04 أكتوبر 2026

كلما ازدادت حاجة أوروبا إلى الغاز الجزائري، اتسع الهامش المالي أمام الحكومة، لكن المواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار، والخريج الذي يبحث عن وظيفة، لا يقيسان هذا التحسن بحجم الصادرات.

ما يهم الناس هو وصول الإيرادات إلى حياتهم، في صورة دخل يحتفظ بقيمته وفرص عمل تتجاوز انتظار التوظيف الحكومي. وهذه المسافة بين عائدات الطاقة وأثرها الاقتصادي تختصر مشكلة الجزائر، فالنفط والغاز يمولان جانباً كبيراً من الموازنة والإنفاق الاجتماعي، وفي الوقت نفسه يُنتظر منهما تمويل قطاعات تقلل الاعتماد عليهما.

تحركت مشاريع المناجم والزراعة والصناعة، وتغيرت قوانين الاستثمار، إلا أن حصيلة التحول ما زالت تحتاج إلى قراءة تتجاوز قيمة المشاريع المعلنة وعدد الملفات المسجلة.

أوروبا تريد الغاز… لكن هل تستطيع الجزائر توفير المزيد؟

للجزائر موقع يصعب تجاهله في إمدادات جنوب أوروبا، وبحسب البيانات، بلغت حصتها من قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز عبر الأنابيب 17.4% في 2025، ثم 18.5% في الربع الأول من 2026، و18.2% في الربع الثاني. والفارق بين القيمة والكمية مهم هنا، إذ قد ترتفع الحصة بفعل الأسعار من دون زيادة مماثلة في الغاز المورّد.

يمنح القرب الجغرافي الجزائر أفضلية لدى إيطاليا وإسبانيا، خصوصاً عندما تضطرب حركة الغاز المسال وترتفع كلفة الشحن والتأمين، غير أن الأنابيب وحدها لا تضمن صادرات إضافية، إذ تبلغ القدرة المجمعة لـ”ترانسميد” و”ميدغاز” نحو 43.7 مليار متر مكعب سنوياً، بينما قاربت التدفقات 29.3 ملياراً في 2025.

يقع معظم القدرة المتبقية على الطريق الإيطالي، إذ يعمل “ميدغاز” عند نحو 91% من طاقته، ويتطلب استغلال هذا الهامش استخراج غاز جديد ومعالجته وإيصاله إلى الشبكة.

الكهرباء تستهلك جزءاً متزايداً من الإنتاج

خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، ارتفع إنتاج الغاز قرابة 4%، فوصل إلى 62.621 مليار متر مكعب.

عملياً، زاد الاستهلاك الداخلي بنحو 7% ليبلغ 33.149 ملياراً، وفي يوليو، تسارع نمو الاستهلاك إلى 12.6%، وذهب 69% منه إلى توليد الكهرباء.

توضح هذه الأرقام جانباً من صعوبة زيادة الصادرات، فمع ارتفاع درجات الحرارة، تنمو احتياجات السوق المحلية بوتيرة أسرع من الإنتاج، ما أدى إلى تراجع الصادرات الإجمالية في يوليو رغم زيادة الكميات المنقولة بالأنابيب، بسبب انخفاض صادرات الغاز المسال.

يساعد التوسع في توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، وتحسين كفاءة المحطات العاملة بالغاز، على تقليل استهلاك الغاز محلياً، بما يتيح تخصيص كميات أكبر للصناعة أو التصدير. أما العثور على مشترين جدد فيوسع أسواق البيع، لكنه لا يزيد وحده الكميات المتاحة.

على المدى البعيد، تراهن الجزائر على الأنبوب العابر للصحراء، المصمم لنقل 30 مليار متر مكعب سنوياً، وعلى الهيدروجين الأخضر وممره الجنوبي نحو أوروبا، وهي رهانات تحتاج إلى وقت وتمويل واتفاقات تنفيذ، فيما تفرض قواعد الميثان الأوروبية المقبلة كلفة إضافية للحفاظ على تنافسية الغاز.

إيرادات تتحسن وموازنة تبقى تحت الضغط

يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً اقتصادياً في الجزائر قدره 3.8% في 2026، مقابل عجز في الموازنة يبلغ 9.6% من الناتج.

ورغم انخفاض عجز الموازنة من 10.5% في 2025 و14% في 2024، فإنه يظل كبيراً، ويتوقع الصندوق تراجع الاحتياطيات من 51 مليار دولار إلى 46.5 ملياراً خلال العامين.

تلتزم الحكومة بتمويل الأجور والدعم ومنح البطالة وبرامج السكن، فيما تحتاج المشاريع الجديدة إلى سنوات قبل أن تُدرّ إيرادات. وخلال هذه الفترة، تظل الموازنة معتمدة بدرجة كبيرة على عائدات النفط والغاز، ما يجعل تمويل الالتزامات الاجتماعية عرضة لتقلبات أسواق الطاقة.

لا يكفي انخفاض الدين الخارجي المتوقع إلى نحو 1% من الناتج لتبديد الضغوط، فالدين الحكومي الإجمالي متوقع أن يبلغ 53.2%، ومتوسط التضخم 5.5%.

يصعب خفض هذا الإنفاق لما يوفره من حماية للأسر محدودة الدخل، غير أن توسيعه خلال فترات ارتفاع الإيرادات يزيد الضغوط على الموازنة في حال تراجعها. وما لم تتطور مصادر تمويل أخرى، ستؤثر الإصلاحات الاقتصادية، إذا تأخرت، في مستوى النمو عموماً.

أين تقف المشاريع المسجلة من الوظائف الفعلية؟

بدأ برنامج عبد المجيد تبون في 2019 بـ54 التزاماً، شملت تحديث البنوك وتحسين الاستثمار وتطوير الصناعة والفلاحة واقتصاد المعرفة.

بعد ذلك، جاء قانون الاستثمار والشباك الواحد والمنصة الرقمية للعقار الاقتصادي لتقليص العقبات أمام المستثمرين.

بحلول مايو 2026، تجاوز عدد المشاريع المسجلة عشرين ألفاً، بقيمة تفوق تسعة آلاف مليار دينار. ويعكس ذلك اهتماماً واسعاً، لكن الأموال المسجلة لا تساوي الأموال المصروفة، وبعض المشاريع يمكن أن يبقى عالقاً قبل البناء أو التشغيل.

كما يتضمن برنامج الرئيس عبد المجيد تبون لولايته الرئاسية الثانية، التي بدأت عام 2024 وتمتد إلى 2029، أهدافاً تشمل استحداث 450 ألف وظيفة، وإنشاء عشرين ألف مؤسسة ناشئة، والوصول إلى 500 ألف مقاول ذاتي، إلى جانب توفير مليوني سكن.

لكن المعطيات المتاحة لا تقدم حصيلة تفصيلية للوظائف المستحدثة فعلياً أو الاستثمارات الأجنبية المنفذة، ما يصعّب تقييم أثر هذه التدابير في خفض بطالة الشباب.

تحتاج المصانع إلى مهارات محددة، وربما لا يجد خريجو الجامعات مكانهم فيها بسهولة، وتصبح فرص التشغيل أوسع حين تتشكل حول المشاريع شركات للصيانة والنقل والمكونات والخدمات الهندسية، بدلاً من اقتصار النشاط على المنشأة الكبرى.

قيمة المناجم تبدأ بما يُصنع من خاماتها

يفتح غار جبيلات ومشروع الفوسفات المتكامل مجالاً مهماً لتطوير الحديد والأسمدة، وتؤدي السكك دوراً أساسياً في ربط الخام بالمصانع والأسواق، إلا أن جدوى هذه الاستثمارات تتوقف على ما تحتفظ به الجزائر من مراحل التصنيع.

يضيف توسيع صادرات المواد الأولية موارد إلى الخزينة، مع استمرار التعرض لتقلبات الأسواق العالمية، أما تصنيع المكونات وتطوير الخدمات المرتبطة بها فيوسع القيمة المحلية وفرص العمل.

وفي الزراعة، يسعى توسيع الري بمليون هكتار وزيادة إنتاج الحبوب والزيوت إلى خفض فاتورة الاستيراد. ويحتاج التوقع الرسمي بتحقيق الاكتفاء من القمح الصلب خلال الموسم الجاري إلى بيانات الإنتاج والتجارة لتأكيده، كما تبقى المياه عاملاً حاسماً في كلفة الزراعة الصحراوية واستمرارها، إلى جانب التخزين والتحويل الغذائي.

القطاع الخاص يحتاج إلى مساحة يستطيع العمل داخلها

تتحمل الدولة كلفة البنية التحتية والمشاريع الضخمة، لكن دورها الواسع في البنوك والعقار والطلبات يجعل نمو الشركات الخاصة مرتبطاً بها.

تختصر المنصة الرقمية إجراءً إدارياً، بينما يظل المستثمر ينتظر التمويل أو تجهيز الأرض أو توفير مستلزمات الإنتاج. ولا يصح اعتبار الاستثمار “غير الحكومي”، الذي يُتوقع أن يبلغ 33.6% من الناتج، استثماراً خاصاً بالكامل، فتعريف صندوق النقد يشمل المؤسسات العامة.

تمتلك الجزائر فرصة لبناء اقتصاد أوسع، وبدأت بعض أدواته تتشكل، لكن هدف تجاوز الناتج 400 مليار دولار بنهاية 2027 سيكتسب معناه من المصانع العاملة والشركات المصدرة والوظائف المستقرة.

أما استمرار اعتماد هذه الأنشطة على تمويل الدولة وعائدات الطاقة، فسوف يجعل التنويع نفسه محتاجاً إلى ارتفاع جديد في أسعار المحروقات.

بقلم نضال الخضري

الجزائر تفكك شبكة لتهريب المهاجرين عبر البحر

اقرأ المزيد