تراهن الجزائر على توسعة شبكة السكك الحديدية نحو الجنوب لتحويلها إلى ممر اقتصادي يربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق الوطنية والإفريقية.
ويبرز مشروع ربط تمنراست بشمال البلاد ضمن أكبر المشاريع الاستراتيجية التي تعتزم الجزائر دفعها خلال الفترة المقبلة، مع توجه لمد خطوط السكك نحو المناطق الحدودية مع النيجر ومالي وتوسيع حركة التجارة مع دول الساحل الإفريقي.
ولا تقتصر الخطة على تطوير نقل الركاب، إذ تستهدف تحويل السكك الحديدية إلى رافعة اقتصادية تسهم في خفض تكاليف نقل المواد الأولية والمنتجات، وتحفيز إقامة مشاريع جديدة ودمج المناطق الصحراوية في شبكات الإنتاج والتجارة الوطنية.
وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد تعهد منذ انتخابات 2019 بربط تمنراست بشبكة القطارات، بما يسمح بتقليص زمن الرحلة بين أقصى الجنوب والعاصمة ومدن الشمال إلى نحو ثماني ساعات، واصفاً المشروع بأنه استراتيجي وتاريخي بالنسبة للبلاد.
وتقدر تكلفة المشروع بنحو 3.5 مليار دولار، فيما أُعلن في يوليو الماضي عن موافقة البنك الإفريقي على قرض تنموي للجزائر بقيمة 3 مليارات دولار لإنجاز سكة الجنوب.
وكانت الدراسات الهندسية الخاصة بإنجاز 1048 كيلومتراً من الخط الرابط بين الجزائر العاصمة وتمنراست قد اكتملت في ديسمبر 2025، بينما تتواصل الدراسات المتعلقة بمقطع عين صالح وتمنراست بطول 650 كيلومتراً.
وتشمل المشاريع أيضاً دراسة خط بطول 400 كيلومتر يصل إلى مدينة عين قزام على الحدود مع النيجر، إلى جانب التخطيط لمسار صحراوي آخر يربط المنيعة وتميمون وأدرار.
وفي الاتجاه الغربي، دخل خط القطار الذي يخدم تندوف قرب الحدود مع موريتانيا الخدمة في يناير الماضي، ضمن توجه أوسع لفك العزلة عن المناطق الصحراوية وربطها بالمراكز الاقتصادية والموانئ.
وتتجاوز طموحات الجزائر حدودها الوطنية، إذ سبق لتبون أن كشف عن خطط لمد السكك مستقبلاً نحو باماكو عاصمة مالي ونيامي عاصمة النيجر، بما يمنح دول الساحل الحبيسة مسارات برية جديدة باتجاه موانئ البحر المتوسط.
كما أعلنت الجزائر استعدادها لوضع موانئها في خدمة الدول الإفريقية غير المطلة على البحر، بحيث تصل البضائع إلى الموانئ الجزائرية قبل نقلها بالقطارات جنوباً إلى وجهاتها النهائية.
ويرى الباحث في الشؤون الدولية مبروك كاهي أن هذه المشروعات يمكن أن تعيد إحياء مسارات التجارة التاريخية في الساحل، وتدعم التنمية المحلية وتقلص عزلة المناطق الحدودية، إلى جانب توفير بنية تحتية تسمح بإنشاء موانئ جافة تخدم التجارة مع الدول الإفريقية الحبيسة.
وأشار إلى أن تعزيز الربط والتنمية قد تكون له انعكاسات اجتماعية وأمنية، من بينها المساهمة في خفض الهجرة غير النظامية والحد من نشاط شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي هواري تيغرسي أن خطوط الشمال والجنوب يمكن أن تتحول إلى ممرات اقتصادية تعيد توزيع الاستثمارات والأنشطة الإنتاجية باتجاه المناطق الجنوبية الغنية بالموارد.
وأوضح أن العائد الاقتصادي للسكك سيكون مرتبطاً بإنشاء مناطق إنتاج وسلاسل قيمة ومراكز لوجستية حول مساراتها، محذراً من أن إنشاء البنية الأساسية دون توفير حجم كاف من النشاط والبضائع يمكن أن يقلل من جدواها الاقتصادية.
ويتزامن التوسع مع نمو الطلب الجزائري على المعدات والتكنولوجيا المرتبطة بالسكك الحديدية. وأظهر تقرير نصف سنوي لمجموعة “فوسلوه” الألمانية ارتفاع مبيعاتها في السوق الجزائرية خلال النصف الأول من 2026.
وكانت المجموعة قد حصلت خلال 2025 على عقود لتزويد الجزائر بنحو 300 محول لمسارات السكك وأنظمة لتثبيت القضبان، بقيمة إجمالية قاربت 68 مليون دولار.
وفي جانب التجهيزات، أطلقت الشركة الوطنية للنقل في 2024 برنامجاً بقيمة 3 مليارات دولار لاقتناء قاطرات وعربات للمسافرين والبضائع وقطارات ذاتية الدفع ومعدات أخرى، بالتوازي مع برنامج لتأهيل وصيانة الشبكة والمنشآت تجاوزت تكلفته 300 مليون دولار.
وسمحت الاستثمارات المنفذة منذ 2020 بزيادة شبكة السكك الحديدية إلى 4722 كيلومتراً، مع استهداف رفعها إلى 6500 كيلومتر بعد استكمال المشاريع الجارية، ثم إلى نحو 15 ألف كيلومتر بحلول عام 2030.
وضمن المسارات الكبرى قيد التطوير، تخطط الجزائر لإيصال شبكتها إلى حدود النيجر عبر مسار يمتد لنحو 2439 كيلومتراً، إلى جانب ربط وهران بحدود مالي على امتداد 2480 كيلومتراً.
وتشمل التصورات أيضاً خطاً بطول نحو 2275 كيلومتراً يربط ميناء جنجن في ولاية جيجل شرقي البلاد بالحدود الجزائرية الليبية، بما يعكس نطاق الاستراتيجية الرامية إلى تحويل السكك الحديدية إلى أداة لربط الموانئ ومناطق الإنتاج والحدود والأسواق الإفريقية.
الأمم المتحدة: عدد سكان العالم يصل إلى 8.1 مليار نسمة في يوليو 2024
