26 أكتوبر 2026

أعاد دونالد ترامب، خلال تجمع انتخابي في يوم 24 أكتوبر 2026، استخدام عبارته المهينة بحق ليبيا واليمن وهايتي والصومال، ووصف هذه الدول بأنها “موبوءة بالإرهاب”.

قدم ترامب العبارة أمام أنصاره في مدينة بيري بولاية جورجيا باعتبارها موقفا صريحا، مستحضرا الجدل الذي أثارته تصريحاته السابقة عن الهجرة، وهاجم الصوماليين المقيمين في الولايات المتحدة بتعميمات غير مسندة، زاعما أن 98% منهم لا يعملون، وأنهم يسرقون ويعيشون في سيارات فارهة.

يتجاوز أثر خطاب ترامب مسألة استخدام رئيس دولة لغة فظة؛ فحين تصبح الإهانة أداة متكررة لدى رئيس يملك نفوذا عسكريا واقتصاديا واسعا، ويقدم بلاده زعيمة لنظام دولي قائم على القواعد والحقوق، تتحول الكلمات إلى إشارة سياسية، وتمنح القوى الكبرى سلطة تصنيف الشعوب والحكم عليها، وترفع دولا أخرى إلى مرتبة أعلى، قبل بحث سياساتها أو مسؤولية حكوماتها.

إهانة الشعوب بوصفها سياسة

الخطاب الأخير لم يكتف بانتقاد مشروع هجرة أو سياسة حكومية، إنما جمع بين وصم دول كاملة بالإرهاب، وتحقير سكانها، ومقارنة القادمين منها بمهاجرين من النرويج والسويد والدنمارك.

هذه المقارنة تنقل النقاش من معايير محددة، مثل فحص الطلبات أو الاعتبارات الأمنية، إلى تصنيف بشري وثقافي، فهناك أناس مرغوب فيهم وآخرون يُصورون كعبء أو تهديد.

تزداد دلالة هذا التصنيف حين يوضع ضمن سجل أوسع، ففي 2018 نُسب إلى ترامب وصف هايتي ودول إفريقية بعبارة مهينة خلال نقاش عن الهجرة، فهو أنكر استخدامها أولا، ثم أقر في خطاب عام أواخر 2025 بأنه قال: “لماذا نستقبل أشخاصا من دول قذرة؟”.

لم يعد الأمر، بعد ذلك الإقرار، محصورا في روايات متعارضة عما جرى خلف أبواب مغلقة؛ صار هناك نمط يعاد استحضاره علنا، بل ويُقدم أحيانا كجزء من هوية سياسية قائمة على تحدي الخصوم وازدراء اعتراضاتهم.

هذا النمط يستدعي وصفا دقيقا للعنصرية، فليس كل تعبير فظ دليلا كافيا عليها، لكن التعميم على شعوب ذات أصول إفريقية أو عربية، وربطها بالدونية أو الجريمة، ثم وضعها في مقابل شعوب أوروبية بيضاء بوصفها خيارا أفضل، يجعل البعد العرقي جزءا من الحجة السياسية.

قرأ الاتحاد الأفريقي تصريحات 2018 في هذا السياق، وأدانها وطالب باعتذار، مؤكدا أن العلاقات بين الدول ينبغي أن تقوم على المساواة والاحترام وكرامة الإنسان.

الإهانة تتحول إلى إشارة من الدولة

تكتسب تصريحات ترامب أثرها الدولي من موقع قائلها، فعندما يخاطب أنصاره بعبارات مهينة بحق شعوب ودول، يسمعها العالم صادرة عن رئيس الولايات المتحدة، ويربطها بمواقف إدارته وسياساتها، فيتحول التجمع الانتخابي إلى منبر تتردد منه رسائل تتجاوز الجمهور الحاضر، وتؤثر في نظرة الحكومات والشعوب إلى واشنطن.

في 2018، اتخذ الاعتراض على تصريحات ترامب طابعا رسميا؛ فأدانها الاتحاد الإفريقي، واستدعت بوتسوانا وسنغال دبلوماسيين أميركيين، وقدمت السلفادور احتجاجا إلى واشنطن، وعكست هذه المواقف رفضا لتحويل شعوب كاملة إلى موضوع للتشهير في خطاب رئيس دولة.

تتجاوز دلالة تلك المواقف رفض الإهانة إلى الدفاع عن قاعدة أوسع تحكم العلاقات الدولية تتمثل عبر المساواة في السيادة التي يكرسها ميثاق الأمم المتحدة، فعندما تمنح لغة التحقير القوة حق تصنيف الشعوب والحكم على قيمتها، وتختزل دولا كاملة في الفقر أو الفوضى أو الخطر، فإنها تكرس تصورا هرميا للعالم، تحتكر فيه القوى الكبرى حق إصدار الأحكام، فيما تُدفع الأطراف الأضعف إلى موقع المتهم.

صورة أميركا لا تُقاس بكلمات رئيسها وحدها

كانت مؤشرات تراجع صورة الولايات المتحدة وثقة الجمهور الدولي بها قائمة قبل تصريح جورجيا الأخير.

يشير استطلاع مركز بيو لعام 2026 الذي أُجري بين فبراير ومايو، قبل التصريح بنحو خمسة أشهر، وشمل 42 ألفا و151 شخصا في 36 دولة، بلغت القيمة الوسطى لنسب الثقة بقدرة ترامب على التعامل مع الشؤون العالمية 23% بين الدول الـ36 التي شملها الاستطلاع، مقابل 57% عبروا عن نظرة سلبية إلى الولايات المتحدة.

ورأى 35% فقط، كقيمة وسطية بين الدول المشمولة، أن واشنطن تسهم في السلام والاستقرار الدوليين، وترصد هذه الأرقام مناخا أوسع من الشك.

الأكثر إحراجا لواشنطن هو اتساع الفجوة بين ما تعلنه وما تمارسه، فحين تنتقد حكومات أخرى بسبب التمييز أو انتهاك الحقوق، ثم يصدر عن رئيسها خطاب يعمم صفات مهينة على شعوب بأكملها، تصبح مواقفها أقل إقناعا.

يستطيع الخصوم توظيف هذا التناقض للتشكيك في دوافعها، أما الحلفاء فيجدون أنفسهم أمام شريك يطالبهم باحترام قواعد لا يلتزم رئيسه بأعرافها الأساسية، وهذه الخسارة لا تظهر دائما في اتفاق يُلغى أو تحالف ينفرط؛ فأحيانا تتراكم في تراجع الثقة، وفي ترسخ انطباع بأن الولايات المتحدة تقدم مصالحها ونفوذها على مراعاة مصالح الدول الأخرى.

ما الذي يجعل الخطاب سلطويا؟

يتخذ خطاب ترامب منحى إقصائيا حين يصور جماعات كاملة بوصفها خطرا، ويشيطن خصومه، ويقدم إرادة القائد فوق المساءلة.

تؤدي هذه اللغة وظيفة سياسية واضحة، فتقسم المجتمع إلى جماعة يدعي الخطاب أنها تمثل “الشعب الحقيقي”، وأخرى يصورها عبئا أو تهديدا يستوجب الإقصاء.

خطورة هذا الأسلوب أنه يدرب الجمهور على قبول التعميم مكان الدليل، والإذلال مكان الحجة، والولاء مكان المساءلة، وبينت دراسات تجريبية داخل الولايات المتحدة أن بعض أشكال الخطاب المخالف للأعراف أضعفت ثقة مؤيدي ترامب بنزاهة الانتخابات، أو خفضت دعمهم لمبادئ الشمول والمساواة السياسية، ما يوضح أن لغة النخب يمكن أن تغير ما يراه مؤيدوها مقبولا في السياسة.

التطبيع يبدأ حين تصبح الإهانة مكسبا

ينتشر هذا الخطاب بين القادة حين يثبت أن استخدامه لا يترتب عليه ثمن سياسي أو دبلوماسي واضح.

كلما حصدت الإهانة اهتماما إعلاميا، وحولت النقاش من السياسات إلى صدمة العبارة، ثم أعاد مؤيدوها تداولها بوصفها “صراحة” ازدادت جاذبية تقليدها، وعندها يتجاوز الأمر أسلوب رئيس واحد، ويمس قدرة المؤسسات والأحزاب والجمهور على رسم حدود الخطاب الصادر عن رأس الدولة.

يتوقف مسار هذا الخطاب على طريقة التعامل معه، فمواجهته سياسيا تحد من تحوله إلى سابقة، أما تقديمه بوصفه تعبيرا عن الجرأة فسيجعله ينتشر في الخطاب السياسي دوليا، وفي الحالتين، يكشف خطاب ترامب تناقضا يضعف حجج واشنطن الأخلاقية، فهي تطالب العالم بالمساواة، فيما يصنف رئيسها شعوبا كاملة بعبارات تحقيرية ويضعها في مراتب متفاوتة.

بقلم: مازن بلال

 

 

أزمة قيادة وزارة النفط الليبية تتفاقم..عون يدعو الدبيبة لاتخاذ موقف حاسم

اقرأ المزيد