دفعت مباحثات نيويورك العلاقات المغربية–الإسرائيلية إلى مرحلة أكثر رسوخا حيث اتفق الجانبان، برعاية أمريكية، على الانتقال من “مكتبي الاتصال” إلى السفارات وتبادل السفراء، بما يحول تفاهمات 2020 إلى شراكة دبلوماسية كاملة.
أما في المغرب، فكانت قوى مناهضة للتطبيع تستعد لبرنامج احتجاج على هذه العلاقات يمتد ثلاثة أيام ردا على القرار.
عمليا يضع تزامن الحدثين الدولة والمجتمع في مسارين متعاكسين، فالرباط تريد تحويل العلاقة إلى شراكة مستندة للمؤسسات ويصعب التراجع عنها، فيما ترى قطاعات من الشارع أن الحرب في غزة أسقطت المبررات السياسية والأخلاقية لاستمرارها.

بين الموقفين يتشكل نوع خاص من التطبيع، فهو قوي داخل أجهزة الدولة، وضعيف خارجها.
ماذا تغير السفارات؟
احتفظ المغرب وإسرائيل طوال السنوات الماضية بمكتبي اتصال في الرباط وتل أبيب، وأتاحت هذه الصيغة إدارة التعاون من دون استكمال الشكل الدبلوماسي التقليدي، كما منحت الرباط هامشا لخفض ظهور العلاقة خلال الأزمات.
ظهرت فاعلية هذه الصيغة بعد اندلاع حرب غزة، فانكمش الحضور العلني للعلاقة من دون أن يتوقف التنسيق الأمني والعسكري.

لكن قرار السفارات ينهي جزءا من تلك المرونة، فوجود سفير مقيم يعني أن العلاقة لم تعد مجرد تفاهم سياسي قابل للتجميد، بل أصبحت مرتبطة بمؤسسات وموظفين وبرامج اقتصادية واتفاقات قطاعية. كما يسمح بزيادة حركة رجال الأعمال والسياح والوفود الرسمية، ويوفر إطارا أوسع لمتابعة المشاريع الأمنية والتكنولوجية.
اختيار هذا التوقيت يحمل رسالة إضافية، فاجتازت العلاقة اختبار حرب غزة من دون أن تنهار، رغم توقف جانبها العلني، والانتقال إلى مستوى السفراء يعني أن الرباط وتل أبيب قررتا تعويض سنوات الحذر بدفعة دبلوماسية جديدة، مستفيدتين من عودة الولايات المتحدة إلى قيادة مسار اتفاقات أبراهام.
الصحراء الغربية تمسك بخيوط العلاقة
بدأ الإعلان الرسمي عن التطبيع في ديسمبر 2020 مقترنا بقرار أمريكي يعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
شكل الاعتراف مكسبا كبيرا للرباط في نزاع يمتد منذ انسحاب إسبانيا من الإقليم عام 1975، ويقع في صلب التنافس بين المغرب والجزائر.

عززت إسرائيل هذه المعادلة باعترافها بالموقف المغربي عام 2023، وجاء الاتفاق الثلاثي الجديد ليكرر دعم واشنطن وتل أبيب لخطة الحكم الذاتي التي تقترحها الرباط، وأصبحت العلاقة بالنسبة إلى الدولة المغربية جزءا من معركة تثبيت السيادة، لا ملفا خارجيا ثانويا.
هذا الواقع يفسر سبب تمسك الرباط بالتطبيع رغم المعارضة، فالانسحاب منه يفتح نقاشا حول مستقبل الدعم الأمريكي والإسرائيلي في ملف الصحراء، ويضعف ورقة بنت عليها الدبلوماسية المغربية تحركاتها خلال السنوات الأخيرة، ويدفع هذا التشابك العلاقة مع إسرائيل إلى قلب معادلة الأمن المغاربي، حيث بات التفوق العسكري جزءا من إدارة التنافس بين الرباط والجزائر، لا مجرد نتيجة جانبية للتطبيع.

يمنح موقع المغرب الشراكة بعدا يتجاوز صفقات السلاح، فامتداد المملكة بين المتوسط والأطلسي، واتصالها بطرق الملاحة والأسواق الإفريقية، يوفر لإسرائيل بوابة سياسية وأمنية إلى غرب القارة، فيما تحصل الرباط على تقنيات الاستطلاع والدفاع الجوي اللازمة لتأمين حدودها ومجالها الصحراوي.
الأمن أولا.. والاقتصاد يحاول اللحاق به
وقع المغرب وإسرائيل اتفاق تعاون دفاعي في نوفمبر 2021، شمل الاستخبارات والمشتريات والصناعات العسكرية.
كانت زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بني غانتس إلى الرباط أول ظهور علني بهذا المستوى لعلاقة أمنية ظلت، لعقود، بعيدة عن الواجهة.
توسعت المشتريات لاحقا لتشمل منظومات دفاع جوي وطائرات مسيرة وتقنيات استطلاع، كما أعلنت شركة BlueBird الإسرائيلية خطة لإنتاج مسيرات داخل المغرب، مع تدريب مهندسين ونقل جزء من المعرفة التقنية.

بقيت تفاصيل المصنع وموعد تشغيله غائبة عن البيانات المغربية الرسمية، لكن المشروع يكشف أن الرباط تفكر بما يتجاوز شراء السلاح الجاهز نحو تأسيس صناعة محلية.
ظهرت أيضا تقارير عن صفقة بقيمة مليار دولار لاقتناء قمر تجسس إسرائيلي من طراز “أفق 13″، وأكدت الصناعات الجوية الإسرائيلية وجود عقد مع طرف أجنبي من دون تسميته، بينما نسبت وسائل إعلام مغربية الصفقة إلى الرباط.

أما الجانب الاقتصادي فيبدو باهتا، فالرحلات والسياحة والتبادل التجاري تأثرت بالحرب، في حين حافظت العقود العسكرية على مسارها، ما يكشف تفاوتا داخل مسار التطبيع نفسه؛ فالتعاون الأمني والدفاعي اكتسب حماية رسمية، بينما بقيت التجارة والتعليم والسياحة مرتبطة بالمزاج العام وأكثر عرضة للتراجع.
غزة غيرت المجتمع ولم تغير قرار الدولة
أظهرت الاحتجاجات التي تلت حرب غزة أن اتفاق 2020 لم ينجح في بناء قبول اجتماعي واسع.
خرجت مسيرات شاركت فيها جماعة العدل والإحسان وقوى يسارية ونقابات وطلاب ومواطنون غير منتمين إلى أحزاب، واتجهت تحركات أخرى نحو الموانئ، في محاولة لمنع سفن يشتبه ناشطون في نقلها مكونات عسكرية مرتبطة بإسرائيل.

وصل الاعتراض إلى الجامعات أيضا، ففي جامعة محمد السادس وقع 1,256 طالبا وخريجا عريضة تطالب بإنهاء الشراكات مع ثماني جامعات إسرائيلية، ثم ظهرت مبادرات مشابهة في مؤسسات أخرى.
قدمت شبكة “الباروميتر العربي” مؤشرا رقميا على التحول، وبينت استطلاعاتها تراجع تأييد التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل إلى 13% في استطلاع أجري بين ديسمبر 2023 ويناير 2024، مقارنة بـ31% عام 2022 و41% عام 2021.

شملت العينة 2,411 مغربيا، وهي آخر عينة وطنية واسعة متاحة، ولذلك لا يمكن استخراج نسبة دقيقة للرفض في 2026 من الاحتجاجات وحدها.
يضيف التحرك الاحتجاجي الجديد ضغطا آخر، خصوصا لأنه يمتد ثلاثة أيام ولا يقتصر على وقفة واحدة، وستتحدد أهميته بحجم المشاركة، وعدد المدن، وانضمام النقابات والجامعات إليه، وطريقة تعامل السلطات مع المتظاهرين، فالاتساع الجغرافي والاجتماعي هو ما يحول الاحتجاج من تعبير أخلاقي إلى كلفة سياسية.
فجوة داخل النظام السياسي
تملك المؤسسة الملكية الدور الأوسع في قضايا الدفاع والسياسة الخارجية والصحراء الغربية، ولهذا السبب تستطيع الدولة حماية الاتفاقات الأمنية من تقلب مواقف الأحزاب والانتخابات.
وتكشف تجربة حزب العدالة والتنمية ضيق هامش الأحزاب في ملف تقوده المؤسسة الملكية، حيث وقع أمينه العام ورئيس الحكومة آنذاك سعد الدين العثماني اتفاق 2020 باسم الدولة، ثم عاد الحزب بعد خروجه من السلطة إلى صدارة القوى الرافضة للتطبيع.
تملك القوى الرافضة قدرة واضحة على تعبئة الشارع، لكنها تفتقر إلى أداة قوية تفرض مراجعة السياسة الخارجية، كما أن بعض الناشطين تعرضوا للملاحقة والسجن بتهم مرتبطة بالتحريض أو إهانة مؤسسات دستورية، ما رسم حدودا للاحتجاج المسموح به.
تستخدم الرباط، في الوقت نفسه، علاقتها التاريخية بالجالية اليهودية المغربية لتقديم التقارب بوصفه استعادة لروابط اجتماعية قديمة، ويحمل هذا البعد أساسا تاريخيا، لكنه لا يجيب عن الاعتراض المتعلق بالتعاون العسكري خلال حرب غزة.
تثبيت العلاقة مع ضبط كلفتها الداخلية
يتجه المغرب إلى إدارة العلاقة مع إسرائيل وفق صيغة تقوم على الفصل بين ما تعتبره الدولة مكسبا استراتيجيا وما يمكن للمجتمع تقبله سياسيا.
انتقال التمثيل إلى مستوى السفارات يمنح التعاون غطاء مؤسسيا يصعب التراجع عنه مع كل أزمة، فيؤثر الاحتجاج في إيقاع التطبيع ودرجة ظهوره، لكنه لا يصل تلقائيا إلى مراكزه الأمنية والدبلوماسية.

تعمل الرباط في الوقت نفسه على إخراج العلاقة من إطارها الثنائي المباشر، ووضعها داخل مثلث يضم الولايات المتحدة، فكلما ارتبط التعاون مع إسرائيل بتعزيز الموقف المغربي في الصحراء، والحصول على منظومات دفاعية متقدمة، واستقطاب الاستثمار والتكنولوجيا، أصبح تقديمه داخليا باعتباره جزءا من سياسة الدولة وتحالفاتها أسهل من تسويقه بوصفه تقاربا سياسيا مع تل أبيب.
يقاس رسوخ التطبيع بقدرته على الاستمرار خارج الحماية المباشرة للقرار الرسمي، فالعلاقة التي تتركز داخل مؤسسات الدولة تكتسب قوة استراتيجية، لكنها تظل محدودة اجتماعيا وقابلة للانكماش كلما ارتفعت كلفتها الداخلية.
أما التحول الأعمق فيبدأ عندما تنتج الشراكة مصالح محلية تجعل التراجع عنها مكلفا لقوى اقتصادية ومهنية من خارج الجهاز الحكومي، وحتى الآن، تبدو العلاقة أقرب إلى تحالف بين دولتين منها إلى مسار اكتسب القدرة على حماية نفسه داخل المجتمع المغربي.
تراهن الرباط في هذه المرحلة على احتواء الاعتراض أكثر من إقناع الشارع، عبر الفصل بين استمرار التعاون ودرجة إظهاره سياسيا، وسيظل الرفض الشعبي قادرا على إبطاء التطبيع وتقييد صورته العلنية، بينما يتطلب تغيير اتجاهه رفع كلفته الداخلية إلى مستوى يدفع الدولة إلى إعادة حساباتها، وهو تحول لم تنضج شروطه حتى الآن.
بقلم: مازن بلال
تسرب في ناقلة نفط تعرضت لهجوم من قبل الحوثيين
