بدت الانتقادات التي سبقت إعلان المخرجات النهائية لـ”الحوار المهيكل” في ليبيا خلافاً يتجاوز صياغة تقرير، وكشفت عن أزمة تتعلق بمن يمتلك حق رسم الطريق إلى الانتخابات، وأين تنتهي وظيفة الوساطة الدولية وتبدأ حدود السيادة الوطنية.
قبل أن تعرض بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا توصيات الحوار، الذي انطلق في ديسمبر الماضي واستمر قرابة ستة أشهر، خرج ستة من المشاركين في مسار الحوكمة “بمذكرة تحفُظ ” توضح أن الوثيقة الختامية لم تعكس بصورة أمينة تعدد البدائل التي نوقشت، وتم حذف اعتراضات جوهرية على استبدال المؤسسات والآليات الليبية الداخلية بأجسام وآليات ذات غطاء دولي.
هذه الاعتراضات لا تستهدف تفصيلاً تقنياً في بنية خريطة الطريق، بل تمس فلسفتها السياسية، فهل يمكن معالجة أزمة الشرعية في ليبيا عبر إنتاج سلطة انتقالية جديدة بواسطة آليات حوارية ترعاها الأمم المتحدة؟ أم أن هذا المسار، مهما بدا منظما،ً يعيد إنتاج الحلقة نفسها التي أوصلت البلاد إلى انسدادها الحالي؟
من منتدى تشاوري إلى مركز ثقل سياسي
قدمت البعثة الأممية “الحوار المهيكل” بوصفه منصة تشاورية لا هيئة لصنع القرار؛ هدفها توسيع المشاركة الليبية ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع، وصولاً إلى انتخابات رئاسية وتشريعية وتوحيد مؤسسات الدولة.

ضم الحوار نحو 120 مشاركة ومشاركاً من البلديات والأحزاب والجامعات والمؤسسات الفنية والأمنية والمجتمع المدني، مع تمثيل نسائي قدر بنحو 35%، إلى جانب آليات لاستيعاب آراء الشباب والجمهور عبر استبيانات، ومنصات رقمية واجتماعات حضورية وافتراضية.
عملياً توزعت أعماله على أربعة مسارات من الحوكمة والاقتصاد والأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.
كما عقدت جلسات متوازية في طرابلس وبنغازي، في محاولة لمنح العملية بعداً جغرافياً أوسع من الحوارات التي ظلت لسنوات رهينة الفنادق والعواصم الخارجية.
لكن الحوار، الذي قدم في البداية بوصفه مساحة لمعالجة الاختلالات البنيوية، انتقل تدريجياً إلى صلب النزاع السياسي المباشر، ولا سيما ما يتعلق بإعادة ترتيب السلطة وشروط العبور إلى الانتخابات، فبرز التوتر بين مهمتين مختلفتين: تشخيص جذور الأزمة، وصياغة ترتيبات انتقالية قابلة للتنفيذ.
والأهم من ذلك أن بعثة الأمم المتحدة اتُّهمت بالعمل على إظهار توافق غير حقيقي، بهدف تضليل المجتمع الدولي ومجلس الأمن والشعب الليبي وإيهامهم بوجود توافق، «وهو أمر لا يتطابق مع الواقع».
المادة 64.. ذاكرة جنيف التي لم تغلق
بحسب التسريبات المتداولة بشأن تقرير مسار الحوكمة، طرح تشكيل مجلس رئاسي جديد ورئيس حكومة عبر لجنة حوار سياسي، استناداً إلى المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات عام 2015.
هذه النقطة أعادت إلى الواجهة ذاكرة تفاهمات جنيف المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي، التي قادت إلى وصول عبد الحميد الدبيبة إلى رئاسة حكومة الوحدة الوطنية.
المعترضون لا ينظرون إلى المادة 64 باعتبارها مادة قانونية محايدة، بل يرون أنها تحولت إلى بوابة تسمح بإعادة تشكيل مؤسسات الدولة من خارج المسار الدستوري الليبي المباشر، فكان من أبرز تحفظاتهم أن التقرير النهائي لم يتضمن نقداً صريحاً لمسارات تستند إلى هذه المادة، أو إلى لجان وأجسام حوارية “تفتقر إلى الشرعية الوطنية”، بحسب صياغة مذكرة الاعتراض.

المفارقة أن الهدف المعلن للحوار هو إنهاء المراحل الانتقالية، بينما يخشى المعترضون أن تؤدي الآليات المقترحة إلى إطلاق مرحلة انتقالية جديدة، حتى لو كانت محددة زمنياً، فالتجربة الليبية أثبتت أن المهل السياسية ليست ضمانات، وأن الحكومات المؤقتة تتحول، بفعل موازين القوة والانقسام المؤسسي، إلى وقائع ممتدة تتجاوز الجداول الزمنية التي أنشئت من أجلها.
حذف “المؤتمر التأسيسي” ومعركة البدائل
لم يقتصر الاعتراض على ما أدرج في الوثيقة، بل شمل ما استبعد منها، فأكدت مذكرة التحفظ أن بعض المشاركين طرحوا خيار “المؤتمر التأسيسي” أو الجمعية التأسيسية باعتباره بديلا ًليبياً داخلياً لمعالجة الإشكالات الدستورية والتشريعية، إلا أن هذا المقترح لم يجد طريقه إلى التقرير النهائي، رغم مناقشته داخل الجلسات.

يكتسب هذا الحذف دلالة سياسية مضاعفة، فالمؤتمر التأسيسي، وفق المدافعين عنه، لا يهدف إلى إضافة جسم انتقالي جديد فقط، بل إعادة مركز الثقل من الوساطة الدولية إلى الإرادة الوطنية، عبر دمج القضايا التشريعية والدستورية في إطار ليبي خالص.
كما طرحت أفكار أخرى، منها اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي على النصوص الدستورية التحكيمية في حال استمرار تعنت مجلسي النواب والدولة.
الاعتراض كان احتجاجاً على طريقة إدارة التعدد داخل الحوار، فإذا كانت البعثة تعتبر أن التقرير يعكس “أوسع توافق ممكن” فإن منتقديها يسألون هل يجوز تقديم توافق سياسي باعتباره حقيقة مكتملة إذا كانت البدائل الجوهرية حذفت من الوثيقة أو ألحقت بها بصورة هامشية؟
اتهام خطير.. صناعة توافق غير موجود
إحدى الموقعات على مذكرة التحفظ، هالة أبوقعيقيص، ذهبت إلى أبعد من نقد الصياغة، فاتهمت البعثة الأممية بالسعي إلى إظهار توافق غير حقيقي بهدف إقناع المجتمع الدولي ومجلس الأمن والشعب الليبي بأن المشاركين توصلوا إلى أرضية مشتركة، “وهو أمر لا يتطابق مع الواقع”، حسب ما ورد في تصريحاتها.

كما انتقدت غياب الخبراء والمتخصصين في القوانين والوساطة وفض النزاعات عن لجنة الصياغة، معتبرة أن اختيارها جرى على أساس المحاصصة، بما أضعف إنتاجها وفتح الباب أمام تدخل إدارة البعثة. ووفق هذا المنظور، فإن الخلل لم يكن في النتيجة وحدها، بل في هندسة العملية ذاتها: من يصوغ؟ ومن يقرر أن رأياً ما يمثل التوافق؟ ومن يملك سلطة استبعاد البدائل؟
لكن في المقابل يرفض أعضاء آخرون هذا التوصيف، فاعتبر أشرف بودوارة أن التوصيات صيغت بأعلى درجات التوافق الممكنة، وأن الحوار لم يقم على الإجماع الكامل، بل على بناء أكبر قدر من التفاهم بين مشاركين ذوي خلفيات مختلفة.
ورأى أسعد زهيو أن التقرير يلخص ستة أشهر من النقاشات، ويقدم خريطة عملية تربط توحيد السلطة التنفيذية بضبط المسار الدستوري والانتخابي وإرساء قواعد الحوكمة الرشيدة.
سلطة مؤقتة بضمانات صارمة… ولكن
تتضمن التوصيات المتداولة تشكيل سلطة تنفيذية موحدة ومحدودة المهام والمدة، مع تداول نطاق زمني بين 18 و24 شهراً غير قابل للتمديد.

كما تشمل حظر إبرام الاتفاقيات السيادية أو الالتزامات الدولية طويلة الأمد خلال المرحلة الانتقالية، واشتراط الجنسية الليبية والمؤهل الجامعي والخبرة والسجل الجنائي النظيف لشاغلي المناصب، ومنعهم من الترشح للانتخابات المقبلة، إضافة إلى خطة أمنية لتأمين مراكز الاقتراع ومنع توظيف السلاح والمال العام في المنافسة السياسية.
هذه القيود تبدو، نظرياً، استجابة مباشرة لأخطاء التجارب السابقة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال من يضمن تنفيذها؟ فليبيا لا تعاني نقصاً في النصوص بقدر ما تعاني ضعف المؤسسات القادرة على فرضها.
من دون توافق سياسي حقيقي، وآليات مساءلة واضحة، ومظلة أمنية قابلة للتنفيذ، قد تتحول القيود المكتوبة إلى إعلان نوايا جديد.
تداخل المسارات ومشكلة الشرعية
يزداد المشهد تعقيداً مع تعدد اللجان والمسارات، فإلى جانب “الحوار المهيكل” تعمل لجنة “4+4” المصغرة على ملفات الإطار الانتخابي والمفوضية والحكومة المقبلة، وسط تباينات بين ممثلي طرابلس وبنغازي وعدم تحقيق اختراق ملموس في القضايا الأساسية.

بالتوازي، عادت لجنة “6+6” المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى الواجهة، مؤكدة تمسكها بالحوار الليبي–الليبي لإنجاز القوانين الانتخابية.
هذا التداخل ريما يكون تكاملياً، كما يقول المدافعون عن المسار الأممي، لكنه يتحول أيضاً إلى تعدد في مراكز القرار، بحيث يصبح لكل أزمة مسار، ولكل مسار لجنة، ولكل لجنة شرعية جزئية قابلة للطعن.
ما بعد الوثيقة.. اختبار التنفيذ لا اختبار البلاغة
تكثف المبعوثة الأممية هانا تيتيه اتصالاتها الدبلوماسية، وعقدت لقاءات في تونس مع ممثلين لدول عدة ومع الاتحاد الإفريقي، قبل إحاطتها المرتقبة أمام مجلس الأمن.

غير أن الحراك الدولي، مهما اتسع، لن يعالج وحده المعضلة الليبية، فالمشكلة ليست في غياب خرائط الطريق، بل في الفجوة بين الخريطة والشرعية، وبين التوصية والقدرة على التنفيذ، ويكون “الحوار المهيكل” فرصة لإعادة تنظيم المسار السياسي، لكنه يصبح، إذا تجاهل الاعتراضات الجوهرية أو اختزل التعدد في صيغة توافقية مصطنعة، فصلاً جديداً من إدارة الأزمة بدل حلها.
الاختبار الحقيقي ليس في عدد المشاركين، ولا في طول التقرير، ولا في كثافة الاجتماعات الدولية، بل في قدرة العملية على إنتاج مسار ليبي قابل للتطبيق، يفضي إلى انتخابات فعلية، ويمنع تحويل المؤقت إلى دائم، والوساطة إلى وصاية، والتوافق إلى مجرد صياغة دبلوماسية أنيقة تخفي استمرار الانقسام.
بقلم: نضال الخضري
ليبيا تعزز حضورها في المحافل الدولية عبر مشاركتها في مؤتمر البنك الآسيوي
