20 يوليو 2024

ترى الولايات المتحدة الهجرة غير الشرعية في مسألة التحكم ببؤر التوتر التي تعتبر نقطة انطلاق المهاجرين، والانتقادات التي توجهها لأوروبا حول معالجة هذه القضية تبدأ وتنتهي ضمن البعد الأمني.

عندما ترى الولايات المتحدة أن السياسات الأوروبية لمكافحة الهجرة غير الشرعية لم تعد فعالة وتعزز نشاط الجريمة، فهي تحاول في نفس الوقت رؤية ما تخلفه تلك السياسات من تداعيات ضمن دول الشمال الإفريقي.

والتعامل مع حركة الهجرة لا تظهر إلى العلن إلا في مراحلها الأخيرة عندما يتم إنقاذ مهاجرين في البحر أو انتشال جثث غرقت خلال محاولات الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، لكن خيوط الهجرة تكشف شبكة واسعة ومصالح مختلفة في دول عبور اللاجئين، أو حتى من الدول التي انطلقوا منها.

ما يهم الولايات المتحدة هو طبيعة الارتباط بين هذه الشبكات والقوى التي تظهر على طول خطوط الهجرة، والانتقادات التي توجهها للسياسات الأوروبية تنطلق أساساً من انعكاس الإجراءات الأوروبية على مسألتين:

  • الأولى هي المجموعات التي يتم التعامل معها على الأراضي الإفريقية لكبح جماح ظاهرة الهجرة، فعلى الأغلب تشكل هذه المجموعات فصائل مسلحة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر مع الذين ينظمون حركة المهاجرين.
  • المسألة الثانية هي انتقال الهجرة من طرقها التقليدية عبر البحر المتوسط لتسلك مسارات جديدة تتجه إلى الولايات المتحدة عبر دول أمريكا الوسطى.


وتشكل المسألتان السابقتان نقطة الارتكاز في التعامل مع “أزمة الهجرة” وذلك بعيداً عن المظاهر الإنسانية أو حتى الأبعاد العميقة لها والتي تتمحور حول الحروب أو التعثر السياسي للدول.

وتتحدث التقارير الأمريكية، وقبيل الانتخابات الأمريكية التي تشكل الهجرة أحد نقاط المنافسة فيها، عن ظواهر بدأت في انتقال المهاجرين من الشمال الإفريقي إلى دول أمريكا الوسطى التي يتساهل بعضها في مسألة التأشيرات للوافدين.

السياسات الأوروبية والنموذج الليبي:

يستعين الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير الشرعية بدول تشهد توترات سياسية وذلك لمراقبة الحدود، فهو تعامل مع ليبيا على وجه الخصوص كونها دولة مفصلية في حركة المهاجرين، وهذه الإجراءات الأوروبية ممولة من الصندوق الائتماني للطوارئ التابع للاتحاد الأوروبي، حيث تم تخصيص 800 مليون يورو حسب بعض التقارير لوزارة الداخلية الليبية ومديرية مكافحة الهجرة غير الشرعية، التي تنظم مراكز احتجاز رسمية وغير رسمية تديرها في كثير من الأحيان المجموعات المسلحة الليبية.

عملياً فإن أن هذه المراكز أصبحت معسكرات جماعية لا تخضع للأنظمة الخاصة بليبيا، فإضافة للبعد الإنساني، والظروف الصعبة والمعاملة السيئة التي يخضع لها المهاجر، من العمل القسري والتعذيب والابتزاز، فإنها تشكل في نفس الوقت مصدراً لتمويل المجموعات المسلحة، سواء بشكل رسمي أو عبر ارتباطها بشبكات الاتجار بالبشر، ورغم التمويل الضخم لكن هذه المعسكرات وغيرها من عمليات مراقبة الحدود فشلت في الحد من تدفق المهاجرين إلى أوروبا، حيث ارتفعت أعداد الوفيات في البحر المتوسط نتيجة لهذه المحاولات الخطيرة للوصول إلى الأراضي الأوروبية.

ويوضح الرسم البياني أن حركة المهاجرين استمرت بالازدياد منذ جائحة كوفيد في عام 2020، فالصندوق الائتماني للطوارئ التابع للاتحاد الأوروبي الذي تأسس عام 2015 يقدم فرصا تنموية لكنها مرتبطة بإعادة رسم مشاكل الهجرة بشكل مختلف، والحالة التنموية المفترضة خاضعة عملياً لقوى الأمر الواقع الموجودة في الدول التي ينشطها الصندوق، مثل مناطق الساحل وبحيرة تشاد، القرن الإفريقي، وشمال إفريقيا.

الولايات المتحدة وأزمة هجرة متجددة:

الاهتمام الأمريكي بموضوع الهجرة ينصب جنوباً على حدودها مع المكسيك، وكان محوراً لسياسات الرئيس دونالد ترامب، وهي تبدو اليوم أكثر تعقيداً حيث تجاوز عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين عبروا الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك بشكل غير قانوني 1.1 مليون شخص بين أبريل 2022 ومارس 2023، مقارنة بأقل من 300,000 شخص في السنوات السابقة.

ويوضح الجدول السابق أن الهجرة يصعب التعامل معها عبر سياسات أحادية، فقوانين الهجرة الأمريكية شهدت تغيرات منذ عام 1924، عند تمرير قانون الهجرة الذي قيد أعداد وأنواع الأشخاص الذين يمكنهم دخول الولايات المتحدة والبقاء فيها بشكل قانوني.

وفي الستينيات تم إصلاح قوانين الهجرة مرة أخرى، ما أدى إلى موجات من الهجرة من آسيا لتلبية احتياجات الوظائف الشاغرة في الولايات المتحدة، لكن كافة أشكال الهجرة السابقة لم تكن مرتبطة بشبكات متعلقة بالإتجار بالبشر، ويبدو أن الاتجاهات الحالية تتحول نحو مسارات جديدة، مستغلة الفوضى السائدة في مناطق مثل ليبيا، حيث أصبحت الولايات المتحدة وجهة جديدة لهؤلاء المهاجرين، وتم رصد رحلات جوية تنقل مهاجرين من بنغازي إلى ماناغوا في نيكاراغوا، ومن ثم إلى الولايات المتحدة عبر الحدود الجنوبية.

الوصف العدد التفاصيل
عدد الركاب في رحلة إلى نيكاراغوا 367 راكب هندي رحلة شركة غدامس في 18 مايو
عدد الركاب في رحلة ثانية إلى نيكاراغوا 298 هندي رحلة شركة غدامس في 23 مايو
عدد المهاجرين في ليبيا 704,000 بيانات من 100 بلدية ليبية حتى منتصف 2023
جثث المهاجرين المكتشفة 65 جثث عثر عليها في مقبرة جماعية جنوب غربي ليبيا
عدد الرحلات من دول متعددة إلى نيكاراغوا 1145 منذ مايو 2023 حسب مركز حوار الدول الأميركية
عدد الركاب الهنود في طائرة محتجزة أكثر من 300 طائرة ليجند إيرلاينز الرومانية في مطار باريس في ديسمبر الماضي

ويقدم الجدول السابق بعض التفاصيل التي تداولها الإعلام الأمريكي حول عمليات نقل المهاجرين، فالشبكات التي تتعامل مع هذا الموضوع أصبحت عابرة للحدود، وتعمل بالتواطؤ مع بعض الدول، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من الصعب مكافحة هذه الظاهرة بشكل فعال دون البحث عن علاقات دولية متكافئة ولا تخلف بؤر توتر وأزمات.

وفي ليبيا كمثال واضح أعلن باراك أوباما في 28 مارس2011، أن الولايات المتحدة ستدعو إلى تحالف دولي لحماية المدنيين من أمن قوات معمر القذافي، وبعد سقوط معمر القذافي، تفتت الدولة إلى أشلاء، ودار الصراع بين القبائل والميليشيات المتنافسة على السلطة، ما أدى بدوره إلى نزوح جماعي للمدنيين ممن زعمت الولايات المتحدة القيام بحمايتهم.

وتشهد الولايات المتحدة تحديات كبيرة فيما يتعلق بالهجرة غير الشرعية، حيث أصبحت وجهة رئيسية لمئات المهاجرين الذين يسلكون طرقا غير تقليدية للوصول إليها، وهذه الأزمة، التي تأتي في وقت حساس قبيل الانتخابات الرئاسية، تضع ضغطا هائلًا على الحكومة الأمريكية لاتخاذ إجراءات حاسمة، وهو ما جعلها تصدر عقوبات ضد شركات الطيران التي تسهل نقل المهاجرين عبر الرحلات المستأجرة، في محاولة للحد من هذه الظاهرة.

من المهم الاعتراف بأن أزمة الهجرة تحدٍ عالمي يتطلب تعاوناً دولياً، والحد من السياسات التي تخلق أزمات في دول العالم وتجعل من الهجرة غير الشرعية ظاهرة مستمرة يتطلب سياسات شاملة، تعالج الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية، مثل الفقر والنزاعات المسلحة، وباستراتيجية تجعل الدول المصدرة والمستقبلة للمهاجرين تتعاون بشكل أوثق وعبر مؤسسات لا تتأثر بالسياسات الغربية التي غالبا ما تكون مسؤولة عن خلق التوترات.

بقلم نضال الخضري

ليبيا.. إعادة فتح حقل الشرارة النفطي

اقرأ المزيد