تصل فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة المغربية في لحظة تجمع بين اتساع التمثيل النسائي وتراجع الثقة بالمؤسسات المنتخبة.
جاء تعيينها في 29 سبتمبر 2026، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية، ليكسر احتكار الرجال للمنصب منذ الاستقلال، وتتصل الدلالة الأعمق لهذا الوصول بالعلاقة بين حضور النساء في قمة الحكومة وقدرتهن على صنع القرار.

التكليف الذي جرى بمقتضى الفصل 47 من الدستور يفتح أمام النساء موقعا غير مسبوق، بينما تظل قيمة التحول مرتبطة بكيفية ممارسة السلطة وحدود التأثير في توجهاتها.
المفارقة أن المغرب يقدم وجها جديدا لقيادة الحكومة، فيما يحتمل أن يحتفظ التحالف الحاكم بمكوناته السابقة، وستُختبر المنصوري في قدرتها على إحداث تغيير محسوس في السياسات، ضمن بنية حكم تجمع المسؤولية الانتخابية للحكومة والثقل الاستراتيجي للمؤسسة الملكية.
سابقة تتجاوز الصورة ولا تحسم المساواة
يحمل وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة أثرا سياسيا واجتماعيا؛ فهو يوسع تصور المناصب المتاحة للمغربيات، ويمنح الفتيات نموذجا لقيادة كانت تبدو بعيدة المنال.

تأتي الخطوة ضمن مسار شمل إصلاح مدونة الأسرة، وتمكين الأم المغربية من نقل جنسيتها إلى أبنائها عام 2007، وفتح خطة العدالة أمام النساء عام 2018، كما سبقتها مسؤوليات نسائية مؤثرة، منها حضور زليخة نصري في الديوان الملكي، وتولي زينب العدوي مسؤوليات في الإدارة الترابية ثم رئاسة المجلس الأعلى للحسابات، وقيادة أمينة بنخضرا المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن.
تشير هذه التجارب إلى تراكم مؤسساتي يفسر التعيين، مع بقاء مسافة بين وصول نساء إلى مواقع بارزة واتساع فرصهم عموما، وستكتسب السابقة عمقها عندما تصبح المشاركة النسائية جزءا مستقرا من آليات اختيار القيادات، بما يسمح باستمرارها بعد انتهاء ولاية المنصوري.
خبرة متراكمة ومسؤولية عن المرحلة السابقة
المنصوري ليست غريبة عن البيئة السياسية المغربية، فهي محامية ولدت في مراكش عام 1976، ودرست القانون في المغرب وفرنسا والولايات المتحدة.

بدأت ممارسة المحاماة عام 2005، وانضمت إلى حركة “لكل الديمقراطيين” عام 2007، ثم ساهمت في تأسيس الأصالة والمعاصرة عام 2008.
تولت عمودية مراكش بين 2009 و2015، وخسرتها أمام العدالة والتنمية، ثم عادت إليها عام 2021، وانتُخبت عضوا في مجلس النواب عام 2011، وأُعيد انتخابها عام 2016، بالتوازي مع صعودها داخل الحزب، وفي عام 2021، تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ثم أصبحت منسقة القيادة الجماعية للأصالة والمعاصرة عام 2024.
امتد نشاطها إلى العمل المدني، خصوصا في مجال الحفاظ على التراث، واختارتها مجلة “فوربس” عام 2014 ضمن أبرز النساء الشابات تأثيرا في إفريقيا، وأُدرجت في العام نفسه ضمن القادة الشباب العالميين.

تمنحها هذه المسيرة خبرة بالتفاوض والإدارة والعقار والاستثمار، لكنها تجعلها شريكة في المسؤولية عن حصيلة الحكومة السابقة، فملفات السكن وإعمار مناطق زلزال الحوز والتنمية القروية كانت ضمن مجال عملها، وسيُقاس برنامجها المقبل أيضا بما تعلمته من تلك التجربة وما تستطيع تغييره فيها.
أغلبية ممكنة واستقرار مشروط
حصل “الأصالة والمعاصرة” على 97 مقعدا، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 للاستقلال، بينما ارتفع تمثيل العدالة والتنمية إلى 54 مقعدا.
يحتاج الحزب المتصدر إلى شركاء لبلوغ عتبة الأغلبية، البالغة 198 مقعدا، ويمنح تجديد التحالف الثلاثي السابق المنصوري 228 مقعدا، وهي قاعدة مريحة حسابيا.

لكن الأغلبية العددية لا تضمن وحدة القرار، فتجديد التحالف يجعل التغيير مرهونا بقدرة شركائه على مراجعة أولوياتهم وتحمل الكلفة السياسية لقرارات مشتركة، ويمكن أن يؤمن الاتفاق على توزيع المناصب تشكيل الحكومة، فيما تظهر صعوبة الحفاظ على تماسكها عندما تمس القرارات مصالح أحد أطرافها.
في المقابل، يمنح انتقال حزب العدالة والتنمية إلى المعارضة فرصة لتحويل عودته البرلمانية إلى نفوذ سياسي، وسيتحدد وزنه بقدرته على ربط نقد الحكومة ببدائل واضحة، واستثمار إخفاقاتها في بناء ثقة تتجاوز حدود قاعدته الحزبية.
المشاركة الضعيفة وثقة الشباب
بلغت المشاركة في الانتخابات نحو 38%، وهي الأدنى منذ قرابة عقدين، وبالتأكيد لا يلغي ذلك المشروعية الدستورية للحكومة، لكنه يضعف الادعاء بامتلاك تفويض اجتماعي واسع، كما أن الامتناع عن التصويت لا يحمل معنى واحدا؛ حيث يعكس أحيانا احتجاجا أو لامبالاة أو شعورا بأن النتائج لن تغير الحياة اليومية.

تتضح أزمة الثقة في احتجاجات “جيل زد 212” المطالبة بتحسين الصحة والتعليم ومحاربة الرشوة، وفي ضغوط الهجرة التي أبرزتها أحداث سبتة، وتشير هذه الوقائع إلى فجوة بين تطلعات الشباب وقنوات التعبير المؤسسية.
يضع وعد المنصوري بفتح مساحة الأمل عبر حلول ملموسة معيارا يمكن محاسبتها عليه، فإشراك الشباب في التواصل والمناصب يفتح مجالا للمشاركة، لكن استعادة ثقتهم تتوقف على شعورهم بأن المؤسسات تستجيب لمطالبهم وأن مساءلة المسؤولين تفضي إلى نتائج، وحين يبدو الاحتجاج أكثر تأثيرا من التصويت، تصبح قدرة الحكومة على الاستجابة امتحانا لجدوى العمل السياسي نفسه.
الاقتصاد الاجتماعي ومفارقة المونديال
تواجه الحكومة تراجع القدرة الشرائية وضغوط الطبقة الوسطى، إلى جانب بطالة تبلغ نحو 13%، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
ووعد “الأصالة والمعاصرة” بتوفير مليون فرصة عمل خلال خمس سنوات، وتحقيق نمو سنوي قدره 5%، ويتطلب الوفاء بهذه الوعود توسيع الاستثمار المنتج والتشغيل المستدام، مع التعامل مع آثار التغيرات المناخية والتفاوتات المجالية.

تشمل التحديات أيضا استكمال الحماية الاجتماعية ومراجعة المؤشر المحدد للمستفيدين من الدعم، إذ تؤثر دقة الاستهداف في قدرة البرامج على الوصول إلى الفئات المحتاجة وفي ثقة المواطنين بعدالة توزيع الموارد.
وتضيف تحضيرات كأس العالم 2030، الذي سيستضيفه المغرب مع إسبانيا والبرتغال، ضغوطا إضافية، فالاستثمار في النقل والبنية التحتية يدعم النشاط الاقتصادي، لكن أثره الاجتماعي يتوقف على توزيع منافعه واستدامة الوظائف التي يولدها.
سيقارن المواطن بين سرعة إنجاز المنشآت وتحسن المدرسة والمستشفى، وبين الموارد المخصصة للمشروعات الكبرى والاحتياجات اليومية، وتتحول هذه المقارنة إلى مصدر توتر إذا تأخرت الخدمات الأساسية عن مواكبة الاستثمارات الكبرى.
القصر وهامش المبادرة
تأسس “الأصالة والمعاصرة” بمبادرة شارك فيها فؤاد عالي الهمة، الذي أصبح مستشارا للملك بعد مغادرته الحزب عام 2011.
تمنح هذه النشأة الحزب قربا من مركز القرار، وتسهل التنسيق وتقلل الاحتكاك، لكنها تجعل تقديم هوية حكومية مستقلة أكثر صعوبة.

تتحرك الحكومة في المغرب ضمن توزيع للسلطة يمنحها مسؤولية تنفيذ برنامجها وإدارة السياسات العمومية، فيما يحتفظ الملك بنفوذ واسع في توجيه الدولة، ويتداول المجلس الوزاري في توجهاتها الاستراتيجية، ويربط هذا الترتيب قدرة المنصوري على المبادرة بالصلاحيات الدستورية وبالتوازنات السياسية التي تحكم ممارستها.
ستعمل المنصوري داخل هذه الحدود، مع بقاء مجال للمبادرة في الخدمات والتنظيم والإنفاق والمحاسبة، والتحدي الأساسي في تحمل الحكومة مسؤولية نتائج السياسات أمام الناخبين، وأن تمتلك في الوقت نفسه القدرة على تعديل الخيارات التي تؤثر في تلك النتائج.
فتح وصول المنصوري بابا تاريخيا أمام النساء، أما الأثر السياسي للتجربة فسيتحدد بما تستطيع إنجازه من موقعها، وإذا انتهت الولاية دون تغيير ملموس، فتتسع لدى الشباب القناعة بأن تجديد القيادة لا يكفي لاستعادة الثقة بالحكم.
بقلم: مازن بلال
الكهرباء في ليبيا: أزمة البنية التحتية والحوكمة
