قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر ينص على تصنيف الجرائم المرتكبة بين يونيو 1830 ويوليو 1962 ضمن ثلاثين جريمة دولة، ويلزم الدولة الجزائرية بالعمل على انتزاع اعتراف رسمي من فرنسا بهذه الجرائم والمطالبة بتعويضات عنها.
ويُعد هذا المسار السياسي والقانوني معقداً وطويل الأمد، في ظل ما تشهده العلاقات الجزائرية الفرنسية من توتر حاد منذ يوليو 2024.
ويبرز ضمن هذه الجرائم ملف التفجيرات النووية التي نفذتها فرنسا في الصحراء الجزائرية، والمصنفة كجرائم مستمرة بسبب بقاء آثارها الإشعاعية إلى اليوم.
وقد أسهم الغبار النووي الناتج عنها في انتشار أمراض خطيرة، من بينها السرطان والعمى والأمراض التنفسية المزمنة، إضافة إلى تشوهات خلقية، خصوصاً في منطقتي واد الناموس ورقان بولاية أدرار جنوب البلاد.
وتشير دراسات موثقة إلى أن عدد الضحايا عبر ثلاثة أجيال يناهز 150 ألف شخص، فضلاً عن الأضرار البيئية المتواصلة، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتعطيل سبل العيش، وإضعاف البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية.
وتواصل الجزائر مطالبة باريس بتحمل مسؤوليتها في تمويل عمليات تطهير مواقع التفجيرات النووية ودفع تعويضات مالية للضحايا وعائلاتهم، استناداً إلى المادة 11 من القانون.
ويشمل القانون كذلك جريمة زرع أكثر من عشرة ملايين لغم على الحدود الجزائرية مع تونس والمغرب في منتصف خمسينيات القرن الماضي، بهدف منع تسلل الثوار وتهريب السلاح.
ولا تزال هذه الألغام، إلى اليوم، تحصد أرواح المدنيين، خاصة من الرعاة، وتتسبب في إصابات خطيرة، وتطالب الجزائر السلطات الفرنسية بتسليم خرائط الألغام لاستكمال عمليات نزعها، إلى جانب تحمل التعويضات المالية لأكثر من سبعة آلاف ضحية، بينهم مئات المصابين الذين تعرضوا لبتر أطرافهم.
كما خصص القانون مادة لجريمة استخدام الأسلحة الكيميائية خلال الثورة الجزائرية، حيث استخدمها الجيش الفرنسي في نحو عشرة آلاف عملية عسكرية، لا سيما في الكهوف والمغارات التي كان الثوار والمدنيون يلجؤون إليها هرباً من القصف الجوي.
وأكدت وثائق عسكرية وسرية وأبحاث تاريخية، من بينها أعمال المؤرخ كريستوف لافاي، وقوع عمليات قصف بالغاز والأسلحة الكيميائية.
ومن الجرائم المستمرة أيضاً احتفاظ السلطات الفرنسية بنحو 500 جمجمة تعود لقادة المقاومة الجزائرية في القرن التاسع عشر، والموجودة بمتحف الإنسان في باريس.
وكانت الجزائر قد استرجعت 24 جمجمة فقط في يوليو 2020، جرى دفنها رسمياً، فيما لا يزال ملف استعادة البقية معلقاً، رغم مصادقة الجمعية الوطنية الفرنسية في 26 ديسمبر 2023 على قانون يقضي بإعادة عظام المقاتلين من أجل الاستقلال إلى الجزائر.
ويتناول القانون كذلك جريمة نهب الأرشيف الجزائري والممتلكات التاريخية، التي نقلتها سلطات الاستعمار إلى فرنسا، وتشمل آلاف الوثائق والنفائس التاريخية.
وتطالب الجزائر باسترجاع النسخ الأصلية من هذا الأرشيف، في وقت عرضت فيه باريس تسليم نحو مليوني وثيقة مرقمنة، إلى جانب مقتنيات تعود لقادة المقاومة الشعبية، مثل الأمير عبد القادر الجزائري، ومدافع تاريخية، من بينها مدفع القنصل المعروض في ميناء بريست الفرنسي.
وتنص المادة 13 على سعي الدولة الجزائرية لاسترجاع جميع القيم المادية والمعنوية المنهوبة والمحوّلة إلى خارج البلاد، بما فيها الأرشيف الوطني، باعتباره حقاً غير قابل للتنازل.
ويشمل القانون أيضاً المطالبة باستعادة الأموال التي كانت موجودة في خزينة الجزائر عشية دخول القوات الفرنسية، والتي جرى نهبها ونقلها إلى فرنسا، وقدّرتها بحوث تاريخية موثقة بما بين 700 و 800 مليون فرنك ذهبي، وتنص المادة 12 على التزام الدولة الجزائرية بالعمل على استرجاع هذه الأموال.
وتبقى جريمة الاختفاءات القسرية من الملفات العالقة، في ظل رفض باريس الاعتراف بمصير آلاف الجزائريين الذين أُعدموا أو أُخفوا قسراً خلال فترة الاستعمار.
وكانت الحكومة الجزائرية قد سلمت، في يوليو 2020، قائمة تضم أكثر من 2200 مفقود خلال ثورة التحرير ( 1954– 1962)، من بينهم الشيخ العربي التبسي، فيما اعترفت فرنسا بالكشف عن مصير ثلاثة فقط، هم العربي بن مهيدي، وعلي بومنجل، وموريس أودان.
ولا يقدم القانون الجديد تصوراً تفصيلياً لكيفية تحديد قيمة التعويضات، سواء للأفراد أو للدولة الجزائرية، وهو ما قد يُترك للتشريعات التنفيذية أو لمسار التفاوض مع الجانب الفرنسي.
وغير أن المادة العاشرة تؤكد أن التعويض الشامل والعادل عن جميع الأضرار المادية والمعنوية التي خلفها الاستعمار الفرنسي يُعد حقاً ثابتاً للدولة والشعب الجزائري.
انهيار مساكن عشوائية بوهران يخلف ضحايا ويجدد النقاش حول أزمة السكن في الجزائر
