30 أكتوبر 2026

شهدت السياسة العسكرية الجزائرية تحولاً في 25 أكتوبر 2026، حين وافق البرلمان على نشر وحدات من الجيش في النيجر، في قرار هو الأول من نوعه منذ مشاركة قوات جزائرية في حرب 1973.

يفتح القرار الباب أمام وجود عسكري جزائري خارج الحدود لحماية المصالح الاقتصادية ومنشآت الطاقة، ويطرح أسئلة أوسع عن أمن الساحل، والتنافس على إمدادات الطاقة إلى أوروبا، وحدود الدور الجزائري في مالي والنيجر.

لم يكشف القرار حجم القوة أو موعد وصولها، ولم تعلن نيامي والجزائر تفاصيل المهمة كاملة، وما أُقرّ حتى الآن هو تفويض يفتح الباب أمام الانتشار.

تتجاوز دلالة القرار حدود المهمة المعلنة، فاختيار النيجر يضع الجزائر في قلب معادلة الساحل، حيث تتقاطع الهشاشة الأمنية مع التنافس على النفوذ وممرات الطاقة. ولا يكفي النظر إلى الانتشار بوصفه إجراءً لحماية استثمارات قائمة، بل ينبغي قراءته أيضاً في ضوء سعي الجزائر إلى تثبيت دورها الإقليمي، فيما تظل طبيعة المهمة وحدودها الميدانية غير معلنتين بالكامل.

من مراقبة الحدود إلى الوجود الميداني

يعكس الاستناد إلى المادة 91 من الدستور لإجازة نشر القوات، بعد موافقة غرفتي البرلمان، تغيراً في هامش الحركة العسكرية الجزائرية.

فضّلت الجزائر، لعقود، إدارة أزمات جوارها عبر الوساطة والدبلوماسية ومراقبة الحدود، مع حساسية معلنة تجاه التدخل العسكري خارجها. أما القرار الحالي، فينقل التعاون مع النيجر إلى مستوى ميداني، وإن كانت المهمة المعلنة محدودة بحماية المصالح الاقتصادية.

جاء ذلك بعد تحسن سريع في العلاقات بين البلدين، عقب فترة توتر مرتبطة بموقف الجزائر من انقلاب 2023، ثم أزمة إسقاط طائرة مسيّرة مالية قرب الحدود عام 2025.

وفي أغسطس الماضي، قالت الجزائر إنها أرسلت طائرات حربية إلى نيامي لمساندة السلطات في مواجهة محاولة لزعزعة الاستقرار، وتبع ذلك تعاون دفاعي أوسع، من دون إعلان تفاصيل البروتوكول العسكري بين الطرفين.

وتتداول تقارير توقعات بنشر قوات في قاعدة 101 بنيامي، حيث توجد عناصر من “فيلق إفريقيا” الروسي وقوات إيطالية للتدريب، مع تمركز قسم آخر في موقع ماداما شمال شرقي النيجر. لكن ما أوردته رويترز عن قرار البرلمان حدد ماداما موقعاً مأذوناً بالانتشار فيه، ويبقى الحديث عن قاعدة 101 أو عن عدد الجنود الإيطاليين في موقع الانتشار الجزائري غير محسوم.

سوناطراك: النفط قبل الأنبوب؟

للمصالح الاقتصادية أساس ملموس يتجاوز العناوين العامة، ففي عام 2022، جددت سوناطراك، عبر شركتها “سيبكس”، عقد تقاسم الإنتاج في منطقة كفرا شمالي النيجر.

وأعلنت الشركة اكتشاف بئر نفطية قُدّرت الكميات الموجودة في باطن الأرض والمرتبطة بها بنحو 168 مليون برميل من النفط الثقيل، فيما قُدّرت الكميات المرتبطة بالبئر الثانية بنحو 100 مليون برميل. وهذه أرقام عن كميات موجودة في باطن الأرض، ولا تعني إنتاجاً تجارياً مضموناً أو احتياطيات قابلة للاستخراج فوراً، لكنها تفسر لماذا ترى الجزائر أن استقرار المنطقة شرط لحماية استثمار طويل الأمد.

وهناك أيضاً مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يُفترض أن ينقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، ومنها إلى الأسواق الخارجية، ولا سيما أوروبا. وفي يونيو 2026، أعلنت سوناطراك بدء أعمال إنشاء الجزء الجزائري، فيما تواصل الدول الثلاث متابعة الدراسات والتنسيق بشأن التنفيذ.

وتبقى الصلة بين الانتشار ومسار الأنبوب بحاجة إلى تدقيق، إذ تدخل حماية منشآت سوناطراك وممرات الطاقة في حسابات الجزائر، لكن لا دليل على أن ماداما تقع على مسار الأنبوب أو أن القوات أُرسلت لحراسة خط عامل. وتجمع الحسابات الجزائرية بين حماية الاستثمارات القائمة، وتهيئة بيئة أكثر أماناً لمشروعات مستقبلية، وتعزيز الحضور في دولة تتقاطع فيها هذه المصالح.

التنافس على أسواق الطاقة الأوروبية

يصعب عزل هذا التحرك عن المنافسة على سوق الطاقة الأوروبية، فخط “غرين ستريم” ينقل الغاز الليبي إلى إيطاليا منذ عام 2004، فيما تسعى الجزائر إلى توسيع حضورها عبر شبكاتها القائمة وإضافة مسار مستقبلي يعبر النيجر.

لكن اختزال التحرك في محاولة لمنافسة الغاز الليبي يبالغ في تصوير ما يحدث، فالجزائر وليبيا تتنافسان على الزبائن والفرص، لكن الأنبوب العابر للنيجر لم يدخل الخدمة، ولا تكفي المعلومات المتاحة لإثبات أن نشر القوات يستهدف مزاحمة الإمدادات الليبية مباشرة.

عملياً، تمنح السوق الأوروبية الجزائر حافزاً تجارياً واضحاً. ففي أكتوبر، بحثت التشيك رفع وارداتها من الغاز الجزائري من 200 إلى 400 مليون متر مكعب سنوياً، وهي كمية تعادل حسابياً 5.6% من استهلاكها في عام 2025، إذا تحولت المباحثات إلى عقد. وتزامنت المفاوضات مع بحث فرص أوسع في الصناعة والنقل والمناجم، بعدما ارتفعت المبادلات الجزائرية التشيكية من نحو 139 مليون دولار في عام 2024 إلى 323 مليوناً في عام 2025.

يوضح ذلك رغبة الجزائر في توسيع شبكة مصالحها الأوروبية، لكنه لا يشكل دليلاً على أن الانتشار في النيجر صُمّم لخدمة عميل أوروبي بعينه.

مالي.. الجبهة التي لا تستطيع الجزائر تجاهلها

إذا كانت النيجر تمنح الجزائر بوابة ميدانية جديدة، فإن مالي تمثل الاختبار الأثقل لنفوذها في الساحل، حيث استعادت السلطات المالية مدينة كيدال بعد انسحاب المقاتلين الطوارق.

وأعادت الجزائر ومالي فتح الأجواء وتبادل السفراء في يوليو 2026، بعد قطيعة استمرت نحو 15 شهراً، فيما كانت باماكو قد أنهت اتفاق السلام الذي رعته الجزائر عام 2015.

لا يمحو هذا التقارب الخلاف، لكنه يجعل مالي حاضرة في حسابات الجزائر حتى وهي تتحرك في النيجر. فالجزائر تريد منع تدهور الأمن قرب حدودها الجنوبية، وتجنب انفراد قوى أخرى بتشكيل ترتيبات الساحل. وفي منطقة تتداخل فيها الجماعات المسلحة والانقلابات وطرق التهريب، يصبح الوجود في النيجر وسيلة لمراقبة ممرات أوسع، لا مجرد حراسة منشآت منفردة.

مصر والسعودية: تشابه دستوري واختلاف في المهمة

يشبه القرار الجزائري، من حيث الإجراء، تفويض البرلمان المصري للرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم لمساندة السعودية عسكرياً. فقد أقر مجلس النواب المصري التفويض بأغلبية الثلثين، بعد مشاورات مجلس الدفاع الوطني، وربطت القاهرة المهمة بالدفاع عن الأراضي السعودية إذا طلبت الرياض ذلك.

وأعلنت مصر تضامناً دفاعياً مع شريك خليجي في ظل هجمات الحوثيين، فيما تبرر الجزائر الانتشار بحماية مصالح اقتصادية داخل دولة مجاورة، وفي منطقة تمثل عمقاً أمنياً لها. وفي الحالتين، يمنح التفويض الدستوري غطاءً لتحرك محتمل قبل أن تتضح تفاصيله الميدانية.

مخاطر اتساع المهمة

إذا تعرضت قوة جزائرية لهجوم، أو اتسعت المهمة من حماية منشأة إلى حماية خطوط إمدادها وطرق الوصول إليها، فستواجه الجزائر خياراً صعباً بين تعزيز الانتشار وتحمل كلفته، والانسحاب مع ما يحمله من تبعات على مصالحها وعلاقاتها مع نيامي.

يوضح تاريخ المنطقة أن قوى أخرى دخلت الساحل بمهمات محدودة، ثم وجدت نفسها أمام التزامات أوسع مما خططت له.

لا يبدو القرار الجزائري اقتصادياً بحتاً، ولا موجهاً لمنافسة ليبيا وحدها، ولا نسخة جزائرية من الخطوة المصرية. فهو محاولة لربط الأمن بالطاقة واستعادة نفوذ تراجع في الساحل، مع إبقاء مالي حاضرة في الحسابات.

أما نجاح المهمة فسيتوقف على حدودها: هل تبقى القوة محدودة العدد ومكلفة بحماية منشآت محددة، أم يتحول انتشارها إلى موطئ قدم دائم في منطقة تتغير تحالفاتها بسرعة؟ في النيجر، قد يكون إرسال القوات أسهل من تحديد اللحظة التي تنتهي فيها مهمتها، وهو ما سيشكل الاختبار الحقيقي.

بقلم نضال الخضري

جريمة بشعة تهز الجزائر.. أب يقتل ابنته (15 عاماً) بالمذراة بعد تعذيبها وتهديدها

اقرأ المزيد