28 أكتوبر 2026

في تجمع انتخابي بمدينة بيري في ولاية جورجيا، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليبيا واليمن والصومال وهايتي بعبارات مهينة، وقال إنه يفضل استقبال مهاجرين من النرويج والسويد والدنمارك.

وضع ترامب هذه الدول في سياق خطاب انتخابي عن الهجرة، مستدعياً صور الفوضى والعنف لتسويغ التمييز بين شعوبها، ما أثار استنكاراً واضحاً من صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الليبي، الذي دعا إلى توجيه احتجاج رسمي إلى واشنطن عبر القنوات الدبلوماسية، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين يجب أن تقوم على احترام السيادة والكرامة الوطنية.

أما رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، فاكتفى بالتأكيد على أن كرامة ليبيا ليست مادة للسجالات الانتخابية، وأن العلاقات مع واشنطن ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل.

ويكتسب تصريح ترامب دلالته الأعمق من سجل واشنطن في ليبيا، فالولايات المتحدة شاركت بفاعلية في تدخل عسكري غيّر مسار البلاد وأسهم في إسقاط نظام الرئيس معمر القذافي، ثم لم تتحمل مسؤولية متناسبة مع حجم دورها في دعم بناء الدولة بعد التدخل.

وبعد موجة الغضب، أشاد ترامب، في منشور على منصة “تروث سوشيال”، بالشعب الليبي، واصفاً إياه بالفخور والصامد والمضياف، ومؤكداً دعم واشنطن لتوحيد البلاد ومؤسساتها وإجراء انتخابات، إلى جانب التعاون في مكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير النظامية.

ولم تتضمن هذه الإشادة اعتذاراً عن التصريحات المسيئة، ولم تبدد التناقض بين حديثه عن احترام ليبيا واستخدام أزمتها لتبرير خطاب مهين.

من حماية المدنيين إلى تغيير موازين الحرب

في مارس 2011، أجاز مجلس الأمن، بموجب القرار 1973، اتخاذ تدابير لحماية المدنيين وفرض منطقة حظر جوي، مع استبعاد وجود قوة احتلال أجنبية.

قادت الولايات المتحدة المرحلة الأولى من العمليات، ثم تولى حلف شمال الأطلسي قيادة المهمة، مع استمرار الدعم الأميركي في مجالات الاستخبارات والقدرات الجوية والخدمات اللوجستية. ومع تقدم الحملة، أسهمت الضربات في تغيير موازين الحرب، وانتهى المسار بسقوط نظام القذافي.

لم تكن واشنطن قوة عابرة في تلك الحملة، إذ امتلكت القدرات التي أسندت عمليات التحالف، وشاركت في رسم المسار العسكري الذي غيّر مستقبل الدولة الليبية. وحين انتهت الحملة، لم تواكب هذا الدور خطة أميركية واضحة لإعادة بناء مؤسسات الدولة أو دعم انتقال يحول دون انهيارها.

وقع التدخل سريعاً، أما الالتزام بما بعده فظل محدوداً ومجزأً، تاركاً فراغاً أمنياً وسياسياً واسعاً. وأقر الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما لاحقاً بهذا الإخفاق، واعتبر أن عدم التخطيط لما بعد التدخل كان من أكبر أخطائه الرئاسية. وقال عام 2016 إن الولايات المتحدة وحلفاءها لم يولوا الاهتمام الكافي لبناء هياكل تضمن الأمن والسلام في ليبيا.

يشكل هذا الإقرار اعترافاً أميركياً مباشراً بفجوة أساسية بين قرار التدخل والاستعداد لتحمل تبعاته، فقد ساهمت واشنطن في تغيير النظام، ثم تركت مرحلة ما بعده من دون استجابة توازي حجم التحول الذي شاركت في صنعه.

إدارة الأزمة بدلاً من معالجة آثار التدخل

لم تتوقف المسؤولية الأميركية عند غياب خطة لما بعد الحرب. ففي السنوات التالية، انكمش الحضور الدبلوماسي لواشنطن، وتقدمت أولويتا مكافحة الإرهاب وحماية المصالح الأميركية على بناء مؤسسات ليبية قادرة على استعادة وظائف الدولة.

عالجت هذه المقاربة تهديدات أمنية محددة، لكنها أبقت السؤال الأهم بلا جواب: ماذا ستفعل الولايات المتحدة لمعالجة الفراغ الذي ساعد التدخل على إحداثه؟

ظهر اضطراب السياسة الأميركية بوضوح عام 2019، ففي وقت أعلنت فيه الخارجية الأميركية دعم وقف إطلاق النار والعودة إلى الوساطة الأممية، كشف البيت الأبيض عن اتصال أجراه ترامب مع قيادة من شرق ليبيا، تناول مكافحة الإرهاب وحماية الموارد النفطية.

كشف هذا التواصل تناقضاً في الموقف الأميركي، إذ لم تنسجم دعوة واشنطن إلى وقف إطلاق النار والوساطة الأممية مع تحركات البيت الأبيض، ما أضعف مصداقيتها في الدفع نحو التسوية، وأظهر تقدّم حساباتها الأمنية والنفطية على استقرار ليبيا.

في المقابل، حافظت واشنطن على اهتمامها بتدفق النفط، ودفعت باتجاه تفاهمات اقتصادية وميزانية موحدة، مع تشجيع شركات الطاقة الأميركية على الاستثمار.

لا تكمن المشكلة في التعاون الاقتصادي بحد ذاته، بل في اختلال الأولويات، إذ تحظى استمرارية الإنتاج ومصالح الشركات بمتابعة عملية، بينما بقي بناء المؤسسات الليبية وتسوية الأزمة السياسية رهناً بجهود متقطعة.

وعندما تحظى إدارة الموارد باهتمام يفوق معالجة تبعات الحرب، يصبح النفط معياراً للتحرك الأميركي، فيما يتأخر ملف الدولة التي تنتجه.

خطاب انتخابي يتنصل من أثر السياسة

جاءت تصريحات ترامب لتضيف إلى هذا السجل مستوى آخر من الاستعلاء، إذ استخدم أزمة ليبيا مادة لتأجيج النقاش حول الهجرة، وقارن بين مهاجرين من دول عربية وإفريقية وآخرين من دول شمال أوروبا، مختزلاً بلداناً كاملة في أوصاف تحقيرية.

لا يشرح هذا الخطاب أسباب الاضطراب، ولا يميز بين الدولة وسكانها، بل يحوّل صورة الفوضى إلى حكم على شعب بأكمله.

وتبدو المفارقة صارخة حين تصدر الإهانة عن رئيس دولة شاركت في التدخل العسكري، وتواصل التعامل مع ليبيا في ملفات الأمن والطاقة والاستثمار. ففي الدبلوماسية الأميركية، تُطرح ليبيا شريكاً حين يتعلق الأمر بالموارد والتعاون، ثم تتحول في الخطاب الانتخابي إلى مثال مهين يخدم تعبئة الناخبين ضد الهجرة.

هذا التناقض لا يسيء إلى الليبيين وحدهم، بل يكشف كيف تنفصل المصالح الأميركية عن الاعتراف بنتائج السياسات التي ساهمت واشنطن في إنتاجها.

المشكلة أوسع من زلة لسان، فخطاب ترامب يعيد إنتاج منطق يحمّل الدول التي تعرضت للتدخل تبعات الفوضى، فيما يعفي القوة التي تدخلت من مراجعة دورها. ويصبح وصف ليبيا بهذه اللغة وسيلة لإخفاء تسلسل واضح، بدأ بتدخل عسكري غيّر موازين القوة، ثم غياب دعم جاد لمرحلة ما بعده، وصولاً إلى الاستثمار السياسي في صورة الاضطراب الذي أعقبه.

مسؤولية لا يسقطها تبدّل الإدارات

تضع هذه الوقائع واشنطن أمام مسؤولية سياسية واضحة، فقد شاركت بفاعلية في التدخل الذي أسقط النظام الليبي، وأقر رئيسها السابق بأن التخطيط لما بعده كان قاصراً، ثم تعاقبت سياسات أدارت جوانب من الأزمة من دون أن تقدم مساراً ثابتاً لإعادة بناء المؤسسات.

وفق هذا التصور، لا يمكن التعامل مع خطاب ترامب كما لو أنه منفصل عن سجل بلاده، فالإهانة تكتسب وقعها من التناقض بين نفوذ واشنطن في رسم مسار التدخل وإحجامها عن تحمل تبعاته.

يبدأ الموقف الأميركي الجاد باعتذار واضح عن التصريحات، لكنه لا ينتهي عنده. فالمطلوب سياسة تتعامل مع استقرار ليبيا بوصفه مسؤولية سياسية تلتزم بها واشنطن، لا ملفاً مؤقتاً يحركه النفط أو مكافحة الإرهاب.

أما الاستمرار في استدعاء الفوضى لإهانة البلاد، مع تجاهل الدور الأميركي في المسار الذي قاد إليها، فيعني أن واشنطن تريد الاحتفاظ بمكاسب النفوذ والتعاون، والتخلي عن كلفة الاعتراف بمسؤوليتها.

بقلم نضال الخضري

“ويجز” يتألق بالجلابية وعلم فلسطين في افتتاح “صيف بنغازي” (فيديو+صور)

اقرأ المزيد