23 يوليو 2026

تواصل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعد أكثر من أربع سنوات على العملية العسكرية بأوكرانيا، التعامل معها عبر زيادة العقوبات على روسيا وتوسيع الدعم العسكري لأوكرانيا، بدل البحث عن إطار تسوية تحفظ الأمن الإقليمي والدولي.

عمليا فإن السياسات التي تم اتباعها ثبتت نموذج استنزاف تتحمل أوكرانيا الجزء الأكبر من كلفته البشرية والاقتصادية، وأخفقت في إضعاف موسكو ودفعها على إنهاء العملية وفق الشروط الغربية.

لا يزال الرد الغربي يتمثل في حزمة جديدة من القيود، ومزيد من السلاح، وخطط لنشر قوات داخل أوكرانيا بعد توقف القتال.

الحزمة الحادية والعشرون تكشف تآكل الإجماع

لم يتمكن الاتحاد الأوروبي حتى صباح 22 يوليو من إقرار الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات بسبب خلافات بين أعضائه.

تتضمن المسودة إدراج نحو 215 شخصا وكيانا، واستهداف قرابة 94 مؤسسة مالية بينها عشرات المصارف، وإضافة نحو 40 جهة مرتبطة بإنتاج الطائرات المسيرة، إلى جانب تشديد القيود على النفط والغاز الروسيين.

وبرز الاعتراض اليوناني بوصفه العقبة الرئيسية، حيث تطالب أثينا بتخفيف القيود المقترحة على نقل الغاز الطبيعي المسال، لأن شركات شحن يونانية تملك ناقلات متخصصة تخدم تجارة الغاز الروسي، وترى الحكومة اليونانية أن حظر النقل سيحول العقود إلى شركات من خارج الاتحاد الأوروبي من دون أن يخفض إيرادات روسيا فعليا.

يكشف الخلاف أن الوحدة الغربية ليست مطلقة، بل تخضع للمصالح الوطنية وحسابات الطاقة والشحن والتضخم، والدول التي تطالب بعقوبات مشددة لا تتحمل الكلفة نفسها، بينما تحاول الدول الأكثر تعرضا للخسائر حماية شركاتها وإمداداتها.

وسبق للاتحاد الأوروبي أن اعتمد عشرين حزمة من العقوبات، فشملت الحزمة العشرون التي أقرت في أبريل 2026، عشرين مصرفا روسيا و46 سفينة إضافية، وقيودا على ناقلات الغاز والعملات المشفرة والصناعات العسكرية، ووصل عدد السفن المدرجة أوروبيا إلى 632 سفينة.

الواضح بعد كل هذه الإجراءات أن استمرار العملية العسكرية بعد عشرين حزمة لن يعوض عن غياب استراتيجية سياسية قابلة للتنفيذ.

ضغوط اقتصادية من دون تحول استراتيجي

تراجعت حصة الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب إلى أوروبا من نحو 40% عام 2021 إلى حوالي 6% عام 2025، في مشهد يعكس تحول مسارات الطاقة وإعادة تشكيل خرائط التدفقات التجارية.

كما سجلت الميزانية الروسية خلال النصف الأول من 2026 عجزاً قيمته 5.73 تريليون روبل، بما يعادل 2.5% من الناتج المحلي، وهي أرقام تندرج في سياق الإنفاق الدفاعي والتحولات الهيكلية للاقتصاد.

في المقابل، أظهر الاقتصاد الروسي مرونة لافتة في التكيف، حيث وسع نطاق تعاونه التجاري مع الصين والهند ودول آسيا الوسطى، وطوّر أسطولاً بحرياً لنقل النفط يعمل خارج الخدمات الغربية، مع الاعتماد على وسطاء لتأمين سلاسل التوريد والمكونات الصناعية.

الأكثر دلالة هو استمرار حركة الغاز نحو أوروبا، فسجلت واردات الاتحاد الأوروبي عبر الأنابيب ارتفاعاً نسبته 7% خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، كما زادت مشتريات الغاز المسال بنسبة 11%، مما يؤشر إلى تعقيد المشهد الطاقوي رغم القيود.

عمليا فإن العقوبات رفعت كلفة الحرب دون أن تنجح في وقف الإنتاج العسكري الروسي أو دفع موسكو إلى تعديل شروطها، والأهم أن الالتفاف على القيود تحول إلى نظام قوي، تشارك فيه شركات نقل ومصارف ووسطاء من دول غير غربية، مما يعكس قدرة موسكو على تدوير الزوايا وتحويل التحديات إلى مسارات تشغيلية بديلة.

الإنفاق العسكري يتقدم على الاحتياجات المدنية

بلغ الدعم العسكري المقدم من الاتحاد الأوروبي ودوله لأوكرانيا نحو 77 مليار يورو، وخصص الاتحاد نحو 60 مليار يورو من قرض جديد قيمته 90 مليارا لتمويل الصناعات الدفاعية والمشتريات العسكرية خلال عامي 2026 و2027، كما وجه 4.9 مليارات يورو للطائرات المسيرة خلال يونيو ويوليو.

أظهر “متعقب دعم أوكرانيا” أن المساعدات العسكرية الأوروبية ظلت مرتفعة خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، بينما تباطأت المخصصات المالية والإنسانية بصورة واضحة، مع ارتباط جانب من التراجع بتأخر التمويل الأوروبي.

في الولايات المتحدة، أتاح الكونغرس نحو 195 مليار دولار للإنفاق المرتبط بالحرب حتى مارس 2026، لكن جزءا كبيرا من الأموال ينفق داخل الولايات المتحدة على تصنيع الأسلحة وتعويض المخزونات ونشر القوات في أوروبا، ويقدر معهد كيل أن نحو 127 مليار دولار فقط شكلت دعما مباشرا لأوكرانيا.

هذا التوزيع يوضح أن المساعدة ليست عملية خيرية خالصة، فهي تدعم الصناعات الدفاعية الغربية، وتوسع الإنتاج العسكري، وتربط الجيش الأوكراني على المدى الطويل بمنظومات التسليح والذخائر والصيانة الغربية.

قوة متعددة الجنسيات بعد وقف القتال

لا توجد حاليا أدلة علنية على انتشار وحدات قتالية كبيرة تابعة للناتو داخل أوكرانيا، ويجري تدريب الجنود الأوكرانيين في دول الحلف، ويؤكد الناتو أنه لا يتولى نقل الأسلحة من مراكزه اللوجستية إلى الداخل الأوكراني.

لكن الوضع يمكن أن يتغير بعد وقف إطلاق النار، حيث أعلنت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى في يناير 2026 خطة لإنشاء قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية داخل أوكرانيا.

تشمل مهماتها العمل في البر والبحر والجو، وتدريب القوات الأوكرانية، وإعادة بناء قدراتها، وحماية المراكز العسكرية والمخازن والمنشآت اللوجستية.

ويمنح الإعلان البريطاني الفرنسي الأوكراني أفراد القوة حق استخدام الوسائل اللازمة، بما فيها القوة، لحماية الأفراد والمعدات والبنية التحتية، كما يمنحهم امتيازات وحصانات شبيهة باتفاقيات وضع قوات الناتو.

تصف الدول الغربية القوة بأنها ضمانة تمنع هجوما روسيا جديدا، بينما تنظر موسكو إليها باعتبارها وجودا عسكريا للناتو تحت اسم مختلف، ولم تنشر الدول المشاركة حتى الآن عدد القوات أو مواقعها أو قواعد اشتباكها التفصيلية.

الخطر أن تتحول الهدنة إلى فترة لإعادة تدريب الجيش الأوكراني وتخزين الأسلحة ونشر البنية التحتية الغربية، وفي هذه الحالة لن ترى روسيا وقف القتال تسوية نهائية، بل مرحلة لإعداد أوكرانيا لجولة أخرى، وأعلنت موسكو أن أي قوات غربية تدخل أوكرانيا ستعتبر أهدافا عسكرية مشروعة.

ضمانات أحادية بدلا من أمن متبادل

تتحدث الخطط الغربية عن ضمان أمن أوكرانيا، لكنها لا تقدم تصورا موازيا لمعالجة مخاوف روسيا من القواعد الأجنبية والصواريخ بعيدة المدى والتوسع العسكري للناتو.

لا تتضمن التحركات الأوروبية أي اتفاق على الحياد، أو حدودا متبادلة للتسليح، أو آلية أوروبية روسية لمنع الحوادث العسكرية.

عمليا فإن بيانات “مجموعة الراغبين”، كتحالف غير رسمي تقوده بريطانيا وفرنسا ويضم أكثر من 30 دولة لدعم أوكرانيا عسكريا وماليا، دعا إلى وقف إطلاق النار والمفاوضات المباشرة، لكن الدعوات لا تقترن بمقترح تفصيلي للأمن المتبادل.

تحمل الدول الغربية روسيا مسؤولية الحرب، لكنها تخرب في نفس الوقت من مسؤولية البحث عن تسوية تتجاوز مطلب اجبار روسيا على وقف الحرب، فمفاوضات إسطنبول عام 2022 أثبتت وجود مساحة للنقاش حول الحياد والضمانات الأمنية، إلا أن الخلافات بشأن الأراضي وحجم الجيش الأوكراني وطبيعة الضمانات بقيت بلا حل.

أوكرانيا تدفع الكلفة الأكبر

وثقت الأمم المتحدة منذ فبراير 2022 وحتى نهاية يونيو 2026 مقتل 16,431 مدنيا وإصابة 48,613، فيما ترتبط غالبية الخسائر بالعمليات العسكرية والهجمات التي استهدفت المناطق السكنية والبنية التحتية.

في المقابل، لا تحمل الولايات المتحدة أو الاقتصادات الأوروبية الكلفة نفسها، ويقدر البنك الدولي احتياجات إعادة إعمار أوكرانيا بنحو 588 مليار دولار، مع أضرار مباشرة تبلغ 195 مليارا وخسائر اقتصادية واجتماعية تبلغ 667 مليارا حتى نهاية 2025.

استمرار الحرب يعني مزيدا من النزوح والديون وتراجع السكان وخسارة الأراضي والمنشآت الصناعية، كما يزيد اعتماد الدولة الأوكرانية على التمويل الخارجي ويضعف قدرتها المستقبلية على اتخاذ قرارات مستقلة.

سياسة استنزاف بلا نهاية واضحة

لا توجد وثيقة علنية تثبت أن واشنطن وبروكسل اتخذتا قرارا مكتوبا بتدمير أوكرانيا أو القتال حتى آخر أوكراني، لكن النتيجة العملية للسياسة الحالية تخدم استراتيجية استنزاف روسيا عسكريا واقتصاديا، بينما تتحمل أوكرانيا ساحة المعركة والضحايا والدمار.

التسوية الحقيقية تحتاج إلى وقف لإطلاق النار، وقيود على نشر القوات والصواريخ، ومعالجة وضع الأراضي المتنازع عليها، ورفع تدريجي للعقوبات مقابل تنفيذ الالتزامات.

غياب هذه العناصر يجعل العقوبات وانتشار القوات الغربية وسائل لإدارة الحرب، لا لإنهائها.

بقلم مازن بلال

المغرب في صدارة الدول الإفريقية المعفاة من التأشيرة إلى روسيا

اقرأ المزيد