10 سبتمبر 2026

الجزائر أعلنت، الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، في خطوة تتوج سنوات من التوتر والخلافات بين البلدين، بعدما تصاعدت التباينات حول ملفات إقليمية إلى سلسلة من الإجراءات الدبلوماسية والعملية التي عمّقت الخلافات بين الجانبين.

وقالت وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية إن قرار قطع العلاقات جاء “بعد استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية”، لتدخل العلاقات الجزائرية الإماراتية بذلك مرحلة جديدة، بعد سنوات من التعاون السياسي والاقتصادي.

ولم يكن قرار القطيعة نتيجة خلاف منفرد، وإنما جاء في ختام مسار تراكمي شمل ملفات سياسية وأمنية وإقليمية، إلى جانب تباين واضح في رؤى البلدين بشأن عدد من القضايا التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

وعلى مدى سنوات، شهدت العلاقات الجزائرية الإماراتية تعاوناً اقتصادياً واسعاً، مع حضور إماراتي في قطاعات مختلفة داخل الجزائر، شملت الموانئ والصناعة والتبغ والاستثمار.

وفي هذا الإطار، حصلت شركة موانئ دبي العالمية عام 2009 على عقد امتياز لتسيير ميناء الجزائر، كما نشأت شراكات بين الجانبين في عدد من المجالات الصناعية والاقتصادية.

وغير أن المصالح الاقتصادية لم تمنع ظهور تباينات سياسية بين البلدين، خصوصاً مع التحولات التي شهدتها المنطقة العربية وشمال إفريقيا خلال العقد الأخير، والتي دفعت الجزائر وأبوظبي إلى تبني مواقف مختلفة تجاه عدد من الملفات الإقليمية.

وأضفى الحراك الشعبي الذي اندلع في الجزائر عام 2019 بعداً جديداً على العلاقات، إذ برز خلال المرحلة التي أعقبت استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خطاب سياسي وإعلامي في الجزائر عبّر عن مخاوف من محاولات قوى إقليمية التأثير في مسار الأحداث الداخلية.

ورغم استمرار القنوات الرسمية بين الجزائر وأبوظبي، كشفت تلك المرحلة عن اختلاف أعمق في رؤية البلدين لطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه القوى الإقليمية في المنطقة، وحدود التدخل في شؤون الدول الداخلية.

وفي أغسطس 2020، أعلنت الإمارات إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ضمن “اتفاقات أبراهام”، في حين لم تكن الجزائر ضمن الدول العربية التي اختارت التطبيع، وتمسكت بموقفها الداعم للقضية الفلسطينية والرافض لإقامة علاقات مع إسرائيل في ظل استمرار الاحتلال.

وأثار القرار الإماراتي انتقادات سياسية داخل الجزائر، ووصل الأمر إلى مطالبة بعض القوى السياسية بمراجعة طبيعة العلاقات مع أبوظبي.

ورغم أن ملف التطبيع لم يشكل سبباً مباشراً لقطع العلاقات، فإنه أضاف قضية أخرى إلى قائمة الملفات التي تختلف فيها رؤية الجزائر عن الرؤية الإماراتية بشأن قضايا المنطقة.

ومع اتساع الدور الإماراتي في عدد من الملفات الإقليمية، أصبح التباين بين البلدين أكثر ارتباطاً بقضايا تعتبرها الجزائر جزءاً من أمنها القومي، وفي مقدمتها الوضع في ليبيا ومنطقة الساحل.

وتتبنى الجزائر تقليدياً موقفاً رافضاً للتدخلات الأجنبية في محيطها المباشر، وتدعو إلى اعتماد حلول سياسية تقودها الأطراف المحلية، في حين اتبعت الإمارات خلال السنوات الماضية سياسة إقليمية أكثر حضوراً في عدد من أزمات المنطقة.

وأدى اختلاف مقاربات البلدين إلى وضع مواقفهما في مواجهة غير مباشرة في أكثر من ملف، خصوصاً في القضايا التي تمس التوازنات السياسية والأمنية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

وفي يونيو 2023، تداولت وسائل إعلام معلومات عن مطالبة الجزائر السفير الإماراتي بمغادرة البلاد، إلا أن وزارة الخارجية الجزائرية سارعت إلى نفي تلك الأنباء، ووصفتها بأنها “مزيفة ولا أساس لها من الصحة”، مؤكدة في ذلك الوقت استمرار العلاقات الثنائية.

وتصاعدت القضية على المستوى الإعلامي بعدما استدعت سلطة ضبط السمعي البصري مسؤولي قناة “النهار”، على خلفية نشر خبر يتعلق بطرد السفير الإماراتي.

وفي محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، أجرى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف اتصالاً هاتفياً بنظيره الإماراتي عبد الله بن زايد.

ورغم عدم وصول الخلاف آنذاك إلى مرحلة القطيعة، عكست الواقعة مدى حساسية العلاقات بين البلدين، وأظهرت أن أي تطور إعلامي أو سياسي بشأنها بات قادراً على إثارة أزمة دبلوماسية واسعة.

وفي يونيو 2024، التقى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون نظيره الإماراتي محمد بن زايد على هامش قمة مجموعة السبع التي عقدت في إيطاليا، في لقاء اكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى حالة التوتر التي كانت تحيط بالعلاقات بين الجزائر وأبوظبي.

وأكد اللقاء في حينه أن قنوات الاتصال السياسية بين البلدين لم تكن مغلقة، وأن الطرفين أبقيا على إمكانية إدارة الخلافات من خلال الحوار، غير أن ذلك لم يؤد إلى إنهاء التباينات المتراكمة بشأن الملفات الإقليمية والثنائية.

ولكن العلاقات دخلت مرحلة مختلفة خلال عام 2026، بعدما انتقلت الخلافات تدريجياً من مستوى المواقف والتصريحات إلى إجراءات عملية مست أطر التعاون القائمة بين البلدين.

وكان من أبرز تلك الخطوات شروع الجزائر في إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات، وهي الاتفاقية التي وقعت في أبوظبي في 13 مايو 2013، وصودق عليها بمرسوم رئاسي في ديسمبر 2014.

ورغم أن إلغاء الاتفاقية لم يكن يعني بالضرورة توقف الرحلات الجوية بصورة فورية، فإن توقيت الخطوة اكتسب دلالة سياسية، خصوصاً أنها جاءت في ظل تصاعد التوتر بين الجزائر وأبوظبي.

وفي 10 سبتمبر 2026، اتخذت الجزائر الخطوة الأكثر حسماً بإعلان قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، لتنتهي بذلك مرحلة طويلة من إدارة الخلافات عبر الاتصالات الرسمية والقنوات الدبلوماسية والرسائل السياسية، وتبدأ مرحلة جديدة تقوم على القطيعة المباشرة.

ويكتسب القرار أهمية خاصة لكونه جاء بعد فترة من الإجراءات التي مست أطر التعاون الثنائي، وفي مقدمتها اتفاقية الخدمات الجوية، بما يعكس انتقال الخلاف بين البلدين من مجرد تباين في المواقف السياسية إلى إعادة ترتيب شاملة للعلاقة الثنائية.

ويمكن تفسير مسار التدهور في العلاقات الجزائرية الإماراتية من خلال مجموعة من العوامل المتراكمة، وليس من خلال سبب واحد، في مقدمتها التباين بشأن الدور الإقليمي للإمارات، ولا سيما في ليبيا ومنطقة الساحل، وهما ملفان تعتبرهما الجزائر مرتبطين بصورة مباشرة بأمنها القومي.

كما برز الخلاف بشأن التحالفات الإقليمية، بما في ذلك علاقة الإمارات بإسرائيل ومواقفها من عدد من أزمات المنطقة، فضلاً عن اختلاف مقاربات البلدين تجاه طبيعة التحركات الإقليمية وحدود التدخل في شؤون الدول.

وخلال السنوات الماضية، ظهرت أيضاً اتهامات سياسية وإعلامية جزائرية بشأن محاولات للتأثير في الشأن الداخلي، وهي اتهامات تظل في إطار المواقف أو الاتهامات السياسية ما لم تدعمها أدلة موثقة أو قرارات قضائية.

ويظل ملف الأمن القومي والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الجزائر، باعتبارها مبادئ أساسية في سياستها الخارجية، وهو ما انعكس على مقاربتها لعدد من التحركات الإقليمية الإماراتية.

وعلى المستوى السياسي، يعني قرار قطع العلاقات انتهاء القنوات الدبلوماسية الرسمية بين الجزائر وأبوظبي، وما يرتبط بها من آليات تمثيل واتصال مباشر بين حكومتي البلدين.

وأما اقتصادياً، فمن المرجح أن يترك القرار الأنظار متجهة إلى مستقبل الاستثمارات والشراكات الإماراتية القائمة في الجزائر، ومدى تأثرها بالإجراءات التي قد تتخذها السلطات خلال المرحلة المقبلة.

كما يطرح القرار تساؤلات بشأن مستقبل الملفات القنصلية وحركة المواطنين والتعاون الاقتصادي والنقل الجوي، إضافة إلى مختلف المجالات التي كانت تستند إلى اتفاقيات وأطر تعاون ثنائية بين البلدين.

وعلى المستوى الإقليمي، تأتي القطيعة الجزائرية الإماراتية في وقت تشهد فيه منطقة شمال إفريقيا والساحل تنافساً متزايداً حول النفوذ والأدوار الإقليمية، ما يمنح القرار أبعاداً تتجاوز حدود الخلاف الثنائي، ويجعله تطوراً لافتاً في خريطة العلاقات والتحالفات في المنطقة.

الجزائر.. قضية الممرضة وفيديو الجثمان ما زال تشعل الجدل

اقرأ المزيد