12 سبتمبر 2026

الخوارزميات والذكاء الاصطناعي تحولتا إلى سلاح جديد في صراع مالي، حيث امتدت الحرب من الميدان إلى فضاء المعلومات، عبر صناعة الدعاية، وتشكيل روايات مضللة، والتأثير في الرأي العام، وصولاً إلى استخدام تقنيات حديثة في التجنيد.

ووفق دراسة حديثة بعنوان “الخوارزميات في الحرب” أعدها معهد تمبكتو للأبحاث، ومقره العاصمة السنغالية داكار، فإن مختلف أطراف الصراع المالي بدأت تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن بدرجات متفاوتة من التطور، إذ تستخدم الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة هذه الأدوات في إنتاج مواد دعائية محدودة، بينما تلجأ شبكات انفصالية إلى إنشاء شخصيات وهمية على الإنترنت، في حين يعتمد “فيلق إفريقيا” الروسي على تقنيات أكثر تقدماً ضمن حملات منظمة للتأثير الإعلامي.

وتتناول الدراسة كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في الصراع المالي من قبل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، وحلفائها في “جبهة تحرير أزواد” الطوارقية المطالبة بالاستقلال، إضافة إلى السلطات الانتقالية في مالي و”فيلق إفريقيا” الروسي، الذي خلف مجموعة “فاغنر” العسكرية الروسية.

وقال بكاري سامبي، مدير معهد تمبكتو والباحث والمحاضر في جامعة غاستون بيرغر بمدينة سان لويس السنغالية، إن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح “جبهة جديدة” في حرب المعلومات داخل مالي، موضحاً أن جميع الأطراف باتت تستخدم هذه التكنولوجيا وفق إمكاناتها وأهدافها، بدءاً من الاستخدامات البدائية لدى الجماعات الإرهابية، وصولاً إلى الاستخدامات الأكثر احترافية من جانب روسيا.

وأوضح سامبي أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع الانقسامات الموجودة في مالي، لكنه يعمل على تضخيمها وتعزيز انتشارها، من خلال إنتاج محتوى أكثر تأثيراً وقدرة على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع.

تأتي جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في الجانب الأقل تطوراً من حيث استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أن الباحثين رصدوا اعتمادها على بعض الأدوات الحديثة في إنتاج مواد دعائية، من بينها ملصقات مولدة بالذكاء الاصطناعي نشرتها عبر قنواتها الإعلامية.

ومن بين هذه المواد ملصق للترويج لمقاطع فيديو حقيقية مرتبطة بهجمات وقعت في 25 أبريل، وأسفرت، وفق ما ورد في الدراسة، عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، إضافة إلى انسحاب القوات المالية وشركائها من “فيلق إفريقيا” الروسي من مدينة كيدال شمالي البلاد.

ويرى الباحثون أن استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب الجماعات الجهادية لا يزال في مرحلة التجربة، لكنه قد يوفر لها قدرة أكبر على إنتاج كميات ضخمة من المحتوى الدعائي، وترجمته إلى لغات محلية متعددة، بما يسمح باستهداف جماهير مختلفة برسائل مخصصة.

وقال سامبي إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في إنتاج الدعاية، بل في القدرة على تخصيص رسائل التجنيد وفقاً لملفات الأشخاص المستهدفين، مشيراً إلى إمكانية استخدام الترجمة الآلية لإنتاج رسائل بلغات منتشرة في منطقة الساحل، مثل الفولانية والبامبارا والولوف والتماشق.

وأضاف أن الرسائل يمكن تصميمها وفق طبيعة الجمهور المستهدف، بحيث تركز على قضايا مثل الاعتزاز بالرعي لاستقطاب الشباب الفولاني، أو الحديث عن الكرامة الاجتماعية لاستهداف الشباب المهمش في المدن.

كما أشار إلى أن تقنيات دبلجة الصوت قد تسمح بالوصول إلى أشخاص لا يجيدون القراءة والكتابة، وهو ما يوسع دائرة تأثير الدعاية مقارنة بالوسائل التقليدية.

وأما أنصار “جبهة تحرير أزواد” فقد استخدموا الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة، من خلال إنشاء شخصيات رقمية وهمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بهدف نشر رسائل سياسية وعسكرية مؤيدة للحركة.

ومن أبرز الأمثلة التي رصدتها الدراسة شخصية تحمل اسم “أزغيم”، ظهرت باعتبارها مقاتلاً طوارقياً مفترضاً يوجه انتقادات حادة إلى “فيلق إفريقيا” الروسي، قبل أن يتبين أنها شخصية مصطنعة بالكامل تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ورغم وجود بعض المؤشرات التي تكشف طبيعتها غير الحقيقية، فإن الشخصية تمكنت من الانتشار عبر الإنترنت، ما يعكس قدرة هذه الأدوات على صناعة محتوى يمنح الحركات المسلحة حضوراً أكثر إنسانية وأقل ارتباطاً بالمخاطر الأمنية التي يواجهها المقاتلون الحقيقيون عند الظهور العلني.

وأشار معدو الدراسة إلى أن الشخصيات الافتراضية تمنح الجماعات قدرة على تخصيص رسائلها لجماهير محددة، وتعزيز انتشار المحتوى، وربما دعم عمليات التجنيد.

وفي المقابل، وصف معهد تمبكتو استخدام “فيلق إفريقيا” الروسي والسلطات الانتقالية في مالي بأنه أكثر تنظيماً واحترافية، إذ جرى دمج الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة أوسع من عمليات التأثير الإعلامي والتضليل الرقمي.

وتشمل هذه العمليات إنتاج مقاطع فيديو مزيفة، واستخدام تقنيات التزييف العميق، وإنشاء تعليقات آلية على منصات التواصل الاجتماعي، ضمن حملات تستهدف تعزيز الروايات المؤيدة لموسكو والمعادية للغرب.

ووفق الدراسة، حققت بعض المواد التي جرى تحديدها ملايين المشاهدات، حيث ركزت على تصوير انتصارات للقوات المالية ضد الجماعات المسلحة، وتعزيز خطاب السلطات الانتقالية في دول تحالف الساحل الثلاث: مالي والنيجر وبوركينا فاسو، المناهض لفرنسا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” وبعض المنظمات الحقوقية.

وأكد معهد تمبكتو أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الحرب الإعلامية فقط، بل قد يمتد مستقبلاً إلى العمليات العسكرية، بما في ذلك دعم استخدام الطائرات المسيرة وتحديد الأهداف.

وقال سامبي إن هذه التقنيات يمكن أن تعزز قدرات القوات شبه العسكرية، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى أخطاء خطيرة وأضرار تطال المدنيين والمجتمعات المحلية، خصوصاً مع ضعف الرقابة على استخدامها.

ورغم أن التطبيقات العسكرية المتقدمة للذكاء الاصطناعي لا تزال، وفق الدراسة، ضمن نطاق التوقعات المستقبلية، فإن المعهد حذر من خطورتها بسبب قدرتها على مضاعفة قوة الجماعات المسلحة، وتمكينها من تحقيق تأثير أكبر باستخدام الموارد المتاحة لديها.

وأكد سامبي أن التطور الأكبر قد يظهر في مجال التجنيد، إذ ستتمكن الجماعات المتطرفة مستقبلاً من الانتقال من استهداف مجموعات واسعة برسائل عامة إلى استهداف أفراد محددين برسائل شخصية مصممة وفق اهتماماتهم وظروفهم.

وأضاف أن “جهاديي المستقبل لن يعتمدوا على التجنيد الجماعي كما كان يحدث سابقاً، بل سيتجهون إلى تجنيد الأفراد واحداً تلو الآخر، مع تخصيص أسلوب التواصل مع كل شخص”.

تقرير أممي يكشف تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان في مالي خلال أبريل

اقرأ المزيد