02 فبراير 2026

ليست السياسة الأمريكية الراهنة في ليبيا جديدة بالمعنى التحليلي للكلمة، مهما حاول الخطاب الدبلوماسي تسويقها كتحول نوعي أو مقاربة مبتكرة، الجديد الوحيد هو درجة الصراحة التي باتت تدار بها المعادلة من النفط إلى الاستقرار الوظيفي، أما الحل السياسي الشامل فمؤجل إلى أجل غير مسمى.

منذ أن دخلت فيها ليبيا دائرة الاهتمام الأمريكي مطلع القرن التاسع عشر، ظل العامل المالي هو المحرك الأعمق لسلوك واشنطن، فمن هزيمة الولايات المتحدة أمام إيالة طرابلس عام 1805؛ في ختام الحرب البربرية الأولى، والتي أفضت إلى توقيع معاهدة اضطرت بموجبها واشنطن لدفع 60 ألف دولار ذهباً لفك أسر طاقم “فيلادلفيا”، والانسحاب من درنة، والاستمرار بدفع جزية سنوية لحماية سفنها، وصولاً لانخراطها المعاصر في إعادة ترتيب المشهد الليبي، خيط ناظم واحد يظهر في حماية المصالح الاقتصادية الأميركية مهما تغيرت الشعارات.

تعود اليوم هذه الحقيقة إلى الواجهة بوضوح أكبر، مدعومة بتراكم وقائع سياسية واقتصادية وأمنية، وتكشف وثائق أمريكية رسمية تتعلق بملف “جيفري إبستين” كيف نظر إلى ليبيا منذ 2011 بوصفها “فرصة مالية كبرى” لا دولة منكوبة تحتاج إلى مسار سيادي للإنقاذ.

النفط كمرتكز للانخراط الأمريكي

عملياً يتضح أن الانخراط الأمريكي في ليبيا محكوم بمنطق إدارة المصالح لا هندسة الحلول، فواشنطن لا تبدو معنية بإعادة تشكيل المشهد السياسي أو الدفع نحو تسوية شاملة بقدر ما تركز على ضمان حد أدنى من الاستقرار في قطاع النفط، يمنع تحوله إلى ورقة ابتزاز أو صراع يهدد التدفقات والأسعار في سوق عالمي شديد الحساسية.

وتبدو تصريحات رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار والمترشح لرئاسة الحكومة الجديدة، سلامة الغويل، لصحيفة “الشرق” السعودية تأكيداً لهذا الاتجاه، حين أشار إلى أن الحضور الأمريكي الأخير ينطلق أساساً من زاوية حماية المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة وأمن الإمدادات، وهو توصيف ينسجم مع السلوك الأمريكي الميداني، ويكشف التباعد بين خطاب “توحيد المؤسسات” والرهانات الفعلية على الأرض.



يفسر هذا المنطق سبب الحضور الأمريكي المتوازي في كل من طرابلس وبنغازي، ويشرح في الوقت نفسه تفضيل واشنطن لسياسة “إدارة التوازنات” بدل السعي إلى كسر الانقسام القائم، فالولايات المتحدة المثقلة بملفات دولية أكثر إلحاحاً من أوكرانيا إلى شرق آسيا، لا تنظر إلى ليبيا باعتبارها ساحة تستدعي استثماراً سياسياً كبيراً لفرض تسوية شاملة ومكلفة، وعليه تنحصر مقاربتها في ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق إلى انفجار واسع، أي احتواء المخاطر ضمن حدود يمكن التحكم بها، لا معالجة أسباب الأزمة من جذورها.

“بولس” وخطة الدمج المرفوضة

ضمن هذا الإطار، جاءت تحركات مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مسعد بولس، التي قُدمت إعلامياً كمسعى لتوحيد الحكومتين، غير أن رد الفعل الليبي الداخلي، وخصوصاً من مجلس النواب، كشف سريعاً حدود هذه المبادرة، فأعلن عضو المجلس عبد المنعم العرفي صراحة رفض خطة بولس لدمج الحكومتين برئاسة عبد الحميد الدبيبة، معتبراً أن الحكومة “سحبت منها الولاية”، وأن أي تعاط دولي مع الطرح الأمريكي “يسير وفق أفق كل طرف ومصالحه الخاصة”.

الأهم في كلام العرفي ليس الرفض بحد ذاته، بل تشخيصه لتأثير التحركات الأمريكية على “ترتيب التوازنات الداخلية والإقليمية”، فواشنطن لا تسعى إلى إنهاء الانقسام، بل إلى إعادة توزيعه بما يخدم اتفاقيات طويلة الأجل، خصوصاً في القطاع النفطي، حيث عادت شركات أمريكية إلى الاستكشاف والاستخراج، ووقعت عقوداً تقيد أي مسار سياسي لاحق بقيود اقتصادية صلبة.

وثائق إبستين: ليبيا كغنيمة ما بعد الحرب

يكتسب هذا التحليل عمقاً إضافياً مع نشر وزارة العدل الأمريكية وثائق جديدة عن مراسلات إبستين عام 2011، حيث تكشف مخططات للاستيلاء على أصول ليبية مجمدة تحت ذريعة “إعادة الإعمار”، وبالتعاون مع عناصر سابقة من جهاز الاستخبارات البريطاني “MI6″ و”الموساد” الإسرائيلي، ولم تكن ليبيا في تلك المراسلات دولة خارجة من حرب أهلية، بل “فرصة” لاسترداد عشرات المليارات، وفتح باب إنفاق مستقبلي يتجاوز 100 مليار دولار.

لا تمثل هذه الوثائق انحرافاً فردياً خاصاً بـ” إبستين”، بل تكشف عن ذهنية أوسع ترى في الفوضى السياسية مدخلاً مشروعاً لإعادة توزيع الثروة بالقوة الناعمة والقانونية، فيصبح التوازي بين الانخراط الدبلوماسي الأمريكي اليوم، وملفات إبستين بالأمس، توازياً بنيوياً لا صدفة تاريخية.

لقاءات باريس… وتكريس منطق الصفقات

من جهة أخرى، عكس اللقاء السري الذي استضافته باريس برعاية أمريكية – فرنسية، وجمع وفدين ليبيين متعارضين، طبيعة المقاربة الدولية السائدة أكثر مما مثل محاولة جدية لكسر الجمود، فالمعطيات التي تسربت عن مخرجاته تشير إلى أن منطق “الصفقة” كان حاضرا ًبقوة على حساب منطق الحل السياسي الشامل؛ فانصبت النقاشات على تقاسم المناصب السيادية، ومعادلة الثلثين والثلث، والتحكم في المصرف المركزي وقطاع النفط، بدل التأسيس لعقد اجتماعي جديد أو رسم مسار انتخابي واضح يعيد إنتاج الشرعية على أسس وطنية.

هذا النمط يعيد إنتاج ما حذر منه محللون ليبيون، مثل حسام الفنيش، الذي اعتبر أن “أي استقرار سياسي في ليبيا لن يتحقق إلا بالسيطرة الأمريكية على النفط”؛ ليس بوصفها استعماراً تقليدياً، بل كأداة لإعادة ترتيب الصراع وتحويله من فوضى مفتوحة إلى “استقرار وظيفي” يخدم المصالح الأمريكية وحلفاءها.

من حل الأزمة إلى إدارتها

يعكس السلوك الأمريكي في ليبيا انتقالاً واضحاً من البحث عن حل سياسي شامل إلى مقاربة أكثر براغماتية تركز على ضبط المشهد ومنع خروجه عن السيطرة، وفي ظل هذه المقاربة تتراجع أولوية الانتخابات والديمقراطية لصالح اعتبارات النفط والاقتصاد والصفقات، مع الحفاظ على الإنتاج مستقرا، والخصوم تحت المراقبة، وتوازنات القوى قابلة للإدارة.

ويندرج ضمن نفس هذا المفهوم تصريحات المحلل السياسي خالد محمد الحجازي التي أشار فيها إلى أن واشنطن لم تعد معنية بإنهاء الانقسام بقدر سعيها إلى احتواء الفوضى، وهو توصيف يضيء الخلفية التحليلية لهذا التوجه أكثر مما يؤسسه، ويشرح لماذا لا ترى الولايات المتحدة بأساً في استمرار التعطيل السياسي لسنوات إضافية.

حتى التغييرات الأخيرة داخل وزارة الخارجية الأمريكية، واستدعاء عشرات الدبلوماسيين، قٌرأت في ليبيا كمؤشر على تعزيز أدوات البراغماتية المؤسسية، وتقديم الرافعتين الأمنية والمالية على الدبلوماسية التقليدية، خصوصاً في “الملفات الرمادية” كالحالة الليبية.

خلاصة: سياسة قديمة بواجهة جديدة

تكشف السياسة الأمريكية “الجديدة” في ليبيا عن استمرار نهج قديم عبر تغليب المصالح المالية والطاقة على أي مشروع سيادي لبناء الدولة، وهي سياسة لا تبحث عن حل، بل عن إدارة طويلة الأمد للأزمة، تضمن تدفق النفط، وتمنع الانفجار، وتبقي جميع الأطراف في حالة اعتماد متبادل على المظلة الأمريكية.

أما ليبيا فتبقى ساحة مصالح لا دولة مواطنين، وملفاً اقتصادياً وأمنياً لا قضية سياسية عادلة، وبينما يعاد تدوير الوجوه والمبادرات، يظل السؤال الجوهري بلا إجابة، فمتى تتحول ليبيا من “فرصة” في دفاتر الشركات والوسطاء، إلى دولة ذات سيادة في حسابات القوى الكبرى؟

بقلم: نضال الخضري

 

ليبيا.. بلقاسم حفتر يوقع عقود تنمية مع شركات مصرية (صور)

اقرأ المزيد