تفتقر ملفات الفساد الليبية إلى مسار واضح يبدأ بكشف التجاوز وينتهي بمحاسبة المسؤول عنه. وبين مؤسسات رقابية تصدر تحذيرات واتهامات تتكرر في الإعلام، تبقى الوقائع من دون أن تُفضي إلى مساءلة فعلية.
عاد سؤال الفساد إلى الواجهة بالتزامن مع وجود رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، في لندن لتلقي العلاج، وسط تداول ملفات تتصل بالمال العام والمحسوبية وإدارة الأصول. ولم يصدر عنه تعليق على هذه القضايا، ورغم أن الصمت لا يثبت اتهاماً ولا يبدد الشكوك، فإن معلومات مماثلة قد تؤدي في بعض الدول إلى استقالة الحكومة.
وتقتضي المسؤولية السياسية، على الأقل، توضيح ما يحدث، خصوصاً أن الاتهامات مرتبطة بأموال عامة ومؤسسات تدير ثروة البلاد.

المؤشر يرصد خللاً يتجاوز الأفراد
تمنح الأرقام صورة أوسع من الاتهامات الفردية، إذ سجلت ليبيا 13 نقطة من أصل 100، وجاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة وإقليماً في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، من دون تحسن في درجتها مقارنة بالعام السابق.
ويقيس المؤشر تصورات الفساد في القطاع العام، وهو إنذار بشأن بيئة المؤسسات، لا حكم قضائي على مسؤول بعينه.
أما وصف ليبيا بأنها “خامس أكثر دول العالم فساداً”، فلا ينسجم مع بيانات المؤشر المذكورة. وبعيداً عن الالتباس في الترتيب، حدد رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك عوامل أعمق، أبرزها الانقسام السياسي وتهريب المحروقات والبشر والانفلات الأمني، إلى جانب غياب إطار واضح للشفافية، مشيراً إلى إطلاق استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد.

المحسوبية تظهر في التعيين والإنفاق
تتجسد أسئلة المحسوبية في إدارة الأصول والشركات العامة. ففي مارس 2026، قالت منظمة “ذا سنتري” البحثية الأميركية إن المؤسسة الليبية للاستثمار تعاني سوء إدارة وخللاً في الحوكمة، وإن أصولاً بمليارات الدولارات لم تُدَر بكفاءة.
وذكرت أن مبنى للمؤسسة في لندن، قُدّرت قيمته بـ72 مليون دولار، ظل شاغراً نحو عقد، مع خسائر في الإيجارات قُدّرت بـ79 مليون دولار. كما أثارت مسألة تعيين صهر الدبيبة لإدارة فرع المؤسسة في المملكة المتحدة ونفقاته، بوصفهما مصدر قلق بشأن تضارب المصالح.
وأضاف التقرير أن استثمارات عقارية في جوهانسبرغ لم تحقق عائداً يُذكر خلال عقدين، وأن فندق “مايكل أنجلو” مغلق منذ عام 2020، وأن شركة تابعة لم تسدد قرضاً بقيمة 110 ملايين دولار. وأشار إلى خسائر في ليبيريا ومشكلات في شركة “أولا إنرجي”، العاملة في 17 دولة إفريقية، بينها غرامة مغربية تجاوزت 10 ملايين دولار على خلفية اتهام بالتداول بناءً على معلومات داخلية.
وتثير أرقام أخرى متداولة أسئلة مشابهة، إذ نُشرت معلومات عن عقد استشاري في “تام أويل إسبانيا” منسوب إلى غالية بوزعكوك، يتضمن راتباً سنوياً قدره 240 ألف يورو، وبدلات للسكن والدراسة وسيارة، بقيمة إجمالية قُدّرت بـ562 ألف يورو في السنة الأولى.
وتحدث صحفي اقتصادي عن رواتب ومزايا في الشركة، وعن تمويل دراسة 14 شخصاً في معهد بمالطا، قائلاً إن كلفتها تفوق ميزانية جامعة طرابلس. وتحتاج هذه الأرقام إلى توثيق بعقود وكشوف رسمية، فصلة القرابة أو ارتفاع القيمة لا يثبتان وحدهما وقوع مخالفة، لكنهما يستدعيان نشر معايير التعيين والتعويض وتحديد الجهة التي وافقت على الإنفاق.

الكهرباء والوقود: فساد يلمسه المواطن
تتضح كلفة ضعف الرقابة في الخدمات اليومية. ففي يوليو 2026، قالت حكومة الدبيبة إن أزمة الكهرباء ترتبط بالفساد والإهمال، ووجهت اتهامات إلى إدارة الشركة العامة للكهرباء ومركز الرقابة على الأغذية.
وفي الوقت نفسه، أقر وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي بوجود تهريب للوقود تشارك فيه، بحسب قوله، جهات أمنية داخل الدولة، مضيفاً أن الحكومة لا تستطيع التصادم معها.
وقدمت الشركة العامة للكهرباء رواية فنية وأمنية للأزمة، شملت تراجع إمدادات الغاز والوقود وأضراراً لحقت بمحطة الزاوية إثر اشتباكات.
وتداول ناشطون أرقاماً عن فقدان 1,700 ميغاواط بسبب الاشتباكات ونحو 1,000 ميغاواط بسبب نقص الإمدادات، فيما تحدثت الشركة عن فقدان قرابة 700 ميغاواط في محطة الزاوية.
وأفادت تقارير بأن مدير الشركة حذر الدبيبة والنائب العام كتابةً، منذ 4 يونيو، من احتمال انهيار الشبكة. ويجعل اختلاف الأرقام والروايات نشر البيانات الفنية والتحقيق في التحذيرات شرطاً للمحاسبة، بدلاً من الاكتفاء بإقالة مسؤول أو تحميله المسؤولية كاملة.
من جانب آخر، أعلنت النيابة العامة حبس مسؤولين وقيادات في قطاعات النفط والتعليم والصحة والتسويق، على خلفية اتهامات بإهدار المال العام وإساءة استخدام السلطة.
كما أحالت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد نحو 860 حالة اشتباه إلى النيابة والجهات القضائية خلال العام الجاري. وتحدثت تقديرات رقابية عن تجاوز الإنفاق العام تريليون دينار خلال السنوات الأخيرة، وعن شبهات فساد، بالتوازي مع اختلالات في استيراد المحروقات ومقايضة النفط بالوقود.
وتبقى دلالة هذه الأرقام مرتبطة بما تكشفه التحقيقات، وما يُسترد من أموال، وما يصدر من أحكام معلنة.

أدوات رقابية تحتاج إلى إنفاذ
اتخذ ديوان المحاسبة خطوات لكبح الإنفاق، منها إلزام الجهات العامة، في مايو 2026، بإخضاع العقود التي تتجاوز خمسة ملايين دينار للمراجعة والموافقة المسبقتين، مع اعتبار مخالفة ذلك سبباً لبطلان العقد.
كما حذر الديوان من تضخم فاتورة الرواتب وطالب بتوحيدها، بينما هدد الدبيبة، وفق تقارير، بخفض مرتبات الأجهزة الرقابية. وبدأ الديوان مراجعة ملفات دعم المحروقات والدواء، وتطبيق مؤشرات أداء، وتطوير أدوات الحوكمة الرقمية.
تبقى هذه الإجراءات محدودة ما لم تسندها سلطة قضائية قادرة على إنفاذ القانون، فالانقسام السياسي وتداخل الاختصاصات، إلى جانب التحالفات المسلحة والجهوية، تُضعف قدرة المؤسسات على تطبيقه على الجميع.
وفي هذا المناخ، تبقى التقارير الرقابية مادة للنقاش العام، من دون أن تقود إلى مساءلة متكافئة تطال أصحاب النفوذ والموظفين على حد سواء.

من الاعتياد إلى المطالبة بالدليل
يساعد انشغال المواطنين بنقص السيولة وانقطاع الكهرباء وتأخر الرواتب على تفسير تراجع الاهتمام بتفاصيل ملفات الفساد. وتبدو الواسطة، في ظل ضعف المؤسسات، طريقاً عملياً للحصول على خدمة عامة.
وتكشف هذه الأزمات اليومية أثر الخلل نفسه، فحين تتراجع جودة الخدمات، يتحمل المواطن كلفته من دون أن يملك أدوات إصلاحه. وفي طرابلس ومصراتة والزاوية وزليتن، ربط محتجون بين تدهور الخدمات والفساد، وطالبوا بمحاسبة المسؤولين وإجراء الانتخابات.
وتداولت منصات التواصل دعوات إلى يوم غضب في 20 أكتوبر 2026، من دون أن يتيح تداولها وحده تحديد حجم الاستجابة أو نتائجها.
المطلوب سجل علني للعقود والتعيينات والمزايا، ونشر تقارير التدقيق وتقييم الأصول، والتحقيق في الإنفاق والتهريب، وإعلان نتائج القضايا وأحكامها، مع حماية استقلال الرقابة والقضاء. ويتيح ذلك إخضاع الاتهامات للفحص، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة.
وأوصت “ذا سنتري” بربط أي تخفيف للعقوبات على الأصول المجمدة بتحسين الحوكمة، ونشر تقارير التدقيق والعوائد، وإجراء تدقيق جنائي عند الحاجة. أما محلياً، فدعا تقرير منظمة الرقيب لحماية المستهلك إلى إصلاح مؤسسي ورقابة داخلية ورقمنة أوسع ودور أكبر للمجتمع المدني.
لا ينتهي الفساد بارتفاع نبرة الخطابات المناهضة له، ولا تثبت الإدانة بمجرد تداول الأرقام. ويبدأ إنهاء الإفلات من المساءلة عندما تستطيع المؤسسات إتاحة الوثائق، والتحقيق باستقلال، واسترداد المال العام، وتطبيق القانون على الجميع.
بقلم مازن بلال
المركزي الليبي يشكو أستاذ جامعي بتهمة إذاعة أخبار كاذبة
