19 سبتمبر 2026

د. آصف ملحم، مدير مركز جي إس إم للأبحاث والدراسات، قال في تصريحات خاصة لشبكة “أخبار شمال إفريقيا”، إن روسيا تعزز حضورها في إفريقيا عبر شراكات طويلة الأمد في مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية والتعليم، باعتبار القارة منطقة استراتيجية ضمن سياستها الخارجية.

وأوضح ملحم، في مقابلة صحفية، أن مفهوم السياسة الخارجية الروسية الصادر عام 2024 تضمن تأكيداً واضحاً على أهمية القارة الإفريقية، لافتاً إلى أن الاستثمارات الاقتصادية تمثل أحد أبرز أدوات توسيع النفوذ الروسي، إلى جانب الأدوات الثقافية والعسكرية.

وأشار إلى أن روسيا تسعى إلى تعزيز وجودها العسكري في إفريقيا من خلال إقامة علاقات وقواعد عسكرية، موضحاً أن موسكو لديها تعاون عسكري مع عدد من الدول الإفريقية، من بينها الجزائر والسودان وليبيا وإريتريا، معتبراً أن هذا الوجود يساهم في حماية المصالح الروسية في القارة.

ولفت مدير مركز جي إس إم للأبحاث والدراسات إلى أن الشركات الروسية تلعب دوراً مهماً في استغلال الموارد الطبيعية الإفريقية، مشيراً إلى شركة “روسال” المتخصصة في صناعة الألمنيوم كنموذج على الاستثمارات الروسية في القارة.

وأضاف أن إفريقيا تتمتع بثروات كبيرة تشمل المعادن والطاقة والزراعة والموارد الباطنية، موضحاً أن النيجر، على سبيل المثال، تعد من أكبر منتجي اليورانيوم عالمياً، وأن جزءاً من هذا الإنتاج يُستخدم في روسيا بعد عمليات التخصيب لتلبية احتياجات المفاعلات النووية.

وأشار ملحم إلى أن المنتديات الروسية الإفريقية، التي شارك فيها شخصياً، عكست وجود اهتمام متبادل بين رجال الأعمال الروس والأفارقة بتطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري، مؤكداً أن القارة الإفريقية تمتلك مقومات لوجستية مهمة بسبب موقعها الجغرافي وإطلالتها على المحيطات والبحار الرئيسية.

وفي الجانب الثقافي، أوضح أن روسيا تستقبل أعداداً كبيرة من الطلاب الأفارقة، إضافة إلى تعزيز التبادل الثقافي من خلال الفعاليات الشبابية والتعليمية، معتبراً أن العلاقات بين روسيا وإفريقيا تستند أيضاً إلى إرث تاريخي يعود إلى فترة الاتحاد السوفيتي، عندما قدمت موسكو دعماً لعدد من الدول الإفريقية خلال مراحل نضالها من أجل الاستقلال.

وحول قدرة روسيا على الحفاظ على موقعها كلاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي رغم العقوبات الغربية، قال ملحم إن موسكو ما تزال من كبار منتجي الطاقة، سواء في مجال النفط أو الغاز الطبيعي، إلا أنها تواجه تحديات مرتبطة بالجغرافيا واللوجستيات.

وأوضح أن محدودية الوصول الروسي إلى بعض البحار والموانئ الدولية تمثل تحدياً أمام توسيع صادرات الطاقة، مشيراً إلى أن روسيا تعتمد بشكل كبير على موانئ بحر البلطيق والبحر الأسود، إضافة إلى منشآتها في الشرق الأقصى المطل على المحيط الهادئ وبحر اليابان.

وأكد أن العقوبات الغربية لم تمنع استمرار الدور الروسي في سوق الطاقة، مشيراً إلى أن بعض الدول الأوروبية التي شاركت في فرض العقوبات تواجه بدورها تحديات اقتصادية، وأن مصالح رجال الأعمال قد تدفعهم إلى البحث عن طرق للتعامل مع هذه القيود.

وأضاف أن العقوبات تعد “سيفاً ذا حدين”، لأنها لا تؤثر فقط على الدولة المستهدفة، بل قد تنعكس أيضاً على الدول التي تفرضها، موضحاً أن روسيا تعاملت مع هذه العقوبات باعتبارها مساراً بدأ منذ عام 2014 وليس فقط بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.

وأشار إلى أن موسكو تعمل على تطوير مشاريع طاقة ضخمة، من بينها مشاريع الغاز في شبه جزيرة يامال والمشاريع المرتبطة بالمحيط المتجمد الشمالي، إضافة إلى تطوير الممر البحري الشمالي الذي اعتبره من أقصر الطرق البحرية بين آسيا وأوروبا وأمريكا.

وأوضح أن روسيا تستفيد من خبرتها في صناعة كاسحات الجليد لتطوير هذا الممر، مؤكداً أن تطوير البنية اللوجستية يسير بالتوازي مع مشاريع الطاقة، ومنها مشاريع “قوة سيبيريا 1 و2 و3” لنقل الغاز إلى الأسواق الآسيوية.

وأشار إلى أن العلاقات الاقتصادية بين روسيا والصين تمثل عاملاً مهماً في هذا المجال، باعتبار الصين من أكبر مستهلكي الطاقة عالمياً، إضافة إلى وجود حدود برية واسعة بين البلدين تجعل حركة التجارة والطاقة أكثر سهولة.

وفيما يتعلق بإمكانية نجاح روسيا في إعادة تشكيل خريطة أسواق الطاقة عبر تعزيز علاقاتها مع آسيا والشرق الأوسط، أوضح ملحم أن العامل الجغرافي يلعب دوراً أساسياً في هذا التحول.

وقال إن الدول الكبرى المنتجة للطاقة، ومنها دول الخليج العربي والعراق وإيران وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان وروسيا، ترتبط فيما بينها بممرات برية وبحرية، ما يتيح فرصاً واسعة للتعاون في مجال الطاقة.

وأشار إلى أن نسبة كبيرة من صادرات الطاقة الخليجية تتجه إلى الأسواق الآسيوية، موضحاً أن جزءاً مهماً منها يذهب إلى الصين، التي تمثل إحدى أكبر القوى الاقتصادية والاستهلاكية في العالم.

وأكد أن روسيا تمتلك علاقات واسعة مع العديد من الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، سواء في آسيا أو الشرق الأوسط، مشيراً إلى تعاونها مع دول مثل الصين والهند وإيران ودول الخليج، إضافة إلى دورها ضمن تجمعي “بريكس” و”منظمة شنغهاي”.

وأضاف أن العلاقات بين روسيا والصين والهند قد تشكل أحد محاور التحولات الاقتصادية الدولية، موضحاً أن روسيا تمتلك احتياطات ضخمة من الطاقة وقدرات لوجستية تساعدها على تعزيز دورها في الأسواق العالمية.

وحول الحديث عن انتقال العالم نحو نظام متعدد الأقطاب، أوضح ملحم أن هذا المصطلح يحتاج إلى تعريف دقيق، مشيراً إلى أن أي قطب عالمي لا يمكن أن يكون مستقلاً بشكل كامل عن بقية القوى.

وقال إن العلاقات بين روسيا والصين والهند والولايات المتحدة تقوم على شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، موضحاً أن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة بدأت منذ سنوات، خاصة مع الدعوات إلى إعادة توطين الصناعات وتقليل الاعتماد على الخارج.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تواجه تحديات مرتبطة بالحفاظ على انتشارها العسكري العالمي، مؤكداً أن النظام الدولي يشهد تغيرات مستمرة مع صعود قوى آسيوية كبرى.

وأضاف أن حدود النفوذ بين القوى الكبرى أصبحت أكثر مرونة مقارنة بفترة الحرب الباردة، وأن العالم قد يتجه، من وجهة نظره، إلى وجود تيارين رئيسيين، أحدهما تقوده روسيا والصين والهند، والآخر تقوده الولايات المتحدة وأوروبا، مع استمرار وجود التعاون والمصالح المشتركة بين الطرفين.

وفيما يتعلق بالحضور الروسي في الشرق الأوسط، أكد ملحم أن موسكو تتمتع بعلاقات واسعة مع العديد من دول المنطقة، وتعتمد في تعزيز نفوذها على مزيج من الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية.

وأشار إلى قوة العلاقات الروسية مع مصر والجزائر والسودان وإيران، إضافة إلى التعاون مع دول الخليج العربي، موضحاً أن موسكو تعمل على توسيع علاقاتها من خلال منصات دولية مثل تجمع “بريكس”.

وتطرق إلى إعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي في إفريقيا، موضحاً أن مجموعة “فاغنر” جرى تحويلها إلى “الفيلق الإفريقي” التابع لوزارة الدفاع الروسية، بهدف تنظيم عملها بشكل مباشر ضمن مؤسسات الدولة الروسية.

وأكد أن روسيا تسعى إلى تعزيز التعاون مع الدول العربية عبر الاستثمارات والطاقة والسياحة والتبادل الثقافي، مشيراً إلى تزايد حركة السياح العرب إلى روسيا والروس إلى الدول العربية.

وأضاف أن عدداً من الدول العربية تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية عبر تعزيز التعاون مع روسيا والصين والهند، بهدف تحقيق توازن أكبر في علاقاتها الخارجية.

وأوضح ملحم أن المنطقة العربية تواجه تحديات مرتبطة بغياب قوة موحدة قادرة على حماية مصالحها، معتبراً أن هذا الواقع يدفع العديد من الدول إلى البحث عن شراكات متعددة مع القوى الكبرى في الشرق والغرب.

الجزائر وروسيا تبحثان في موسكو توسيع التعاون الاقتصادي والعلمي

اقرأ المزيد