29 سبتمبر 2026

ترشيح تونس “مقدمة ابن خلدون” لإدراجها في سجل “ذاكرة العالم” التابع لليونسكو أثار جدلاً مع الجزائر حول إرث المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع وأحقية كل بلد في تبني جانب من سيرته وتاريخه.

وتستند الرواية التونسية إلى أن ابن خلدون وُلد في تونس ونشأ فيها، فيما يشير جزائريون إلى أن المؤرخ أقام في عدد من المدن الجزائرية، وأنه أمضى فترة مهمة من حياته في “قلعة بن سلامة” بولاية تيارت الحالية، حيث وضع الأسس الأولى لمشروعه الفكري والتاريخي الذي تضمنته “المقدمة”.

وُلد عبد الرحمن ابن خلدون عام 1332 ميلادياً في تونس، ونشأ في أسرة عريقة، وتلقى تعليمه على يد والده في جامع الزيتونة، قبل أن يتتلمذ على عدد من كبار الشيوخ والعلماء، وفي سن مبكرة، بدأ العمل في بلاط الدولة الحفصية التي كانت تحكم تونس آنذاك، ليقضي نحو 24 عاماً من حياته في البلاد.

وبعد مغادرته تونس، خاض ابن خلدون رحلة طويلة تنقل خلالها بين عدد من مدن المغرب والأندلس والجزائر، فانتقل إلى فاس وغرناطة، كما أقام في بجاية وتلمسان وبسكرة، وهي مناطق تقع ضمن الجزائر حالياً.

وخلال تلك المرحلة، تولى ابن خلدون عدداً من المناصب السياسية والدبلوماسية، وعاش تجارب متعددة في بلاطات السلاطين، كما تعرض للسجن والنفي وخاض صراعات سياسية، قبل أن يتجه تدريجياً إلى الابتعاد عن العمل السياسي والتفرغ لمشروعه الفكري.

وفي الجزائر، لجأ ابن خلدون إلى “قلعة بن سلامة”، الواقعة في منطقة جنوب غربي العاصمة الجزائرية الحالية، حيث أمضى نحو أربع سنوات، وهناك بدأ صياغة مشروعه التاريخي والفكري الذي ارتبط لاحقاً بـ”كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكب”، ومنه جاءت “المقدمة” التي أصبحت أشهر أعماله.

واستفاد ابن خلدون في مشروعه من تجاربه السياسية والاجتماعية التي راكمها خلال تنقلاته بين بلاد المغرب والأندلس، قبل أن يعود إلى تونس عام 1378 لاستكمال تنقيح مؤلفه.

وفي تونس، أهدى ابن خلدون النسخة الأولى من “كتاب العبر” إلى السلطان الحفصي أبي العباس أحمد المستنصر عام 1382، قبل أن يغادر البلاد متوجهاً إلى مصر، حيث بدأ مرحلة جديدة من حياته العلمية والقضائية.

وفي مصر، تولى ابن خلدون منصب قاضي المالكية، وتخللت إقامته هناك رحلات إلى بلاد الشام والحجاز، ومن أبرز محطات تلك الفترة لقاؤه بالسلطان المغولي تيمورلنك في دمشق عام 1401، خلال حملة الأخير على المدينة.

كما شهدت حياة ابن خلدون في مصر مأساة شخصية، بعدما غرقت زوجته وأبناؤه في البحر أثناء توجههم من تونس للالتحاق به.

وتوفي عبد الرحمن ابن خلدون في مصر في مارس عام 1406، بعد حياة تنقل خلالها بين مناطق عدة. فقد أمضى نحو 24 عاماً في تونس، ونحو 26 عاماً متنقلاً بين المغرب والأندلس والجزائر، قبل أن يقضي نحو 24 عاماً أخرى في مصر.

وبذلك، يمتد إرث ابن خلدون بين أكثر من فضاء جغرافي في شمال إفريقيا والأندلس، وهو ما يفسر جانباً من الجدل الذي رافق ترشيح “المقدمة” لليونسكو، في ظل ارتباط مراحل مختلفة من حياته الفكرية والسياسية بكل من تونس والجزائر والمغرب والأندلس ومصر.

الجزائر تتصدر قائمة الدول في نشر المجلات العلمية باللغة العربية لعام 2024

اقرأ المزيد