22 يناير 2026

يبدو مشروع توسعة المنطقة الحرة في مصراتة كإعلان لليبيا جديدة: بلد مستقر، مفتوح للاستثمار، يسعى لتجاوز عقد من الانقسام عبر الاقتصاد، لكن خلف العناوين البراقة، تختلط الجغرافيا بالسياسة، والمصالح التجارية بالتحايل القانوني، والوعود التنموية بشبهات الفساد.

الاتفاق الموقع مؤخرا بين حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية وشركات قطرية وإيطالية وسويسرية، باستثمارات تبلغ 2.7  مليار دولار، يشكل خطوة ضخمة من حيث الحجم والمضمون، لكن التدقيق في تفاصيله يكشف أن المسألة تتجاوز “مشروع ميناء” لتلامس جوهر الصراع الليبي بين السلطة والشرعية، والطموح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، والقانون والمصالح الخاصة.

مصراتة: القلب التجاري الذي يريد أن يصبح شريان إفريقيا

منذ عقدين، تحولت مصراتة من مدينة ساحلية إلى مركز اقتصادي لا ينازعها فيه أحد داخل ليبيا. تستحوذ على أكثر من 60% من حجم التجارة غير النفطية، وتضم أكبر ميناء تجاري في البلاد، بطاقة تتجاوز 4 ملايين حاوية سنويا، كما تعد مقرا للشركة الليبية للحديد والصلب، وأكبر تجمع مصرفي ولوجستي بعد طرابلس.

بهذه المقاييس، تبدو مصراتة نموذجا للاقتصاد الذي تريد حكومة الدبيبة تقديمه للعالم؛ اقتصاد ما بعد النفط، القائم على الممرات التجارية، والتكامل الإقليمي، والشراكات الأجنبية، حيث أعلن وكيل وزارة الاقتصاد نوري القطاطي عن “خطة إستراتيجية لربط المنطقة الحرة بمصراتة بمنطقة أغاديس في النيجر”، عبر محور بري يمتد عبر الجنوب الليبي، بما يحول المدينة إلى بوابة تجارية للقارة الإفريقية.

الفكرة جذابة بلا شك، حيث تصبح ليبيا ممر تجاري بين أوروبا وإفريقيا، فموقعها المتوسط ومواردها وسواحلها الطويلة يؤهلانها لذلك، لكن كما في أغلب المشاريع الكبرى في ليبيا، فإن المشكلة ليست في الفكرة، بل في الأرض التي تقام عليها، ومن المستفيد منها، وبأي ثمن.

تاورغاء: الجرح المفتوح الذي أعيد فتحه

حين أصر عبد الحميد الدبيبة على ضم تاورغاء إلى مصراتة إداريا قبل عام، بدا القرار غريبا، بل مستفزا سياسيا واجتماعيا، فتاورغاء ليست مجرد منطقة خالية من السكان، بل رمز لواحدة من أكثر المآسي الليبية إيلاما المتمثل بتهجير سكانها عام 2011، وبقاؤهم في مخيمات لسنوات، وسط صمت رسمي.

محكمة ليبية أصدرت حكما واضحا ببطلان إنشاء منطقة حرة على أراضي تاورغاء، باعتبارها أراضي متنازعا عليها ملكا وحقوقا، ومع ذلك، مضى المشروع قدما، تحت مسميات جديدة وتعديلات شكلية، فالنائب جاب الله الشيباني وصف الخطوة بأنها “تحايل فاضح على القضاء”، محذرا من أن أي نشاط اقتصادي على تلك الأرض “يعد جريمة قانونية تهدد الاستقرار المحلي”.

لم يكن من الصعب ربط القرار بمشروع التوسعة الجديد، فالمخططات الفنية للميناء والمنطقة الحرة تظهر تمددا شرقا نحو الأراضي التي كانت جزءا من تاورغاء سابقا، فبات ما كان نزاعا حقوقيا بين بلدتين يتحول إلى ملف استثمار دولي، حيث الأرض محل النزاع أصبحت موضع تمويل قطري وإشراف إيطالي.

بين الخطط الاستثمارية والصفقات السياسية

من الناحية الاقتصادية، لا يمكن إنكار أن المشروع يبدو ضخما:

  • استثمارات مباشرة بقيمة 2.7  مليار دولار.
  • إيرادات تشغيلية متوقعة تصل إلى 500  مليون دولار سنويا.
  • أكثر من 8,400  وظيفة مباشرة، وقرابة 60 ألف وظيفة غير مباشرة.

الأرقام وحدها كفيلة بإبهار الرأي العام، غير أن مجلس النواب لم ير في المشروع سوى محاولة أخرى من الدبيبة لتثبيت نفوذه عبر الاقتصاد، فلجنتا الطاقة والشؤون الخارجية في المجلس أصدرتا بيانا حادا وصفتا فيه الاتفاقات بأنها “تمس الموارد السيادية للدولة”، وتخالف القوانين المنظمة لإدارة الثروات الوطنية.

هذا الاعتراض السياسي لم يكن منفصلا عن الجانب الفني؛ فالاتفاقية نفسها تعتمد على ما يعرف بالـFDI (الاستثمار الأجنبي المباشر)، وهي صيغة مشجعة نظريا لأنها تجنب الدولة الأعباء المالية، لكن غياب الشفافية حول نسب الملكية، وفترات التشغيل، والضمانات القانونية يجعلها مصدر قلق.

تشير بعض الوثائق إلى أن شركة “مها كابيتال” القطرية، ومجموعة “إم.سي.أس” الإيطالية–السويسرية، ستحصلان على حقوق تشغيل طويلة الأمد للميناء، تشمل الإشراف على الموانئ الجافة المستقبلية في الجنوب، ما يعني أن ليبيا تمنح تحكما جزئيا في ممرها التجاري الرئيسي لشركات أجنبية، ضمن اتفاق غير مصادق عليه من البرلمان.

ورغم أن الدبيبة يؤكد أن المشروع “لا يمس السيادة الليبية”، إلا أن الصيغة التعاقدية تحمل من الثغرات ما يجعل هذا الادعاء محل جدل واسع.

الاقتصاد كواجهة للشرعية

منذ سنوات، يستخدم الدبيبة الاقتصاد كأداة لإعادة إنتاج الشرعية، فكل مشروع جديد من مطار طرابلس إلى المنطقة الحرة، يقدم باعتباره دليلا على “قدرة الحكومة على العمل”، في مواجهة فقدان شرعيتها شعبيا، لكن وراء هذه الاستراتيجية تكمن مخاطرة، فحين تتحول التنمية إلى وسيلة سياسية، تفقد المصداقية التنموية معناها.

استغلال مشاريع البنية التحتية الكبرى لتثبيت مواقع النفوذ ليس جديدا في ليبيا، فالقذافي نفسه بنى مجده السياسي على مشاريع مماثلة، لكن الفرق اليوم أن ليبيا منقسمة سياسيا ومفتوحة ماليا، ما يجعل أي عقد كبير عرضة للاستغلال، وأي شراكة أجنبية موضع شك.

البعد الجيو–اقتصادي: من المتوسط إلى إفريقيا

من زاوية جيو–اقتصادية، تسعى مصراتة لتصبح مركزا لوجستيا يربط المتوسط بالعمق الإفريقي، عبر ممرات تجارية تمتد إلى النيجر وتشاد، وهذه الرؤية إن تحققت يمكن أن تحول ليبيا من دولة عبور للمهاجرين إلى دولة عبور للبضائع.

لكن الطريق إلى أغاديس لا يمر عبر الخرائط فقط، بل عبر جنوب مضطرب تسيطر عليه جماعات مسلحة، وطرقات منهارة، وبنية تحتية معدومة، ومن دون أمن لا وجود لتجارة عابرة، وبغياب سلطة موحدة لا يمكن ضمان استدامة أي مشروع بهذا الحجم.

الفساد البنيوي كعقبة تنموية

أكبر التحديات أمام مشاريع مثل المنطقة الحرة ليست التمويل ولا التخطيط، بل الفساد البنيوي الذي يتسلل إلى كل مستويات الإدارة، فبيانات مجلس النواب تحدثت صراحة عن “غياب الشفافية، وتضارب المصالح، واستغلال النفوذ”، وهي إشارات مقلقة في بلد تصنفه تقارير الشفافية الدولية ضمن الأسوأ عالميا في إدارة الموارد العامة.

التحذير الأبرز جاء من النائب الشيباني، الذي وصف الاستثمار في تاورغاء بأنه “تحايل قضائي”، ملوحا بإمكانية ملاحقة الشركات الأجنبية قضائيا، مثل هذه التهديدات، إن تحققت، تفقد المشروع مصداقيته الدولية وتضع المستثمرين في مأزق قانوني حقيقي.

بين الوهم والواقع

تبدو المنطقة الحرة في مصراتة على الورق بوابة ليبيا إلى المستقبل، لكنها على الأرض، مرآة لما تعيشه البلاد منذ 2011؛ طموحات ضخمة تصطدم بحقائق السلطة، ومشاريع تنموية تستغل لتغطية الانقسامات السياسية.

فإذا كانت الحرية الاقتصادية تعني التحرر من الفساد، فإن المنطقة الحرة لم تتحرر بعد من ظلاله، وإذا كانت الشراكة الدولية تعني تقاسم المنافع، فإن ما يجري اليوم يبدو أقرب إلى توزيع النفوذ، فتاورغاء تمثل جرحا إنسانيا، وتحويلها إلى مساحة استثمارية دون عدالة حقيقية لن يكون سوى تجميل مؤقت لوجع عميق.

تنمية أم إعادة إنتاج للنفوذ؟

لم يعد مشروع مصراتة مجرد توسعة لميناء أو خطة اقتصادية طموحة؛ بل أصبح اختبارا حقيقيا لقدرة ليبيا على بناء نموذج تنموي يقوم على الشفافية والمساءلة، فبين الوعود الاستثمارية البراقة والواقع الإداري الملتبس، يتبدى المشروع كمؤشر على الاتجاه الذي تسلكه الدولة، إما نحو اقتصاد مؤسساتي يكرس سيادة القانون، أو نحو اقتصاد نفوذ جديد تدار فيه الثروة بمعايير الولاء لا الكفاءة.

رغم أن ليبيا تملك كل مقومات النهوض من موقع جغرافي استراتيجي إلى موارد ضخمة ورأسمال بشري واعد، إلا أن العجز المزمن في الإرادة السياسية جعل التنمية رهينة التوازنات المحلية لا الرؤية الوطنية، فالقوانين تفسر تبعا لمواقع القوى، والمصالح العامة تتوارى خلف الاعتبارات المناطقية.

المنطقة الحرة في مصراتة تظهر مشروع فارق في مسار الاقتصاد الليبي، لكنها حتى الآن تقف على أرض رمزية أكثر منها قانونية، فإذا لم تحسم مسألة الشرعية، وتضبط آليات الشفافية والرقابة، فسيظل المشروع نموذجا آخر لاقتصاد يشيد على الورق ويفرغ على الأرض.

بقلم: مازن بلال

 

ليبيا: استقالة مدير المركز الوطني للامتحانات على الهواء خلال إعلان نتائج الشهادة الإعدادية (فيديو)

اقرأ المزيد