تكشف الاشتباكات التي شهدتها مقديشو مطلع يونيو 2026 عن تحول نوعي في الأزمة الصومالية، حيث أعلنت الحكومة استعادة السيطرة على مديريتي عبد العزيز وهول واداغ، بينما تحدث سكان عن وساطة قادها شيوخ عشائر لوقف القتال.
تزامن التصعيد مع احتجاجات كان مقررا تنظيمها اعتراضا على استمرار الرئيس حسن شيخ محمود في منصبه بعد 15 مايو، وهو التاريخ الذي تعده المعارضة نهاية ولايته الأصلية.

عمليا توضح هذه المواجهات أن الأزمة الصومالية تجاوزت بعدها الأمني، لتصبح صراعا على بنية الدولة وشرعية مؤسساتها، فحركة الشباب لم تعد التحدي الوحيد، بل باتت المستفيد الأكبر من الانقسامات السياسية والعجز المؤسسي، فتحول التصدعات الداخلية إلى مكاسب ميدانية.
من الخلاف الانتخابي إلى أزمة الشرعية
أقر البرلمان في مارس تعديلات دستورية تتيح تمديد ولاية الرئيس والبرلمان عاما إضافيا وتأجيل الانتخابات إلى 2027؛ ضمن مسار يستهدف الانتقال من النظام غير المباشر القائم على التوازنات العشائرية إلى انتخابات مباشرة وفق مبدأ “صوت واحد لكل شخص”.

قدمت الحكومة التعديل باعتباره خطوة ضرورية لاستكمال بناء المؤسسات وتجاوز نظام المحاصصة، بينما رأت المعارضة فيه إعادة صياغة لقواعد اللعبة من جانب واحد وتركيزا للسلطة في يد الرئاسة.
خطورة الأزمة التي نتجت عن التعديلات أنها تتصاعد في ظل غياب إطار دستوري نهائي يحظى بتوافق واسع، وضعف الآليات القضائية القادرة على حسم النزاع بين السلطات، فالعمل بقانون مؤقت منذ عام 2012 أعطى كل طرف مساحة لاستمرار العمل وتقديم قراءته الخاصة للشرعية، فتحولت الخلافات القانونية، في ظل انتشار السلاح وتداخل الولاءات العشائرية، إلى احتمالات صدام مباشر داخل العاصمة.

الاحتجاج على التعديلات امتد من المعارضة السياسية إلى عدد من الولايات الفيدرالية، وفي مقدمتها بونتلاند وجوبالاند، مع تصاعد التوتر حول ولاية الجنوب الغربي وترتيبات انتخاباتها الإقليمية، كما جاءت انتخابات رئاسة برلمان الجنوب الغربي في بيدوا ضمن مناخ تتشابك فيه المنافسة المحلية مع الصراع على النفوذ بين الحكومة الفيدرالية وخصومها.
حركة الشباب.. قوة تستثمر في انقسام خصومها
تحتفظ حركة الشباب بقدرة عالية على إعادة تنظيم صفوفها وشن هجمات منتظمة على المدن والمواقع العسكرية، رغم العمليات التي ينفذها الجيش الصومالي بدعم دولي.
وأظهرت معارك السنوات الأخيرة أن الحركة تستطيع الضغط على قواعد استراتيجية في وسط البلاد، وتهديد طرق الإمداد، واستغلال المساحات الريفية الواسعة التي يصعب على القوات الحكومية الاحتفاظ بها بعد تحريرها.

وكانت الحكومة أعلنت في أبريل 2026 مقتل عشرات من عناصر الحركة في عمليات بجنوب البلاد، ما يعكس استمرار المواجهة العسكرية من دون بلوغ نقطة حسم.
يتضاعف خطر الحركة عندما تنشغل القوات الفيدرالية بالخلافات الداخلية، فانتشار وحدات أمنية داخل مقديشو لمواجهة مجموعات مرتبطة بالمعارضة يعني اقتطاع موارد بشرية وعسكرية من الجبهات المفتوحة.

كما أن تراجع التنسيق بين المركز والولايات يضعف تبادل المعلومات، ويعقد حركة القوات، ويحد من فاعلية التحالفات العشائرية المحلية التي لعبت دورا مهما في مقاومة الحركة خلال مراحل سابقة.

ضمن هذه البيئة تستفيد حركة الشباب فتقدم نفسها في بعض المناطق بوصفها سلطة بديلة تفرض الضرائب وتدير شبكات نفوذ وتتحكم بالطرق، وتستخدم الهجمات داخل العاصمة لإثبات عجز الحكومة عن حماية مركزها السياسي، وتراهن أيضا على أن الصدام بين الفرقاء الرسميين سيمنحها وقتا إضافيا لاستعادة مواقع خسرتها في حملات سابقة.
سلطة محدودة خارج مقديشو
تعاني الدولة الصومالية من فجوة واسعة بين السيادة القانونية والسيطرة الفعلية، فتحتفظ الحكومة بحضور واضح في العاصمة وعدد من المراكز الحضرية، بينما تظل قدرتها على تأمين الريف والطرق البرية محدودة.

أزمة ضعف حضور الدولة جعل بعض المدن الواقعة تحت سلطة الحكومة محاصرة بسبب عجز القوات عن ضمان خطوط الإمداد، بينما يمتد نفوذ حركة الشباب في أجزاء واسعة من الجنوب والوسط.
وتوضح خريطة السلطة أنها موزعة بين أربعة مستويات متداخلة؛ الحكومة الفيدرالية في مقديشو، والولايات التي تدير مؤسساتها الأمنية والسياسية بدرجات متفاوتة من الاستقلال، وإقليم أرض الصومال الذي يعمل ككيان منفصل بحكم الأمر الواقع منذ 1991، والمناطق التي تخضع لنفوذ حركة الشباب أو تتعرض لابتزازها المالي والعسكري.
هذه التعددية القسرية تؤدي إلى إضعاف مفهوم الدولة المركزية من الداخل، فالقضية لا تتعلق فقط بقدرة الجيش على رفع العلم فوق بلدة محررة، بل بقدرة المؤسسات على توفير الأمن والخدمات والقضاء والإدارة المحلية بعد انتهاء المعركة، فتبقى المكاسب العسكرية هشة عندما يغيب هذا الامتداد لمؤسسات الدولة.
بعثة إفريقية وانتقال أمني محفوف بالمخاطر
دخلت بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال “أوصوم” حيز التنفيذ في يناير 2025، خلفا للبعثة الانتقالية السابقة، وبموجب تفويض أقره مجلس الأمن، وتشمل مهمتها دعم القوات الصومالية ومواجهة حركة الشباب والمساهمة في بناء القدرات الأمنية.
لكن المعضلة أن الانتقال من الاعتماد على القوات الإفريقية إلى تحمل الدولة الصومالية مسؤولياتها الأمنية يجري في لحظة سياسية شديدة الهشاشة، ويؤدي أي خفض متسرع في الانتشار أو التمويل إلى فراغ تستفيد منه حركة الشباب، كما تواجه البعثة بدورها تعقيدات تتصل بتوزيع القوات، وتباين مصالح الدول المشاركة، وتداخل الملف الأمني مع التنافس الإقليمي.
الصومال في قلب صراع الممرات البحرية
تتداخل الصعوبات الأمنية للصومال مع الصراعات الدولية حول جغرافيته، فمقديشو لا تتعامل فقط مع صراع ضد حركة الشباب، بل أيضا مع استراتيجيات دولية بسبب إطلالة البلاد على خليج عدن والمحيط الهندي وقربه من باب المندب وخطوط التجارة الدولية، وتحول ضعف الدولة إلى بوابة لتنافس إقليمي ودولي يتجاوز مكافحة الإرهاب.
تحتفظ تركيا بموقع متقدم عبر شراكتها العسكرية والاقتصادية مع مقديشو وقاعدتها التدريبية، كما لعبت دور الوسيط في الخلاف بين الصومال وإثيوبيا بعد مذكرة التفاهم التي وقعتها أديس أبابا مع أرض الصومال للحصول على منفذ بحري، وأكد إعلان أنقرة احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، مع البحث عن ترتيبات تتيح لإثيوبيا الوصول إلى البحر ضمن إطار تفاوضي.

أضاف اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر 2025 سوية جديدة من التعقيد، فأصبح الإقليم أول كيان انفصالي في المنطقة يحصل على اعتراف من دولة عضو في الأمم المتحدة، وأثار القرار رفضا من مقديشو وتركيا ومصر والاتحاد الإفريقي والصين.
كما يتداخل هذا الملف مع التنافس الخليجي ، حيث قطعت الحكومة الفيدرالية علاقاتها مع الإمارات وسط اتهامات تتصل بدورها الإقليمي، بينما رفضت بونتلاند وجوبالاند وأرض الصومال القرار وتمسكت بعلاقاتها مع أبوظبي.
تعززت في المقابل شراكات مقديشو مع قطر وتركيا، فيما اتسع الحضور المصري في الملف الأمني ضمن سياق التوتر مع إثيوبيا.
الأزمة الإنسانية بوصفها اختبارا للدولة
لا تقتصر الأزمة الصومالية على التنافس الدولي والصراع الداخلي، حيث تواجه أزمة إنسانية ناجمة عن الجفاف والفيضانات والنزوح وتراجع التمويل الدولي وارتفاع تكاليف الغذاء والنقل.
تشير التقديرات إلى أن نحو 6.5 ملايين شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع تزايد المخاطر على الأطفال وإغلاق مرافق صحية بسبب نقص التمويل.
تعمق هذه الأزمة ضعف الدولة لأنها توسع قاعدة السخط الاجتماعي، وتزيد حركة النزوح نحو المدن، وتمنح الجماعات المسلحة فرصا لتجنيد الفئات الأكثر هشاشة، فيصبح الأمن الغذائي جزءا من معركة الشرعية، وليس ملفا إنسانيا منفصلا عنها.
معركة على شكل الدولة
تتجه الأزمة الصومالية نحو صراع على شكل الدولة أكثر من كونها مواجهة أمنية منفردة مع حركة الشباب.
تمثل الحركة الخطر العسكري الأكثر تنظيما، لكنها تتحرك داخل بيئة صنعتها أزمة دستورية مستمرة، وفيدرالية مضطربة، وتنافس إقليمي مفتوح، وقدرة محدودة على تحويل السيادة الرسمية إلى حضور مؤسسي في الأطراف.
يتوقف مستقبل الصومال على بناء تسوية سياسية تعيد تعريف العلاقة بين المركز والولايات، وتضع قواعد توافقية للانتخابات، وتحمي حياد المؤسسات الأمنية، وتربط العمليات العسكرية بإدارة محلية قابلة للحياة.
غياب هذه التسوية يجعل كل تقدم ميداني ضد حركة الشباب معرضا للتآكل، ويحول الصراع على السلطة داخل مقديشو إلى أكبر هدية تحصل عليها حركة الشباب منذ سنوات.
بقلم: مازن بلال
مصر تعزز تعاونها مع الصومال من خلال “منتدى رجال الأعمال”
