12 أغسطس 2026

حملت الذكرى السادسة والثمانون لتأسيس الجيش الليبي، في 9 أغسطس 2026، إجماعاً لفظياً بين سلطات البلاد المتنافسة.

دعا محمد المنفي وعبد الحميد الدبيبة وصلاح الدين النمروش إلى مؤسسة عسكرية موحدة تخضع للدولة، فيما قدم عقيلة صالح وأسامة حماد وأحميد حومة الجيش بوصفه ركيزة للسيادة والاستقرار.

لكن إطلاق النار داخل أكاديمية الدراسات البحرية في الغرب الليبي خلال الاحتفال نفسه اختصر المسافة بين الخطاب والواقع؛ إذ احتاج موقع الاحتفال بجيش واحد إلى قوة تفصل بين عناصر اللواء 19 وحراس الأكاديمية.

جيش ولد قبل الدولة

جاء مشروع الجيش بعد تراجع المقاومة المنظمة إثر استشهاد عمر المختار عام 1931، وفي 20 أكتوبر 1939، اجتمع الأمير إدريس السنوسي في الإسكندرية مع نحو 40 من قادة المهاجرين والوجهاء من برقة وطرابلس. استمر الاجتماع ثلاثة أيام، وانتهى بتكليفه التفاوض مع بريطانيا على تشكيل قوة ليبية تقاتل الاحتلال الإيطالي.

سرّع دخول إيطاليا الحرب العالمية الثانية في يونيو 1940 تنفيذ الفكرة، وبين 7 و9 أغسطس أقر مؤتمر القاهرة إنشاء “جيش السنوسي”، المعروف لدى الحلفاء باسم “القوة العربية الليبية”.

أقيم معسكره في أبو رواش، والتحق به آلاف المتطوعين، واتخذ راية سوداء يتوسطها هلال ونجمة باللون الأبيض، وشارك في معركة سيدي براني في ديسمبر 1940، ثم أمّن خطوط الإمداد خلال التقدم إلى برقة وطرابلس حتى هزيمة قوات المحور في ليبيا عام 1943، وتؤرخ المصادر الليبية الرسمية لتلك النواة في 9 أغسطس 1940.

بعد إعلان الاستقلال في 24 ديسمبر 1951، أعيد تنظيم الجيش بمرسوم في 9 أغسطس 1952، بقوام أولي يقدر بنحو ألفي ضابط وجندي، وبرئاسة العميد عمران الجاضرة. وأنشئت المدرسة العسكرية في الزاوية عام 1953، ووصلت بعثة عراقية عام 1954، ثم افتتحت الكلية العسكرية الملكية في بنغازي عام 1957، وأرسلت بعثات إلى مصر والعراق وتركيا.

نقلت هذه الخطوات السلاح من رابطة المتطوعين إلى القانون والتعليم والرتبة، وقلب انقلاب 1969 بنية المؤسسة، وأدى انهيار النظام عام 2011 إلى تفككها وظهور مراكز قوة مسلحة متعددة.

كلمات متشابهة ووقائع مختلفة

قال نجل ولي العهد إبان الحكم الملكي في ليبيا، محمد السنوسي: “الجيش الليبي، وإن كان قد تعرض لأزمات وضعته تحت وصف الانقسام قسراً، فإنه سيعود موحداً قوياً أبياً تحت راية المملكة الليبية التي ولد في كنفها”.

وقال المنفي إن الجيش ليس طرفاً في مواجهة طرف، بل مؤسسة يحتمي بها جميع الليبيين، وربط النمروش بناء جيش يحمي البر والبحر والجو بالاستثمار في الإنسان والتعليم والتدريب، فيما حصر الدبيبة مهمته في حماية الحدود والسيادة، لا صنع الحكومات، وطالب بتوحيد القيادة والقرار والعقيدة. وهذه الكلمات ألقيت في حفل تخريج عسكري بجنزور، في الموقع الذي شهد الشجار المسلح.

يكشف التطابق في المفردات غياب الخلاف حول الشكل المطلوب، لكنه يخفي صراعاً على من يملك تعريف الجيش وقيادته.

توجد في الشرق قيادة أوضح تحت إمرة المشير خليفة حفتر، وتسيطر القوات المسلحة على معظم الإقليم وأجزاء واسعة من الجنوب، حيث تم بناء التنظيم والتدريب والتسليح منذ 2014، ويقترح مدينة عسكرية و”خطة 2030″ لتطوير الأفراد والبنية التحتية والقدرات الفنية والتصنيع العسكري، مع ربط قوة الجيش بمكافحة الإرهاب والتهريب وتأمين الانتخابات.

يمنح وضوح سلسلة القيادة في الشرق القوات المسلحة بنية تنظيمية متماسكة وقدرة على إصدار الأوامر وتنفيذها عبر مرجعية واحدة، أما شكل العلاقة الدستورية بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، فيرتبط بالتسوية السياسية الشاملة وبناء مؤسسات الدولة.

تتركز المعضلة في الغرب، حيث تتوزع السلطة المسلحة بين تشكيلات تتبع مرجعيات حكومية وأمنية متعددة، بينما تعجز أي قيادة مركزية عن إلزامها بأمر واحد أو منع خلافاتها من التحول إلى اشتباكات.

غرب منقسم داخل المعسكر نفسه

تتوزع القوة في المنطقة الغربية بين تشكيلات تتبع، على الورق، وزارة الدفاع التي يحتفظ الدبيبة بحقيبتها، وأجهزة مرتبطة بوزارة الداخلية بقيادة عماد الطرابلسي، وقوات وأجهزة تتبع المجلس الرئاسي، إلى جانب جماعات لا تمتلك تبعية واضحة.

تمنح المسميات الرسمية أفرادها الرواتب والشرعية، بينما تبقى القيادة الميدانية والنفوذ الجغرافي والعلاقات المحلية بيد قادة التشكيلات.

يقدم اللواءان 444، بقيادة محمود حمزة، و111، بقيادة عبد السلام الزوبي، المثال الأوضح؛ فينتميان إلى بنية وزارة الدفاع ويعدان من أكثر قوات الغرب قدرة على القتال، لكن الخلاف بينهما على التمركز والنفوذ في “القره بوللي” تحول في يناير 2026 إلى إطلاق نار وتحشيد أرتال، وبينت المواجهة انقساماً داخل المؤسسة التابعة للحكومة نفسها، لا صداماً بين الشرق والغرب.

يحتفظ اللواء 55، بقيادة معمر الضاوي في ورشفانة، بهامش حركة واسع وعلاقة وثيقة بوزير الداخلية، فيما تبدو صلته العملياتية برئاسة الأركان أضعف من تحالفاته الميدانية.

وتعمل المنطقة العسكرية الغربية بقيادة أسامة الجويلي كبنية شبه مستقلة تستند إلى قواتها وشبكاتها المحلية، أما جهاز الردع بقيادة عبد الرؤوف كارة، فرغم تبعيته لأجهزة تخص المجلس الرئاسي، فإن علاقته بالحكومة محكومة بتفاهمات أمنية وتوازنات قوة أكثر من أوامر القيادة المركزية.

وحمل اجتماع المنفي بكارة وقادة الردع والحرس الرئاسي ودعم الاستقرار، إلى جانب رئاسة الأركان، في مارس 2026، عنوان “تعزيز التنسيق”، وهي صيغة تكشف تعدد مراكز القرار أكثر مما تثبت اندماجها.

صرمان والزاوية والجنوب: الدولة تفصل بين قواتها

أكدت أحداث صرمان والزاوية في مطلع أغسطس أن المشكلة بنيوية، فدارت المواجهات بين جهاز مكافحة التهديدات الأمنية والكتيبة 103 مشاة، مع أن الأول مرتبط برئاسة الحكومة، والثانية تتبع وزارة دفاعها.

أسفرت المعارك، وفق حصيلة أمنية، عن أربعة قتلى وأكثر من عشرة جرحى، وأغلقت الطريق الساحلي، وعطلت مؤسسات عامة، وتزامنت مع فرار سجناء من سجن صرمان. كما اقترب الخطر من مصفاة الزاوية، أكبر مصفاة عاملة في البلاد بطاقة 120 ألف برميل يومياً، وتحولت قوة محايدة إلى أداة لفض نزاع بين قوتين حكوميتين، وهذه وظيفة كان يفترض أن تؤديها قيادة واحدة قبل اندلاع القتال.

يزيد الجنوب الصورة هشاشة، حيث اعتمد المجلس الرئاسي في 28 يوليو حزمة قرارات تقاعد واسعة شملت، وفق القوائم المنشورة، قائد المنطقة العسكرية الجنوبية علي كنة، من دون أن يعلن المجلس الرئاسي، حتى 9 أغسطس 2026، تعيين قائد جديد للمنطقة العسكرية الجنوبية.

أكد المجلس رسمياً اعتماد قرارات التقاعد وإنهاء الاستدعاء، لكنه ترك منطقة عسكرية حساسة بلا انتقال معلن للقيادة، ما يوضح أن الخلل لا يقتصر على كثرة التشكيلات، بل يشمل استمرارية المؤسسة نفسها.

التوحيد ليس جمع قوائم الأسماء

يبدأ توحيد الجيش من إنهاء الفارق بين التبعية القانونية والولاء الفعلي، ويحتاج الغرب أولاً إلى سجل موحد للأفراد والسلاح، وميزانية شفافة، وتراتبية قيادة قابلة للتنفيذ، وقواعد انتشار لا يحددها نفوذ المدن والقادة، ونظام ترقيات ومحاسبة يطبق على الجميع.

ويتطلب المسار فرز العسكري المحترف عن الجماعات التي تستخدم الصفة الرسمية لحماية استقلالها، مع برامج دمج وتسريح وإعادة تأهيل تمنع تحويل التوحيد إلى صدام شامل.

تظل اللجنة العسكرية المشتركة “5+5″، والتدريبات بين عناصر الشرق والغرب، وغرفة العمليات المشتركة المقترحة في سرت، وخطط القيادة الجوية الموحدة، أدوات مفيدة لبناء الثقة، لكنها لا تستطيع دمج كتلتين وطنيتين إذا كان أحد الطرفين مجموعة كتل تتفاوض كل واحدة باسمها وسلاحها.

كما أن نقل نموذج القيادة الشرقية إلى كامل ليبيا من دون اتفاق دستوري ورقابة مدنية لن ينتج المؤسسة الجامعة التي تتحدث عنها بيانات الذكرى.

تكمن دلالة العام السادس والثمانين في المقارنة بين لحظتين؛ فنجح جيل 1940 في تحويل تشتت المنفى والمقاومة إلى قيادة وراية وهدف، ثم احتاجت الدولة بعد الاستقلال إلى مدارس وقوانين ورتب حتى يصبح المقاتلون جيشاً.

أما ليبيا اليوم فتملك الأسماء والوزارات والرتب، لكنها تفتقد، في أجزاء واسعة منها، احتكار القرار المسلح.

بقلم نضال الخضري

ليبيا تطور إمكانات الطاقة المتجددة بدعم دولي

اقرأ المزيد