سجلت الانتخابات التشريعية الجزائرية في 2 يوليو 2026 أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات البرلمانية في البلاد، بعدما أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن التصويت بلغ 21.24% داخل الجزائر و10.75 % بين الناخبين في الخارج.
هذا الرقم سبق في أهميته توزيع المقاعد، لأن البرلمان الجديد ولد في لحظة عزوف واسع، جعل نتيجة الصناديق أقل قدرة على إغلاق النقاش السياسي حول علاقة المواطن بالمؤسسات.
حصلت جبهة التحرير الوطني على 90 مقعدا من أصل 407 مقاعد في المجلس الشعبي الوطني، وجاء التجمع الوطني الديمقراطي ثانيا بـ73 مقعدا، ثم جبهة المستقبل بـ59 مقعدا، وحركة مجتمع السلم بـ43 مقعدا، وحركة البناء الوطني بـ38 مقعدا.
تمنح هذه الأرقام الأحزاب القريبة من السلطة أكثرية عملية مريحة، لكنها لا تفسر وحدها معنى الانتخابات، فالقيمة السياسية الحقيقية تكمن في الفجوة بين أغلبية برلمانية واضحة وأغلبية اجتماعية اختارت عدم التصويت.
عزوف لا يشبه المقاطعة المنظمة
تقدم نسبة المشاركة مؤشرا على عزوف أوسع من المقاطعة الحزبية التقليدية، فالمقاطعة المنظمة تحتاج إلى خطاب وقيادة وشبكات تعبئة، أما ما ظهر في انتخابات يوليو فكان أقرب إلى انسحاب اجتماعي صامت.
قطاعات واسعة لم تتصرف كمعارضة انتخابية، بل كمجتمع لا يرى في الاقتراع وسيلة مؤثرة لتغيير موازين السلطة أو السياسات العامة.
هذا الفارق مهم في قراءة الحالة الجزائرية، فالناخب الذي يقاطع احتجاجا يبقى داخل السياسة من بوابة الرفض، بينما الذي يتوقف عن الاهتمام يخرج من السياسة الانتخابية نفسها.
هذا الخروج يفسر لماذا تحولت الحملة إلى حدث محدود الأثر، ولماذا بدت النتائج متوقعة قبل فتح الصناديق، فنسبة المشاركة لا تعكس فقط ضعف الحماس، بل انكماش معنى الانتخابات لدى جزء واسع من الجمهور.

هندسة اللامبالاة
أحد أسباب هذا العزوف يرتبط بطريقة إدارة المجال الانتخابي، فمنع مرشحين معروفين أو استبعاد أسماء محسوبة على تيارات غير موالية، تجرد الانتخابات من قدرتها على جذب الناخب المتردد أو الغاضب.
بعض مرشحي حركة مجتمع السلم وشخصيات مرتبطة بالحراك مُنعوا من الترشح، بينما قالت السلطة الانتخابية إن قرارات الاستبعاد استندت إلى صلات بشبكات مالية غير مشروعة أو أنشطة سياسية مشبوهة.
تحول الاستبعاد إلى رسالة سياسية قبل أن يكون إجراء قانوني، فالناخب غير الموالي يقرأ هذه الرسالة بان المنافسة مسموحة ضمن هامش مضبوط، والمرشح القادر على تحويل الحملة إلى معركة سياسية جدية يواجه احتمالا عاليا للإقصاء.
عند هذه النقطة تصبح الانتخابات أقل إثارة للاهتمام بالنسبة إليه، لأن المرشحين المؤثرين خارج المعارضين للسياسة الرسمية جرى تحييدهم أو تقليص حضورهم.

انتخابات بلا مخاطرة سياسية
تخدم هذه المعادلة هدفا واضحا للسلطة عبر خفض مستوى المخاطرة السياسية داخل الاقتراع.
المشاركة الواسعة تمنح الشرعية، لكنها تحمل احتمال المفاجأة، أما المحدودة فتضعف الصورة العامة، لكنها تجعل النتيجة أكثر قابلية للضبط، وهنا تظهر المفارقة المركزية في انتخابات 2026، فالسلطة تحتاج إلى الانتخابات لتجديد المؤسسات، لكنها لا تحتاج إلى انتخابات مفتوحة على تغير فعلي في ميزان القوى.
وفق هذه الآلية يصبح العزوف نتيجة قابلة للإدارة، فالقاعدة موالية أو منضبطة أو مرتبطة بمصالح محلية تستطيع إيصال الكتل المطلوبة، بينما يبقى الجمهور غير الموالي خارج العملية.
عمليا تم تفريغ الانتخابات من عنصر المنافسة الاجتماعية الواسعة وتحولت إلى آلية فرز داخل المجال المقبول سياسيا.

الاقتصاد اليومي يزاحم السياسة
العامل الاقتصادي حاضر أيضا في تفسير البرودة الانتخابية، حيث أشارت تقارير دولية إلى أن التصويت جرى وسط انشغال المواطنين بتكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب تضييق الحريات السياسية والإعلامية والنقابية.
هذه البيئة تجعل سؤال الخبز والأجور والخدمات أقرب إلى المواطن من سؤال تركيبة البرلمان، خصوصا عندما يعتقد الناخب أن البرلمان لا يملك أدوات حاسمة لتغيير هذه الملفات.
المشكلة ليست في غياب القضايا، بل في ضعف الثقة بأن الاقتراع يؤثر على هذه القضايا، فالأحزاب تحدثت عن الأجور والمعاشات والاستثمار والحريات، لكن الخطاب الانتخابي لم يتحول إلى تعاقد مقنع.
الناخب الذي يربط أزمة معيشته بقرارات السلطة التنفيذية لا يرى في نائب البرلمان وسيطا فعالا، ما يضعف الحافز الانتخابي حتى لدى من لا يتبنى موقفا معارضا واضحا.

أثر الحراك بعد انكسار التعبئة
تأتي الانتخابات في ظل ذاكرة سياسية لم تغادرها احتجاجات 2019 التي أسقطت الولاية الخامسة لعبد العزيز بوتفليقة ورفعت مطالب بدولة مدنية وحياة سياسية مفتوحة.
تراجع الحراك لاحقا بفعل الجائحة والضغط الأمني وتفكيك شبكاته، لكن آثاره بقيت في سلوك الناخبين، فجزء من الجمهور لم يعد يثق بالمسار الانتخابي، وآخر لم يجد قنوات قانونية منظمة لترجمة اعتراضه إلى تمثيل داخل المؤسسات.
سجلت الانتخابات أعلى مستوى امتناع في تاريخ الانتخابات البرلمانية الجزائرية، في سياق طبعته قرارات استبعاد طالت مرشحين غير مرغوب في حضورهم السياسي، إلى جانب اتساع الفجوة بين المجتمع وصناديق الاقتراع.
لا يعني ذلك أن كل ممتنع ينتمي إلى الحراك أو يتبنى موقف معارضة صريح، بل يشير إلى أن المساحة السياسية التي فتحها الحراك لم تجد امتدادا انتخابيا مقنعا داخل المؤسسات.

الطعون تكشف هشاشة الثقة بالصندوق
فتحت الطعون المقدمة إلى المحكمة الدستورية بابا إضافيا للتشكيك في نزاهة المسار الانتخابي، خصوصا بعد إعلان “حركة البناء الوطني” تقديم طعن رسمي يتحدث عن أصوات نسبت إلى ناخبين متوفين في ولاية بريكة، مع نية الطعن في نتائج عشر ولايات.
لا تتعلق المسألة هنا بمقعد إضافي أو بخسارة حزب بعينه، بل بصورة أوسع عن إدارة العملية الانتخابية، لأن الحديث عن أصوات موتى، وخروقات في مراكز تصويت، ومطالب بمطابقة قوائم التوقيعات، يضع الثقة التقنية بالصندوق فوق سؤال سياسي أكبر، فهل يشعر الناخب أن صوته محفوظ ومؤثر؟
قانونيا، ستحسم الطعون ضمن مهلة محددة أمام المحكمة الدستورية، التي تملك صلاحية مطابقة المحاضر وإعادة احتساب الأصوات وتصحيح النتائج عند ثبوت خروقات مؤثرة.
لكن الأثر السياسي للطعون يتجاوز القرار القضائي نفسه، فحتى لو لم تغير النتائج النهائية جذريا، فإنها تضيف سوية جديدة إلى أزمة الشرعية الانتخابية، فالانتخابات تقوم أصلا على مشاركة ضعيفة تصبح أكثر هشاشة عندما تترافق مع اتهامات تمس سلامة التصويت.

أغلبية مريحة ومعارضة محدودة
تبدو أهمية النتائج أنها أعادت تعريف وظيفة البرلمان أكثر مما غيرت تركيبته، فالمجلس المقبل لن يكون ساحة تنازع سياسي حقيقي بين مشاريع متقابلة، بل مؤسسة تشريعية منضبطة ضمن ميزان قوى محسوم مسبقا.
يمنح هذا السلطة هامشا واسعا لتمرير القوانين والخيارات الحكومية، لكنه يضعف قدرة البرلمان على إنتاج رقابة مؤثرة أو تحويل الغضب الاجتماعي إلى نقاش سياسي منظم داخل المؤسسات.
تراجع المستقلين إلى 32 مقعدا يعزز الاتجاه نفسه، فهم ظهروا في محطات سابقة كواجهة لتجديد شكلي داخل البرلمان، لكن نتائج 2026 أعادت الثقل إلى الأحزاب التقليدية والقريبة من السلطة.
هذا التراجع يشير إلى أن هندسة التمثيل عادت إلى صيغ أكثر وضوحا؛ أحزاب موالية قوية، ومعارضة محدودة، ومستقلون بلا كتلة حاسمة.

الشرعية الإجرائية والشرعية الاجتماعية
تستطيع السلطة القول إن الانتخابات جرت وفق رزنامة رسمية، وبإشراف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وبنتائج مؤقتة أحيلت إلى المحكمة الدستورية.
يمنح هذا المسار شرعية إجرائية وليس اجتماعية، والتي تحتاج إلى مشاركة واسعة وشعور عام بأن الصناديق قادرة على فتح بدائل.
الانتخابات الجزائرية في تموز 2026 أنتجت برلمان وفشلت في خلق اهتمام شعبي واسع بهذا البرلمان، فالسلطة حصلت على مؤسسة مطواعة، لكنها دفعت ثمنا في صورة البرلمان المقبل، فهو مجلس عاجز عن تقديم نفسه كتعبير قوي عن مجتمع شارك في اختياره.

تكشف النتائج أن العزوف تحول إلى الرسالة السياسية الأوضح في الاقتراع، فالمشكلة لم تعد في قدرة السلطة على إنتاج أغلبية برلمانية، بل في قدرتها على جعل هذه الأغلبية مقنعة خارج الإطار المؤسساتي الضيق.
كلما تراجعت الكتلة المشاركة، صار البرلمان أكثر انضباطا من الناحية العددية، وأقل قدرة على تمثيل المزاج الاجتماعي الواسع، فتبدأ الولاية التشريعية الجديدة وهي تحمل مفارقة ثقيلة؛ مؤسسة مكتملة دستوريا، لكنها محاطة بسؤال مفتوح حول معنى التمثيل حين يبقى معظم الناخبين خارج الصناديق.
بقلم: مازن بلال
انهيارات أرضية ومباني تثير القلق في الجزائر
