03 يونيو 2026

تستعد موسكو لاستضافة القمة الروسية ـ الإفريقية الثالثة يومي 28 و29 أكتوبر 2026، وسط انتقال واضح في الخطاب الروسي من تثبيت الحضور السياسي والأمني إلى بناء قاعدة اقتصادية أكثر صلابة.

وكشفت تاتيانا دوفغالينكو، مديرة إدارة الشراكة مع إفريقيا في وزارة الخارجية الروسية، أن التعاون الاقتصادي والاستثماري سيكون المحور الرئيسي للقمة، معتبرة أن الاقتصاد يمثل “الركيزة المادية” للعلاقات والمقياس الفعلي لتطورها.

وتشمل الأولويات المعلنة التقنيات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاستخدام السلمي للطاقة النووية، وأنظمة الدفع المستقلة، إلى جانب اعتماد خطة عمل للفترة الممتدة بين عامي 2027 و2029.

من الحضور السياسي إلى اختبار الجدوى الاقتصادية

يعكس التركيز الاقتصادي إدراكاً روسيا بأن النفوذ السياسي وحده لا يصنع شراكة طويلة الأمد، حيث نجحت موسكو خلال السنوات الماضية في توسيع حضورها داخل عدد من الدول الإفريقية، خصوصاً في منطقة الساحل، مستفيدة من تراجع الثقة بالقوى الغربية التقليدية، وتصاعد الخطاب المناهض للإرث الاستعماري، ورغبة حكومات إفريقية في تنويع شركائها الدوليين.

غير أن هذا الأمر ظل أكثر وضوحا في ملفات الأمن والدفاع والدبلوماسية منه في التجارة والاستثمار والإنتاج المشترك.

عملياً فإن القارة الإفريقية تنظر إلى الشراكات الخارجية من زاوية قدرتها على توفير البنية التحتية، والطاقة، وفرص العمل، ونقل التكنولوجيا، وتسهيل التجارة البينية، وتحتاج موسكو إلى توجيه صورتها من قوة قادرة على توفير الدعم الأمني والغطاء السياسي إلى شريك قادر على تمويل مشروعات قابلة للقياس، والدخول في سلاسل القيمة، والمساهمة في بناء قطاعات إنتاجية.

ويبدو اختيار الاقتصاد عنواناً للقمة الثالثة محاولة لتثبيت قدرتها عبر أدوات أقل ارتباطاً بالأزمات وأكثر التصاقاً بحاجات التنمية.

إرث القمة الأولى.. منصة سياسية واتفاقيات واسعة

شكلت قمة سوتشي في أكتوبر 2019 نقطة الانطلاق الأساسية للمسار الروسي – الإفريقي، وانعقدت برئاسة مشتركة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بصفته رئيساً للاتحاد الإفريقي آنذاك، تحت عنوان يربط العلاقات الاقتصادية بالمشروعات المشتركة.

وشارك فيها أكثر من ثلاثة آلاف مندوب من الحكومات وقطاع الأعمال، وفق الاتحاد الإفريقي، الذي وصف المنتدى بأنه خطوة مهمة لتهيئة الظروف الملائمة لتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية.

أسفرت قمة سوتشي عن توقيع 92 اتفاقية وعقداً ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية تجاوزت تريليون روبل، وشملت الملفات المطروحة التعدين، والطاقة، والبنية التحتية، والنقل، والزراعة، والتعليم، والتعاون العلمي والتقني.

كما جرى تأسيس منتدى الشراكة الروسية – الإفريقية بوصفه إطاراً دائماً لتنسيق العلاقات بدل الاكتفاء بالاتصالات الثنائية المتفرقة.

وفرت قمة سوتشي مظلة سياسية واسعة، لكنها لم توفر تدفقات استثمارية كبرى سريعة أو تحولا ًجذرياً في حجم التجارة، وكان بوتين أشار عام 2019 إلى أن التبادل التجاري الروسي مع إفريقيا تجاوز 20 مليار دولار، بعد أن تضاعف خلال خمس سنوات، وهو رقم ظل محدوداً قياساً إلى الوزن السكاني والاقتصادي للقارة وإلى حضور شركاء دوليين آخرين.

قمة سانت بطرسبرغ: تثبيت الإطار المؤسسي

جاءت القمة الثانية في سانت بطرسبرغ في يوليو 2023 في سياق دولي أكثر تعقيداً، مع اتساع المواجهة بين روسيا والغرب عقب العملية العسكرية في أوكرانيا وازدياد أهمية الأسواق غير الغربية في الاستراتيجية الروسية.

ركزت القمة على الغذاء والطاقة والأمن والتعاون الإنساني، واعتمدت إعلاناً سياسياً وخطة عمل للشراكة للفترة 2023 – 2026، إلى جانب وثائق تتعلق بمكافحة الإرهاب، وأمن المعلومات، ومنع سباق التسلح في الفضاء.

وتكمن أهمية قمة 2023 في أنها نقلت العلاقة خطوة إضافية نحو العمل المؤسسي عبر خطة زمنية، ولجان متابعة ومؤتمرات وزارية.

جاء المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى الشراكة الروسية – الإفريقية في ديسمبر 2025 ليؤكد استمرار العمل على تنفيذ خطة 2023 ـ 2026 والتحضير للقمة الثالثة.

لماذا تتقدم ملفات التكنولوجيا والطاقة والمدفوعات؟

تعكس أجندة قمة موسكو المقبلة محاولة روسية للتركيز على القطاعات التي تمتلك فيها موسكو خبرة قابلة للتصدير وهوامش تنافسية واضحة.

الطاقة النووية السلمية تمنح روسيا فرصة لتسويق قدرات شركاتها الحكومية في بناء المفاعلات وتدريب الكوادر وتطوير البنية التنظيمية، كما تسمح التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي بالدخول إلى أسواق ناشئة تحتاج إلى حلول في الإدارة والخدمات والاتصالات.

أما أنظمة الدفع المستقلة فتتصل مباشرة برغبة موسكو وعدد من شركائها في تقليص الاعتماد على البنى المالية الغربية وتسهيل المبادلات في ظل العقوبات والقيود المصرفية.

تكتسب هذه الملفات بعداً خاصاً في منطقة الساحل، فروسيا بحثت مع بوركينا فاسو ومالي والنيجر تطوير قمر اصطناعي مشترك للاتصالات والاستشعار عن بعد، بما يخدم الاتصال الرقمي، وإدارة الكوارث، والأمن، وتغطية المناطق النائية، ويعكس المشروع انتقال الشراكة من التعاون العسكري إلى بناء بنية تحتية ذات استخدامات أمنية ومدنية واقتصادية متداخلة.

الساحل الإفريقي.. بوابة النفوذ ومصدر المخاطر

تحولت مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى مساحة مركزية في الحضور الروسي، بعد تراجع التعاون الأمني مع فرنسا وشركاء غربيين آخرين وتأسيس تحالف دول الساحل.

تعهدت موسكو بدعم القوة المشتركة للتحالف بالمعدات والتدريب والمساعدة التقنية، في وقت تواجه فيه المنطقة تمدد جماعات مسلحة واضطرابات سياسية واجتماعية حادة.

توضح الحالة المالية طبيعة العمل الروسي، فالتعاون الأمني منح موسكو مدخلاً سياسياً سريعاً، وتشير المعطيات إلى أن موسكو وباماكو تعملان على اتفاقيات اقتصادية وطاقة جديدة، فيما ناقشت اللجنة الحكومية الروسية – المالية ملفات الطاقة والنقل والزراعة وتوريد المعدات.

شريك استراتيجي

اكتسبت روسيا صفة الشريك الاستراتيجي لدى عدد من الدول الإفريقية لأنها قدمت نفسها بوصفها قوة لا ارتباط لها بالإرث الاستعماري الأوروبي، ولديها استعداد للتعاون الأمني السريع، وأقل تشددا في ربط العلاقات الاقتصادية بملفات الحوكمة، لعدم التدخل بالشؤون الداخلية الإفريقية.

كما ساعدتها عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، وخبرتها في الطاقة والتعدين والسلاح والتعليم الهندسي، على بناء شبكة من العلاقات تتجاوز المجال العسكري.

عملياً فإن الشراكة الروسية أكثر رسوخاً في دول ومناطق محددة، بينما يبقى حجم التجارة والاستثمار محدوداً قياساً إلى طموحات موسكو واحتياجات إفريقيا.

وتكشف القمة المقبلة عن محاولة لمعالجة هذه الفجوة عبر تطوير العلاقات السياسة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وربط التكنولوجيا بالطاقة والبنية المالية، واعتماد خطة عمل تمتد حتى عام 2029.

ستقاس نتائج قمة أكتوبر بقدرتها على الانتقال من كثافة البيانات السياسية إلى مؤشرات أكثر صرامة مرتبطة بقيمة الاستثمارات المنفذة، وعدد المشروعات التي دخلت مرحلة التشغيل، وحجم التجارة، ونسبة المكون المحلي، وفرص العمل، وآليات التمويل والتسوية المالية.

المرحلة القادمة وفق برنامج القمة القادمة هو شراكة روسية ـ إفريقية تستند إلى مصالح اقتصادية مستدامة، لا إلى تحولات جيوسياسية فقط.

بقلم نضال الخضري

رسميا.. روسيا تعلن انتهاء عمليات إجلاء مواطنيها من قطاع غزة

اقرأ المزيد