وضع وصول مصطفى المجدوب إلى طرابلس، صباح الجمعة 2 أكتوبر 2026، مشروعه لحكومة موحدة أمام اختبار النفوذ داخل العاصمة.
الرجل الذي اختاره مشاركون في اجتماع جنيف طالب الحكومتين والمجلس الرئاسي بتسليم الحكم، وأعلن تجميد مجلسي النواب والدولة، بينما ظلت قدرته على تحويل هذه المطالب إلى قرارات تنفذها المؤسسات غير واضحة.
كما تكشف المسافة بين طموحه وموازين القوة القائمة موقع مبادرته داخل السياسة الليبية، فتم اختياره من مشاركين في اجتماع جنيف لقيادة مشروع حكومة موحدة، ثم طالب الحكومتين والمجلس الرئاسي بتسليم الحكم، وأعلن تجميد مجلسي النواب والدولة.
المؤسسات لم تمتثل ولم يظهر ما يؤشر لانتقال إدارة حكومية إليه، فالمفارقة ما بين إعلانه والقدرة على التنفيذ هي المدخل لفهم موقع مبادرته داخل السياسة الليبية.
وفي المقابل فإن خطوته تستحق قراءة تتجاوز السخرية التي رافقتها، فهي تطرح سؤالا عن قابلية النظام القائم لاستيعاب مطالب التغيير، وعن قدرة شخص من خارج ترتيب السلطة الحالي على تحويل الاعتراض الشعبي إلى تفويض سياسي، والأصعب كيف يصل إلى الحكم من يطالب بإزاحة المؤسسات التي تمر عبرها إجراءات تشكيل حكومة بديلة؟
تفويض جنيف وحدود التمثيل
بدأ المشروع المعلن في 17 يوليو، عندما اختار ملتقى في جنيف المجدوب لقيادة سلطة مقترحة، وتحدث المنظمون عن لجنة تضم ستين شخصية موزعة بالتساوي على أقاليم ليبيا الثلاثة، وتمثل أحزابا ومجتمعا مدنيا ومكونات اجتماعية، في وقت نفت البعثة الأممية علاقتها بالاجتماع ومنظميه، فتفويض المجذوب بقي مستندا إلى المشاركين، دون رعاية أممية تمنحه موقعا داخل مسار التسوية المعترف به.

المساواة العددية بين الأقاليم التي ظهرت ضمن اللجنة التي قدمها اجتماع جنيف تحمل رسالة مفهومة في بلد حساس تجاه التهميش الجغرافي، لكنها تترك مسألة التمثيل مفتوحة، فاختيار عشرين شخصا عن إقليم لا يوضح كيف اختارهم سكانه، ولا مقدار نفوذهم داخله.
قيمة هذا الترتيب تتوقف على الجهات المشاركة وتفويضاتها، وعلى قدرتها على الالتزام بما أقره الاجتماع، وإلا يصبح التوازن الجغرافي حجة في خطاب المبادرة أكثر منه ضمانة سياسية لها.
بنية سلطة يصعب تجاوزها ببيان
تتحرك المبادرة بين حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية في طرابلس وحكومة أسامة حماد المكلفة من البرلمان في بنغازي، وتطالب في الوقت نفسه بإخراج مجلسي النواب والدولة من العمل.
وضعت المبادرة كما قدمها مصطفى المجدوب في مواجهة مع ترتيب السلطة بأكمله، وقلص فرص بنائها على موافقة أحد الأطراف.
عمليا فإن التفصيل الذي قدمه المجدوب في يوليو يوضح تصورا يستلهم من تجربة فائز السراج ما بين 2026 و 2021، حيث تجتمع رئاسة المجلس الرئاسي والحكومة بيد شخص واحد، فهو يسعى إلى إعادة تشكيل رأس السلطة التنفيذية، مع تجاوز المؤسسات القائمة التي تعترض شخصيات فيها على مصدر تفويضه.

وفي قراءة أولية تحتاج أي سلطة بديلة إلى وصل ثلاث أمور أساسية، تبدأ بقبول سياسي يسمح بانتقال الحكم، ثم إدارة تستجيب لتوجيهاتها، وأخيراً قوة أمنية تحمي هذا الانتقال، وظهور خلل في إحداها يترك الحكومة المعلنة عاجزة عن ممارسة وظائفها، لهذا سيكون اختبار المجدوب في سلوك المؤسسات تجاهه، وفي قدرته على بناء اتفاق يحد من تكلفة التخلي عن السلطة لدى أصحابها.
نجاح المجدوب يواجه انتزاع قبول المؤسسات بقيادته، والتوصل إلى تسوية تمنح القوى الحاكمة ضمانات تدفعها إلى تسليم السلطة.
من يؤيده، ومن يستطيع تمكينه؟
نقلت التغطيات تأييدا من تجمع يحمل اسم “ثوار وأعيان وحكماء وشباب مصراتة”، ومن “أبناء طرابلس”، كما أشاد سعد بن شرادة، عضو المجلس الأعلى للدولة، بجرأته على طرح مشروعه.
هذه المواقف تختلف في دلالتها، فبيان التجمع إعلان المساندة، وتصريح بن شرادة موقف فردي لا يلزم مجلس الدولة، ولا يكفي اسم مدينة في بيان لنسب موقف واحد إلى سكانها وقواها السياسية والعسكرية.

تكمن هشاشة هذا التأييد في أن رفض السلطة القائمة يجمع أطرافا تتباين مصالحها في شكل الحكم البديل، وعندما ينتقل المشروع إلى توزيع الصلاحيات والموارد، تصبح كل جهة مطالبة بقبول حدود لنفوذها، فتتضح قدرة المجدوب على بناء تحالف يلتزم بقواعد مشتركة، حتى حين تقيد مكاسب بعض داعميه.
ناصر عمار والسؤال العسكري
برز ناصر عمار في صور اجتماع جنيف، ثم في الترويج لقرارات المجدوب عند وصوله إلى طرابلس.
تمنح خلفية عمار وحضوره أهمية تتجاوز التأييد الإعلامي، فاسمه ارتبط بقوة الإسناد في عملية “بركان الغضب”، التي أطلقتها حكومة الوفاق عام 2019 لصد هجوم قوات حفتر على طرابلس.
للمجدوب نفسه خلفية عسكرية؛ فورد في تغطيات عام 2020 بصفته آمر اللواء الأول مشاة التابع لحكومة الوفاق، ولكن معرفة الوسط العسكري تختلف عن امتلاك قوة حالية قادرة على حماية مشروع سياسي.

عن هذه النقطة تبرز المفارقة في مبادرته، فيدعو إلى تسليم سلمي، ويعلن النفير العسكري، بينما نفى في يوليو وجود جهة عسكرية خلفه، ويبقى السؤال عن المخاطبين بالنفير وعن استجابتهم، فالقرار العسكري الذي لا يتضح تسلسل تنفيذه يكشف محدودية القيادة، حتى عندما تصاغ عباراته بلغة السلطة.
الدستور أولا: موعد سياسي ومشكلة تنفيذ
يعد المجدوب باستفتاء دستوري خلال تسعين يوما، ثم انتخابات خلال ثمانية أشهر من انتهائه، وهذا الترتيب يعطي لمشروعه جدولا زمنيا يستطيع أن يقدمه للجمهور، ويضعه في منافسة مع طول المراحل الانتقالية.
لكن قابلية الجدول للتنفيذ تتوقف على اتفاق يمنح الاستفتاء سندا قانونيا ويلزم الأطراف بقبول نتائجه، ودون هذه التوافقات يصبح الموعد المعلن أداة للضغط السياسي، فيما يبقى الخلاف على قواعد انتقال السلطة قادرا على تعطيل الاستحقاق.

عمليا سجل المسار الأممي اتفاقا في 30 أغسطس بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية وتعديل الإطار الانتخابي، وصولا إلى انتخابات خلال عامين، فالليبيون سيواجهون مفاضلة بين موعد قريب أدوات تنفيذه غامضة، ومسار أطول يتفاوض مع القوى القائمة ويخضع لتعقيدات اتفاقها.
ما وراء خطاب الإنقاذ؟
يستند المجدوب إلى ما يسميه “شرعية الإنقاذ الوطني”، ويربط مبادرته بتراجع الخدمات وشح السيولة والانقسام، ويقول إنه عرض مشروعه على أطراف خارجية، نافيا صدوره عن دولة أجنبية.
سياسيا، يتيح خطاب الإنقاذ جمع مظالم مختلفة تحت مطلب تغيير السلطة، لكنه لا يجيب وحده عن إدارة الإنفاق، واستمرار الرواتب والخدمات، وضبط التعيينات، فالاحتجاج على سوء الإدارة يحتاج إلى برنامج يوضح من سيدير، وبأي صلاحية، وتحت أي رقابة.

وزن مبادرة المجدوب يمكن أن يظهر خلال المرحلة المقبلة بوقائع قابلة للفحص، وعبر نشر تفويضات اجتماع جنيف وتمويله، وتسمية فريق تنفيذي، كشف التزامات داعميه، وإظهار استجابة مؤسسية لقراراته.
المجدوب وصل إلى العاصمة؛ لكن استلام مؤسسات الحكم فتبقى مهمة تتجاوز أي استعراض إعلامي.
بقلم: مازن بلال
قمة ثلاثية جديدة بين الجزائر وتونس وليبيا في بداية 2025
