22 سبتمبر 2026

تشكل موجة الاحتجاج الحالية في تونس ظاهرة ممتدة من تحركات متباعدة في توقيتها والجهات الداعية إليها، لكنها تلتقي عند تراجع الثقة بقدرة السلطة على معالجة الأوضاع المعيشية وفتح المجال السياسي.

برزت ملامح هذه الموجة في 25 يوليو، حين خرج آلاف إلى شارع الحبيب بورقيبة في الذكرى الخامسة للإجراءات التي منحت الرئيس قيس سعيد سلطات واسعة، وبعد أقل من شهر، عاد مئات إلى الشارع بدعوة من مبادرة “نفس”” قبل أن تتواصل التحركات خلال سبتمبر داخل أوساط صحفية وحزبية وحقوقية.

توضح المقارنة بين هذه المحطات طبيعة التصاعد الجاري، فلم ترتفع أعداد المشاركين بصورة منتظمة، لكن قائمة المطالب اتسعت من إطلاق المعارضين وحرية الإعلام إلى الماء والكهرباء والدواء وفرص العمل.

ومع انتقال الأزمات المعيشية إلى خطاب المعارضة، لم تعد الاحتجاجات مجرد اعتراض على مسار سياسي بدأ عام 2021؛ بل أصبحت أيضاً تعبيراً عن تراجع الخدمات وضيق اجتماعي تتعثر السياسات الاقتصادية على احتوائه.

اتساع المطالب لم يفرز حتى الآن مركزاً سياسياً قادراً على تنسيقها، ففي بنقردان وضمن ظروف والتهميش والبطالة، جاء الغضب بعد غرق مركب يقل مهاجرين تونسيين، أما الصحفيون فتحركوا بعد توقيف رئيس تحرير موقع “الكتيبة” محمد اليوسفي، بينما تحرك الحزب الدستوري الحر على قضية زعيمته عبير موسي، وخرجت قوى مدنية وحقوقية للمطالبة بالإفراج عن موقوفي “أسطول الصمود”.

تلتقي هذه التحركات في الاعتراض على أداء السلطة، لكنها تختلف في أولوياتها وقواعدها الاجتماعية وهدفها السياسي، فالشارع يعكس حتى الآن أزمات متجاورة أكثر مما يعكس حراكاً تقوده جبهة واحدة.


أرقام تتحسن وحياة لا تتغير بالسرعة نفسها

تمنح البيانات الاقتصادية السلطة مساحة للدفاع عن أدائها، حيث نما الاقتصاد بنسبة 2.3% وعلى أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026.

وفق المعهد الوطني للإحصاء بلغت البطالة 14.9%، غير أن المتوسط الوطني لا يصف تجربة شرائح واسعة، فالبطالة بين النساء بلغت 21.6%، ووصلت بين خريجي التعليم العالي إلى 26.6%، ثم ارتفعت بين الخريجات إلى 35.6%، بحسب بيانات سوق العمل.

هناك فجوة أخرى تظهر عند مقارنة التضخم العام، البالغ 5.4% في أغسطس، بارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 7.5%، فالأسرة التي تنفق معظم دخلها على الطعام والنقل لا تقرأ التحسن بالطريقة التي تعرضه بها المؤشرات الكلية، فبالنسبة إليها، المعيار هو ما يبقى من الراتب في نهاية الشهر، لا معدل النمو المسجل في تقرير رسمي.

جاءت أزمة الصيف وأرهقت الحرارة شبكة الكهرباء، وتبعتها أعطال في ضخ المياه وإنتاج المياه المعبأة، وتحول العطل الفني إلى قضية سياسية.

بعض المناطق في بنزرت والساحل الشمالي عاشت انقطاعات تجاوزت يوماً كاملاً، ما يظهر التفاوت بين المركز والأطراف بصورة مباشرة، فالخدمة الأضعف تقع غالباً في المناطق التي تملك قدرة أقل على إيصال مطالبها إلى دوائر القرار.


خمس سنوات من الحكم بلا وسطاء

منذ تجميد البرلمان في يوليو 2021 ثم حله، أعاد سعيد بناء النظام حول الرئاسة، وصدر دستور جديد، تقلص فيه دور البرلمان، واتسع استخدام المراسيم.

يصر الرئيس على أن المسار أنقذ الدولة من الفساد والشلل اللذين طبعا السنوات السابقة، أما خصومه فيرون أن تركيز السلطة ترافق مع إضعاف القضاء وإغلاق المجال السياسي.

أعيد انتخاب سعيد في أكتوبر 2024 بنسبة 90.69%، إلا أن المشاركة توقفت عند 28.8%، وفي سبتمبر 2026 أيدت محكمة التعقيب أحكاماً تصل إلى 45 عاماً بحق معارضين في قضية “التآمر على أمن الدولة”.

السلطة تقول إنها تطبق القانون ولا تحتجز أحداً بسبب رأيه، بينما يعتبر المتهمون ومحاموهم المحاكمات بانها سياسية ويعترضون على إجراءاتها.

الضغط وصل أيضاً إلى الإعلام، فهناك صحفيون أوقفوا أو حوكموا، واستخدم المرسوم 54 الخاص بالجرائم الإلكترونية ضد منتقدين، وتراجعت تونس إلى المرتبة 137 من أصل 180 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن مراسلون بلا حدود.

لا تثبت هذه الوقائع وحدها أن الشارع سيزداد اتساعاً، لكنها تقلص القنوات التي كان يمكن أن تستوعب الغضب قبل تحوله إلى احتجاج.

المعارضة متفقة على الرفض ومختلفة على البديل

قدمت مبادرة “نفس” محاولة جديدة لجمع أحزاب ومستقلين ونشطاء حول برنامج يتجاوز الدفاع عن المعتقلين إلى القضايا الاجتماعية.

تمكنت الحركة منذ مايو من تنظيم أكثر من تحرك، لكنها ما زالت أقرب إلى إطار احتجاجي في العاصمة منها إلى شبكة وطنية تستطيع العمل في المدن الداخلية والأحياء الشعبية.

كما لا يمكن تجاوز الانقسام القديم ببيان مشترك، فالحزب الدستوري الحر، الذي يطالب بإطلاق عبير موسي، يقف على مسافة سياسية بعيدة من حركة النهضة وقوى أخرى معارضة للرئيس، وتجربة الحكم بعد 2011 أضعفت ثقة قطاعات من التونسيين بالأحزاب وليس بالسلطة الحالية وحدها.

وفق هذه المعطيات يحتفظ الاتحاد العام التونسي للشغل بموقع مختلف، فلديه فروع وانتشار وخبرة في التعبئة لا تملكها الأحزاب، وأعلن مسؤولون فيه التحضير لإضراب عام، من دون تحديد موعد، فإذا نفذ الإضراب وخرج من حدود المطالب النقابية، فسيمنح الاحتجاجات مركزاً اجتماعياً لا حزبياً.

لكن الاتحاد نفسه يمر بخلافات داخلية، وعلاقته بالسلطة تتأرجح بين المواجهة والحذر، ولا يمكن اعتبار دخوله الواسع أمراً محسوماً.

ما الذي ينقل الاحتجاج إلى مرحلة أخرى؟

استمرار الغلاء والبطالة يوفر وقوداً للاعتراض، لكنه لا يصنع حركة سياسية تلقائياً، فالتحول يحتاج إلى صلة تنظيمية بين احتجاجات العاصمة وغضب المدن الداخلية، وإلى مطالب يمكن أن يلتقي حولها أشخاص لا يتفقون أيديولوجيا.

السيناريو الأقرب، في المدى القصير، هو بقاء التحركات متقطعة، وربما تخف أزمة الكهرباء والماء مع تراجع الحرارة، فتفقد بعض الاحتجاجات دافعها المباشر، أو تستفيد السلطة من انقسام خصومها ومن غياب تنظيم واسع خارج العاصمة.

لكن إعلان موعد فعلي للإضراب العام، أو وقوع أزمة خدمية كبيرة، أو تحول توقيف جديد إلى قضية رأي عام، يمكن أن يجمع مسارات ظلت منفصلة حتى الآن.

الحوار المطلوب ليس اجتماعاً شكلياً بين الأحزاب، ولا تسوية لتوزيع المواقع، فوظيفته إعادة قنوات التفاوض التي ضعفت منذ 2021.

تملك الرئاسة أدوات الدولة ولا تواجه حالياً قوة قادرة على فرض تغيير سريع، ولهذا لا ترى سبباً لتقديم تنازل سياسي، إلا أن الحكم من دون وسطاء يجعلها الطرف المسؤول مباشرة عن كل نقص في الدواء وكل انقطاع للخدمة وكل قضية سياسية، ومع الوقت، تتحول مركزية القرار من مصدر قوة إلى عبء على الشرعية.

الاحتجاجات التونسية لم تصبح حراكاً موحداً، وربما لا تصل إلى ذلك قريباً، لكنها تكشف أن الاستقرار القائم يعتمد على تفرق المعارضين أكثر مما يعتمد على حل أسباب الغضب.

تستطيع السلطة ضبط الشارع، وتستطيع المعارضة تنظيم مسيرات جديدة، لكن أيا منهما لا يملك وحده مخرجاً من الانسداد، وأصبح الحوار حاجة تتصل بقدرة الدولة على الحكم، لا مجرد مطلب ترفعه المعارضة.

بقلم: نضال الخضري 

تونس: ثلث النساء و40% من الرجال يعانون من السمنة

اقرأ المزيد