الصمغ العربي يواجه، أحد أبرز الموارد الاستراتيجية في السودان، أزمة تتجاوز تراجع الإنتاج إلى مخاوف من تهريب شحناته عبر الحدود، وسط تساؤلات عن وصول “الذهب الأبيض” إلى الأسواق العالمية بهوية تجارية تخفي منشأه السوداني.
وتتضح أبعاد الأزمة في انخفاض الإنتاج من نحو 150 ألف طن سنوياً قبل اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، إلى نحو 60 ألف طن، بتراجع يقارب 60%، وفق تقديرات خبراء أمميين، فيما تُقدّر خسائر الإيرادات بنحو 198 مليون دولار سنوياً.
ولا تقتصر التداعيات على تراجع الإنتاج، فالسودان، الذي كان يوفر نحو 70 إلى 80% من صادرات الصمغ العربي الخام عالمياً، يعتمد نحو خمسة ملايين شخص فيه على هذا القطاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولكن الحرب تضرب هذه المكانة من جبهات عدة، تشمل قطع أشجار الهشاب لإنتاج الفحم، ونزوح المنتجين عن مناطقهم، وسلوك شحنات مسارات تجارية عبر الحدود بعيداً عن القنوات الرسمية، بما يثير مخاوف من انتقال جزء من القيمة التجارية للصمغ إلى أسواق لا يظهر فيها منشؤه السوداني بوضوح.
ولا تبدأ خسائر القطاع عند تراجع الكميات المنتجة أو تعثر وصول الشحنات إلى الأسواق، بل تمتد إلى أشجار الهشاب نفسها، التي يمكن أن تدر عائداً اقتصادياً لسنوات طويلة، فالشجرة التي تُقطع لإنتاج الفحم لا يُفقد معها محصول موسم واحد فحسب، بل يُفقد مورد يحتاج تعويضه إلى سنوات.
وأوضح الخبير الزراعي البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد، في تصريحات صحفية، أن شجرة الهشاب البديلة تبدأ عادةً في إنتاج الصمغ عند بلوغها أربع إلى خمس سنوات، وتصبح أكثر انتظاماً وجدوى تجارية اعتباراً من السنة الخامسة.
ويعني ذلك أن تعويض الشجرة المقطوعة لا يتحقق بمجرد غرس شتلة جديدة؛ إذ أشار الخبير السوداني إلى أن استعادة إنتاج تجاري أولي تحتاج إلى نحو خمس سنوات على الأقل، فيما قد تستغرق استعادة إنتاجية الجنينة أو الحقل بالكامل مدة أطول، تبعاً لعدد الأشجار المفقودة، ونجاح عمليات الغرس، والحماية من الرعي والحرائق، وتوافر العمالة والتمويل.
وحتى عندما تنمو فروع جديدة من بعض الجذوع أو الجذور بعد القطع، فإن ذلك لا يعني بالضرورة استعادة الشجرة قدرتها الإنتاجية السابقة في وقت قصير.
ولا تتوقف الخسارة عند الصمغ وحده؛ فأشجار الهشاب تثبّت النيتروجين، وتحسّن التربة، وتوفر الظل والعلف والحطب. ومن ثم، فإن تحويلها إلى فحم يبدد مورداً اقتصادياً وخدمات بيئية ممتدة يصعب تعويضها على المدى القصير.
وإذا كان قطع الأشجار يستنزف المورد الطبيعي، فإن نزوح المنتجين وتعذر وصولهم إلى الجنائن يهددان القاعدة البشرية التي يقوم عليها القطاع، فاستمرار الحرب لا يعرقل جمع الصمغ وتسويقه فحسب، بل يضرب أيضًا القدرة على إدارة الأشجار والمحافظة على إنتاجيتها.
وحذّر طلعت من أن استمرار الحرب يهدد بتفكيك قاعدة الإنتاج البشرية والغابية معاً، بفعل نزوح المنتجين، وتعذر الوصول إلى الجنائن، وغياب التمويل والعمالة، إلى جانب قطع الأشجار وإهمالها.
وفي المقابل، رأى الخبير أن التهريب يحرم الدولة من الإيرادات وحصائل الصادرات، ويطمس المنشأ السوداني، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن جزءاً من الصمغ لا يزال يُنتج ويجد طريقه إلى الأسواق.
وكشفت وقائع النهب عن جانب آخر من الأزمة؛ ففي مدينة النهود بغرب كردفان، أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وقوع عمليات نهب استهدفت تجارة الصمغ العربي والمخازن وأجزاء من السوق في مايو 2025.
وبذلك، لم تعد المسألة تقتصر على وصول الصمغ السوداني إلى الأسواق العالمية، بل باتت تشمل التساؤلات بشأن احتمال عبور بعض الشحنات مسارات غير رسمية، ثم إعادة تصديرها من دون إظهار منشئها السوداني بوضوح.
وأشارت معلومات متداولة في القطاع إلى انتقال شحنات عبر مسارات غير رسمية باتجاه تشاد ودول مجاورة، وسط مخاوف من إعادة تصدير بعضها دون الكشف بوضوح عن منشئها السوداني، وإذا حدث ذلك، فقد يخسر السودان جزءاً من القيمة التجارية لمنتجه، حتى مع استمرار وجود الصمغ نفسه في الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي إبراهيم الكناني، في إفادات لإذاعة “دبنقا”، إن القطاع يواجه تراجعاً في الإنتاج وأعباء الرسوم والجبايات، فيما تزيد عمليات التهريب صعوبة الاحتفاظ بالعائدات داخل البلاد.
وتوفر بيانات الواردات الأوروبية مؤشراً يستحق المتابعة في هذا الإطار. فالأرقام التي استند إليها طلعت في تحليله أظهرت تراجع الكميات المسجلة من السودان من نحو 66.7 ألف طن عام 2022 إلى 49.9 ألف طن عام 2024، بانخفاض يقارب الربع.
وفي المقابل، ارتفعت الواردات المسجلة من تشاد من نحو 9.7 ألف طن عام 2023 إلى 13.5 ألف طن عام 2024.
ولكن تزامن المسارين لا يكفي وحده لكشف مصير الشحنات أو إثبات انتقال الصمغ السوداني عبر تشاد، إذ لا تثبت هذه الأرقام أن الزيادة في الواردات التشادية ناتجة عن تهريب الصمغ السوداني. ويتطلب تحديد المنشأ مراجعة سجلات الشحن والتجارة، ومقارنة الإنتاج المحلي بالصادرات وإعادة التصدير.
ومع ذلك، تظل هذه المؤشرات مهمة عند تقييم مستقبل المنافسة في السوق العالمية. وقال البروفيسور طلعت إن السودان لم يفقد موقعه العالمي بعد، لكنه يخسر تدريجياً بعض مزاياه التجارية، ومنها انتظام الإمدادات، والعلاقة المباشرة بالمشترين، ووضوح المنشأ، وحصيلة الصادرات الرسمية.
ويحذر هذا المسار من أن استمرار الحرب قد يمنح الموردين المنافسين فرصة لتعزيز حضورهم؛ إذ قد يبني المشترون علاقات مستقرة مع موردين بديلين، مثل تشاد ونيجيريا والسنغال، أو يشترون الصمغ السوداني عبر وسطاء من دون أن تُنسب قيمته التجارية إلى السودان.
وبذلك، لا تقتصر المخاطر على تراجع الكميات المصدرة، بل تمتد إلى احتمال فقدان بعض العلاقات التجارية التي قد يتطلب استعادتها وقتاً وجهداً.
وتضع هذه التطورات السودان أمام سباق يتجاوز انتظار توقف الحرب؛ فاستعادة موقعه في سوق الصمغ العربي تتطلب عودة المنتجين، وحماية الجنائن، واستعادة التمويل والنقل، وضمان جودة الصادرات وإمكانية تتبع منشئها.
وتكمن المفارقة في أن الصمغ السوداني قد يواصل الوصول إلى الأسواق العالمية، بينما تتراجع حصة السودان من قيمته التجارية، فالشجرة التي تُقطع اليوم تحتاج إلى سنوات لتعويض إنتاجها، لكن المشتري الذي يجد مورداً بديلاً قد لا ينتظر.
وبين غابات تُستنزف، ومنتجين ينزحون، وشحنات يصعب تتبع منشئها، تتشابك أزمة الإنتاج مع مخاوف التهريب وتراجع المزايا التجارية، وهكذا، يخوض السودان سباقاً للحفاظ على سوق قد تعيد الحرب رسم خريطته قبل أن تتوقف.
“إيغاد” تدعو طرفي النزاع في السودان لوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار
