04 أكتوبر 2026

قطاع الدواء في السودان يواجه أزمة متفاقمة مع تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، ما أدى إلى اضطراب سوق الأدوية وارتفاع المخاوف بشأن قدرة المرضى على الحصول على العلاجات الأساسية.

وتتجاوز الأزمة ارتفاع الأسعار، في ظل اعتماد السودان بشكل كبير على استيراد الأدوية والمواد الخام المستخدمة في تصنيعها، بينما أدت الظروف الاقتصادية الصعبة إلى اضطراب عمليات التسعير والإمداد، وبدأت صيدليات في إعادة تسعير الأدوية بصورة متكررة، في حين أوقفت بعض الشركات عمليات البيع مؤقتاً إلى حين اتضاح اتجاهات سوق الصرف.

وأظهرت تقارير حديثة ارتفاع أسعار عدد من الأدوية بنسب تراوحت بين 30 و35%، وشملت الزيادات علاجات أساسية لأمراض القلب والروماتويد والاضطرابات النفسية، وتأتي هذه الارتفاعات في وقت تواجه فيه الأسر السودانية ضغوطاً متزايدة بسبب الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات الفقر، ما جعل تكلفة العلاج عبئاً إضافياً على المواطنين.

ويرى خبراء أن توقف معظم المصانع المحلية في الخرطوم عن الإنتاج أسهم في زيادة الاعتماد على الأدوية المستوردة، التي تتأثر بصورة مباشرة بالتقلبات الحادة في أسعار الصرف، ما يزيد من صعوبة الحفاظ على استقرار السوق وتوفير الأدوية بأسعار يمكن للمرضى تحملها.

ومن جانبه، أوضح مدير الدواء الدائري أن ضبط أسعار الأدوية يتم وفق آليات المجلس القومي للأدوية والسموم، مع تحديد هامش ربح للشركات، مؤكداً التزام الجهات المعنية بتوفير قائمة الأدوية الأساسية التي تضم نحو 600 صنف، مع إعطاء الأولوية للأدوية المنقذة للحياة وعلاجات الطوارئ.

وأضاف أن المخزون الدوائي المتوفر في منافذ الدواء الدائري لا يزال قائماً، رغم الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي تواجه القطاع.

وفي المقابل، تحدثت مصادر صيدلانية عن ضغوط متزايدة يواجهها العاملون في القطاع عند التعامل مع المرضى، مشيرة إلى أن الصيدلي يجد نفسه مضطراً إلى رفع أسعار البيع حتى يتمكن من شراء كميات جديدة من الشركات، التي تعيد بدورها تسعير منتجاتها بصورة متكررة.

وأوضحت المصادر أن التضخم يؤدي إلى تآكل رأس المال العامل في الصيدليات، ما يهدد قدرتها على الاستمرار في توفير الأدوية والخدمات للمواطنين، خصوصاً في ظل اتساع الفجوة بين تكاليف التشغيل والقدرة الشرائية للمرضى.

وبدوره، قال مدير الإدارة العامة للصيدلة بوزارة الصحة إن القطاع الخاص يوفر نحو 80% من احتياجات السوق الدوائية في السودان، موضحاً أن قدرة المستوردين على توفير العملات الأجنبية تمثل عاملاً أساسياً في استمرار تدفق الأدوية إلى البلاد.

وأشار إلى أن دعم الصناعة الدوائية المحلية يمثل خياراً استراتيجياً للحد من تأثر السوق بتقلبات أسعار العملات الأجنبية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد على المدى الطويل.

وأكد المسؤول أن مرضى الأمراض المزمنة يواجهون التأثير الأكبر جراء موجة ارتفاع الأسعار، محذراً من أن استمرار ارتفاع تكلفة العلاج قد يدفع بعض المرضى إلى تقليل الجرعات أو التوقف عن تناول الأدوية، بما قد ينعكس سلباً على حالتهم الصحية.

وشدد على ضرورة تعزيز الرقابة على سوق الدواء لمنع تسرب أدوية مجهولة المصدر عبر الأسواق الموازية، التي قد تستغل حاجة المواطنين المتزايدة إلى العلاج في ظل صعوبة الحصول على الأدوية بأسعار مناسبة.

وعبّر مواطنون عن حجم الضغوط التي يواجهونها في توفير العلاج، قائلين إن الحصول على الدواء أصبح من أبرز الأولويات التي تشغلهم في ظل الظروف الحالية، وأوضحوا أن تحمل نقص بعض الاحتياجات المعيشية قد يكون ممكناً، لكن انقطاع العلاج بالنسبة إلى المرضى قد يؤدي إلى تدهور سريع في أوضاعهم الصحية.

وأكدت تجارب عدد من المرضى أن الفجوة المتزايدة بين الدخول المحدودة وأسعار الأدوية المرتفعة باتت أكبر من قدرة كثير من الأسر على تحملها، ما يزيد الحاجة إلى تدخلات عاجلة لضمان استمرار حصول المرضى على العلاجات الضرورية.

ومن جهته، أوضح مدير الإدارة العامة للشراء والتعاون في الصندوق القومي للإمدادات الطبية أن الدولة تعمل على حماية برامج العلاج المجاني، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الصرف يستدعي زيادة مخصصات التمويل بصورة عاجلة للحفاظ على الكميات المطلوبة وضمان وصولها إلى المرافق الصحية.

وأضاف أن الموازنات الحكومية أصبحت أكثر مرونة لاستيعاب الارتفاع في تكاليف النقل والاستيراد، في محاولة للحفاظ على استمرارية الإمدادات الطبية رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.

ويؤكد مسؤولون في القطاع أن استقرار سوق الدواء يتطلب تكامل الجهود بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب وضع استراتيجية وطنية تتجاوز المعالجات المؤقتة. ويرون أن التوسع في التصنيع الدوائي المحلي، بالتوازي مع توفير العملات الأجنبية للمستوردين، يمثلان محورين أساسيين للحد من تداعيات الأزمة وضمان استمرار توفر الأدوية في السودان.

خبير مصري: استمرار تخزين المياه في سد النهضة يهدد الأمن المائي

اقرأ المزيد