26 سبتمبر 2026

الخرطوم والرياض تستعدان لإعادة بحث ملف ترسيم حدودهما البحرية، ومناقشة تعديلات على مشروع الاتفاق النهائي، بعد أكثر من خمسة عقود على توقيع اتفاق لتنظيم استغلال الموارد المشتركة في قاع البحر الأحمر.

ويعود أساس الملف إلى الاتفاق الموقع بين السودان والسعودية في 16 مايو 1974، والذي لم يكن اتفاقاً نهائياً لترسيم الحدود البحرية بالمعنى المتعارف عليه، وإنما وضع إطاراً لاستغلال الموارد الطبيعية في قاع البحر الأحمر وتحت قاعه.

وقسم اتفاق 1974 المنطقة البحرية إلى نطاقات مرتبطة بخط عمق يبلغ 1000 متر، مع إقرار كل طرف بالحقوق السيادية الحصرية للطرف الآخر في المنطقة المقابلة لساحله، فيما اعتُبرت المنطقة الواقعة بين النطاقين “منطقة مشتركة” يتمتع البلدان فيها بحقوق سيادية متساوية.

كما نص الاتفاق على إنشاء لجنة مشتركة تتولى مسح وترسيم حدود المنطقة المشتركة، ودراسة إمكانات استكشاف مواردها واستغلالها، إلى جانب النظر في طلبات التراخيص والامتيازات المتعلقة بالأنشطة الاقتصادية في المنطقة.

وتشير قاعدة بيانات السعودية الخاصة باتفاقيات ترسيم الحدود إلى أن اتفاق 1974 يتعلق بالاستغلال المشترك للموارد ضمن نطاق عمق 1000 متر، بينما لم يتوصل البلدان إلى اتفاق بشأن الحدود الكاملة للمنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما.

وفي مارس 2017، أصدر السودان المرسوم الجمهوري رقم 148 المتعلق بخطوط الأساس التي تُقاس منها مناطقه البحرية، وأودع الإحداثيات لدى الأمم المتحدة.

وتظهر وثائق الأمم المتحدة أن السودان يمتلك تشريعات تنظم المياه الإقليمية والجرف القاري، في حين لا تسجل صفحة البلاد لدى قسم شؤون المحيطات وقانون البحار التابع للأمم المتحدة اتفاقيات منشورة بشأن ترسيم الحدود البحرية مع دول أخرى.

وأثارت الإحداثيات التي أودعها السودان عام 2017 خلافاً مع مصر بشأن مناطق في شمال البحر الأحمر، في سياق الخلافات القائمة بين البلدين حول الحدود والمناطق البحرية المرتبطة بها.

وفي 20 سبتمبر 2025، عقدت لجنة ترسيم الحدود البحرية بين السودان والسعودية اجتماعاً برئاسة الفريق مهندس الأمين محمد بنقة، وناقشت خلاله تعديلات على الصيغة النهائية لمشروع الاتفاق، إلى جانب ملفات مرتبطة بخطوط الأساس وقاعدة البيانات البحرية.

كما تضمنت المناقشات تكليفات تتعلق بالتنسيق مع الجانب المصري بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالحدود البرية والبحرية.

ورغم هذه الاجتماعات والتحركات الفنية، لم يبرم السودان والسعودية حتى الآن اتفاقاً نهائياً جديداً لترسيم الحدود البحرية، إذ تقتصر المعطيات المتاحة على أعمال اللجان والاجتماعات والمشروعات المقترحة والتحركات الفنية ذات الصلة بالملف.

ويأتي تحريك ملف الحدود البحرية مجدداً في ظل تطورات إقليمية متسارعة في البحر الأحمر، وتصاعد المخاوف خلال سبتمبر 2026 بشأن سلامة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى الدور المتزايد لمدينة بورتسودان بوصفها مركزاً رئيسياً للإدارة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

ويثير الوضع السياسي الانتقالي في السودان، إلى جانب غياب مؤسسة تشريعية منتخبة، تساؤلات بشأن الجهة التي تملك الصلاحيات الدستورية والقانونية اللازمة للتفاوض على أي اتفاق حدودي جديد وتوقيعه والتصديق عليه، وهي مسألة قد تكون ذات أهمية في حال انتقال الملف إلى مرحلة الاتفاق النهائي.

ويرتبط ملف الحدود البحرية أيضاً بالخلاف السوداني المصري حول الحدود في منطقة البحر الأحمر، إذ أعلن السودان عام 2017 رفضه الاعتراف بالإحداثيات التي أودعتها مصر، في سياق النزاع القائم بشأن مثلث حلايب والمناطق البحرية المرتبطة به.

وبذلك، يعود ملف ترسيم الحدود البحرية بين السودان والسعودية إلى واجهة الاهتمام بعد أكثر من خمسين عاماً على اتفاق 1974، وسط مساعٍ فنية لإعادة صياغة الاتفاق النهائي، وتداخل الملف مع قضايا إقليمية أخرى تتعلق بالحدود والملاحة والموارد في البحر الأحمر.

جنوب السودان.. أزمة النفط مازالت مستمرة

اقرأ المزيد