاً. وتكمن المسألة الأهم في معرفة حجم الأموال التي تتحول إلى استثمارات إنتاجية داخل مصر، مقارنة بما يعود منها إلى الشركات الصينية عبر عقود التنفيذ وتوريد المعدات.
يظهر هذا الفارق بوضوح في تمويل مشروع قطار العاشر من رمضان، فالمبلغ البالغ 200 مليون دولار ليس استثماراً مباشراً، بل قرض بفائدة 2 في المئة يمتد عشرين عاماً، بينها خمس سنوات سماح، ويُسدد باليوان.
يتجاوز هذا التوجه تمويل مشروع واحد. ففي يونيو، رُفعت قيمة اتفاقية مبادلة العملات بين البلدين من 18 إلى 30 مليار يوان لمدة ثلاث سنوات. وتساعد الاتفاقية القاهرة على تمويل جانب من تجارتها مع الصين من دون زيادة الطلب على الدولار، بينما تمنح بكين مجالاً أوسع لاستخدام اليوان وربط الاقتصاد المصري بمنظومتها المالية.

المعركة التي تدور داخل الخوادم
يحمل ملف مراكز البيانات معنى أشد حساسية، فقد عرضت “هواوي” بناء بنية حوسبة حكومية خلال اثني عشر شهراً، تشمل 1408 رقاقات “أسيند 950” للتدريب و600 رقاقة للتشغيل. وسيمنح نجاح العرض الشركة أول صفقة تصدير معروفة بهذا الحجم لرقاقاتها المتقدمة، وموطئ قدم داخل مؤسسات حكومية وعسكرية وأمنية، ما جعل واشنطن تتحرك سريعاً، فتواصلت مع “إنفيديا” و”إيه إم دي” و”مايكروسوفت” لبحث تقديم عرض منافس.
عملياً، ليست قيمة العقد جوهر القلق. الأهم هو من سيبني النظام ويحدثه، وأين ستُخزن البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها أو وقف الخدمة. فالجهة التي تفوز بالعقد ستضمن حضوراً طويل الأمد داخل البنية الرقمية المصرية، يتجاوز مجرد توريد الرقائق.
تمتلك مصر ورقة قوية، إذ يعبر أراضيها أكثر من 18 كابلاً بحرياً للإنترنت. وتريد القاهرة استضافة البيانات ومعالجتها، لا تحصيل رسوم مرورها فقط. ووصل التعاون الصيني إلى الاتصالات والحوسبة السحابية وتصميم الشرائح والفضاء، بما في ذلك منشأة تجميع الأقمار الصناعية والقمر “مصر سات-2”.
ويكشف تراجع “المصرية للاتصالات” عن بيع حصة تتراوح بين 75 و80 في المئة من مركزها الإقليمي للبيانات إلى شركة “هيليوس” للاستثمار، المتخصصة في الأسواق الإفريقية، مدى حساسية ملكية البنية الرقمية المصرية. واتجهت الشركة إلى إبقاء المركز ضمن كيان تملكه بالكامل. وحمل القرار أسباباً تعاقدية، لكنه انسجم مع رغبة مصرية في استقبال التكنولوجيا مع الاحتفاظ بمفاتيح البيانات.

القاهرة منصة سياسية أيضاً
توفر مصر للصين ما يتجاوز الجغرافيا، إذ تتحرك القاهرة في غزة والبحر الأحمر والسودان، وداخل الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي. وأفرد البيان المشترك، المؤلف من 21 بنداً، مساحة لرفض تهجير الفلسطينيين، ودعم حل الدولتين، ووحدة السودان، ومسؤولية الدول الساحلية عن أمن البحر الأحمر.
ترتبط هذه اللغة بمصالح ملموسة، فاضطراب باب المندب وقناة السويس يرفع كلفة الشحن، واتساع حرب الخليج يهدد إمدادات الطاقة. وتفضل بكين نفوذاً سياسياً قليل الكلفة، فتشجع التهدئة وتطرح تصوراً لأمن إقليمي أقل خضوعاً لواشنطن، من دون تحمل دور الضامن العسكري.
حصلت القاهرة على إقرار صيني بحيوية النيل وحقها في حماية أمنها المائي، وقدمت دعماً لمبدأ الصين الواحدة. وتبقى قيمة العبارة سياسية، لأن علاقات بكين الواسعة مع إثيوبيا تستبعد تحولها إلى حليف مصري في أزمة السد. وتستطيع الصين ممارسة ضغط هادئ، لكن مصالحها في أديس أبابا تحد من دورها.
يمتد الرهان الصيني إلى المجال الثقافي والإعلامي أيضاً، إذ تُدرس اللغة الصينية في أكثر من أربعين مدرسة مصرية، وتتوسع المنح والتبادلات الجامعية والسياحة، بينما توفر “شينخوا” و”CGTN” محتوى عربياً للمؤسسات المحلية.
بهذه الأدوات، تحاول بكين تقديم نفسها بوصفها شريكاً تنموياً قريباً، لا قوة خارجية تملي شروطها السياسية.

واشنطن باقية في الغرفة
تملك الولايات المتحدة شبكة يصعب تعويضها بسرعة، فمصر تحصل على نحو 1.3 مليار دولار سنوياً من المساعدات العسكرية، وترتبط بواشنطن في مجالات التدريب والتسليح والتنسيق الأمني. ويظهر النفوذ الأميركي أيضاً في مؤسسات التمويل الدولية وتراخيص الرقائق المتقدمة.
تشير المناورات الصينية المصرية المشتركة، “نسور الحضارة”، في عامي 2025 و2026، إلى تنويع الخيارات العسكرية، لا استبدال شريك بآخر. وتتعايش واشنطن مع المقاولات والمصانع الصينية، لكنها تشدد موقفها عندما يتعلق الأمر بالمقاتلات المتقدمة والدفاع الجوي والموانئ والاتصالات والذكاء الاصطناعي، حيث تتحول الصفقة إلى مسألة نفوذ.

اختبار التوازن المصري
تريد القاهرة استثمارات صينية أكثر، وصادرات مصرية أكبر، ونقلاً حقيقياً للتكنولوجيا، مع الحفاظ على علاقتها الأمنية والمالية بالولايات المتحدة.
تبدو المعادلة ممكنة في الطرق والطاقة والصناعات العادية، وتزداد صعوبتها في البنية الرقمية. فالرقائق والحوسبة السحابية والبرمجيات والأمن السيبراني أجزاء من منظومة واحدة، وسيأتي وقت يصبح فيه الجمع بين النظامين الأميركي والصيني مكلفاً أو مستحيلاً.
جاء الرئيس الصيني إلى مصر لترسيخ حضور يصعب على القاهرة تجاهله عند صياغة خياراتها المقبلة. فهذا النوع من النفوذ يقوم على تشابك المصالح والاعتماد المتبادل أكثر من التحالفات المعلنة. وتريد بكين تقليص انفراد واشنطن بالتأثير في القرار المصري، بحيث تصبح المصالح الصينية جزءاً من حساباته.
يبقى نجاح القاهرة مرهوناً بقدرتها على تحويل أهميتها الجيوسياسية إلى مكاسب ملموسة، من دون استبدال اعتماد بآخر.
فتحت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ مرحلة جديدة في العلاقة مع مصر، لكن الحكم عليها سيأتي من أثرها الفعلي في الاقتصاد، ومن قدرة القرار المصري على الاحتفاظ بهامش حركته بين القوتين.
بقلم نضال الخضري
واشنطن تجمد ملفات الهجرة والتجنيس لمواطني دول عالية المخاطر بينها السودان
