15 سبتمبر 2026

الجزائر رسمياً كرّست اعتماد تدريس اللغة الإنكليزية قبل الفرنسية في التعليم الابتدائي، في خطوة غير مسبوقة بتاريخ النظام التعليمي، بعد جدل واسع أثاره القرار خلال صيف 2026.

وبموجب الترتيبات البيداغوجية الجديدة الخاصة بالدخول المدرسي 2026-2027، التي أعلنتها وزارة التربية الوطنية، سيبدأ تلاميذ السنة الثالثة ابتدائي دراسة اللغة الإنكليزية، بينما ينطلق تدريس اللغة الفرنسية ابتداءً من السنة الرابعة ابتدائي.

ويأتي تثبيت هذا القرار بعد حالة من الترقب بشأن مصير الإصلاحات المعلنة سابقاً، خاصة بعد تراجع وزارة التربية عن بعض الإجراءات المتعلقة بالتعليم الثانوي، التي كانت قد أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط التربوية والسياسية.

وكان وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي قد أعلن خلال الندوة الوطنية السنوية للتحضير للدخول المدرسي في 25 يوليو الماضي، عن اعتماد تدريس اللغة الإنكليزية بشكل منفرد في السنة الثالثة ابتدائي، على أن يتم إدراج اللغة الفرنسية في السنة الرابعة إلى جانب الإنكليزية.

وأوضح سعداوي أن هذا التوجه يندرج ضمن إعادة تنظيم تدريس اللغات الأجنبية في المدرسة الجزائرية، مشيراً إلى أن القانون التوجيهي للتربية الوطنية ينص على تمكين المتعلم من دراسة لغتين أجنبيتين على الأقل، فيما تحدد السياسات التعليمية كيفية تنظيم تدريس هذه اللغات من حيث التدرج والحجم الساعي.

وبرر الوزير اختيار الإنكليزية كلغة أجنبية أولى بمكانتها المتزايدة عالمياً في المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والثقافية، مؤكداً أن منح التلميذ قاعدة مبكرة فيها سيساعده على تطوير مهاراته قبل الانتقال إلى دراسة اللغة الأجنبية الثانية.

غير أن تقديم الإنكليزية على الفرنسية، التي لا تزال تحتفظ بحضور واسع في مجالات الإدارة والتعليم والاقتصاد والثقافة في الجزائر، فتح نقاشاً حاداً حول خلفيات القرار وأهدافه، بين من اعتبره خطوة ضرورية لمواكبة التحولات العالمية، ومن رأى ضرورة الحفاظ على موقع الفرنسية ضمن المنظومة التعليمية.

وفي هذا السياق، دعت الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون إلى تأجيل إصلاحات المنظومة التربوية وفتح نقاش وطني موسع يشارك فيه المختصون والخبراء في مجالات التربية والبيداغوجيا واللغات، معتبرة أن معالجة ملف اللغات يجب أن تقوم على مبدأ التكامل بعيداً عن منطق الصراع أو المفاضلة.

كما شارك الباحث في علوم التربية أحمد تيسة في الجدل، مدافعاً عن استمرار حضور اللغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية، وهو موقف عرضه لانتقادات من بعض الأطراف، قبل أن يرد برسالة مفتوحة رفض فيها الاتهامات الموجهة إليه بشأن مواقفه من قضية اللغات.

وفي المقابل، يرى مؤيدو الإصلاح أن تعزيز مكانة اللغة الإنكليزية وتأخير تدريس الفرنسية يمثلان إعادة ترتيب للسياسة اللغوية في المدرسة الجزائرية، بما يتناسب مع التحولات العلمية والتكنولوجية ودور الإنكليزية المتنامي في البحث العلمي والتعليم العالي والاقتصاد العالمي.

وتزامن الجدل حول القرار مع تدخل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع لمجلس الوزراء، حيث دعا إلى إبقاء المؤسسة التربوية بعيدة عن التجاذبات الأيديولوجية والسياسية، وحصر النقاش حول إصلاحات التعليم في الإطار التربوي والبيداغوجي.

كما وجّه الرئيس، وفق بيان مجلس الوزراء، بعدم الترويج الإعلامي لأي تغييرات تخص قطاع التربية قبل مناقشتها واعتمادها رسمياً، مؤكداً ضرورة التعامل مع هذه الملفات ضمن المؤسسات المختصة.

وكانت وزارة التربية قد ألغت في وقت سابق الجزء المتعلق بإصلاحات التعليم الثانوي، والذي شمل تغييرات مرتبطة ببعض المواد الدراسية، من بينها الفلسفة، ما أثار اعتراضات من منتقدين اعتبروا أن بعض التعديلات قد تؤثر في تنمية التفكير النقدي لدى التلاميذ.

وأما قرار إعادة ترتيب تدريس اللغات في المرحلة الابتدائية، فقد تم تثبيته رسمياً، ليشكل خطوة بارزة في مسار إصلاحات التعليم، ويُنظر إليه باعتباره نجاحاً مرحلياً لوزير التربية محمد صغير سعداوي، رغم استمرار الانتقادات التي طالته بسبب ملفات إصلاحية أخرى.

ويعيد هذا التحول ملف اللغة إلى صدارة النقاش في الجزائر، باعتباره من أكثر القضايا ارتباطاً بتاريخ المدرسة والهوية والانفتاح على العالم، إذ ظل موقع اللغة الفرنسية محل جدل منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، مروراً بمسار التعريب الذي شهدته المنظومة التعليمية منذ سبعينيات القرن الماضي.

مئات الجزائريين عالقون في ميناء سات الفرنسي بعد إلغاء رحلة بحرية نحو الجزائر

اقرأ المزيد