وسط التعديلات الوزارية التي أعلنها رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة مطلع مارس 2026، برزت وزارة الثقافة بوصفها بؤرة الأزمة الأكثر إثارة للجدل، حيث أظهرت أزمة الشرعية في حكومة طرابلس.
التعديلات شملت خمس حقائب وزارية، والصراع الذي تفجر حول إقالة وزيرة الثقافة مبروكة توغي وتعيين سالم العالم خلفا لها كشف عن مستوى عميق من التعقيد السياسي والقانوني والاجتماعي في المشهد الليبي، فلم تعد القضية مجرد تغيير إداري في وزارة هامشية نسبيا ضمن بنية الدولة، بل تحولت إلى اختبار لحدود الشرعية، ولطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية ومؤسسات الدولة الأخرى، فضلا عن كونها مرآة لصراعات الهوية والتمثيل داخل الغرب الليبي.

أزمة شرعية قبل أن تكون أزمة ثقافة
أول ما يلفت الانتباه في هذه القضية أن الخلاف لا يدور حول كفاءة الوزيرة المقالة أو الوزير الجديد، بل بشرعية القرار، حيث رفضت مبروكة توغي الامتثال لقرار إقالتها، مؤكدة أن الإجراء الذي اتخذه الدبيبة يتجاوز الأطر القانونية المنظمة لعمل السلطة التنفيذية، واستندت في موقفها إلى رسالة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، التي شددت على أن حكومة الوحدة باتت في وضع تصريف أعمال، وأن أي تعديل وزاري يجب أن يستند إلى توافق وطني واسع، وإلى المرجعيات الدستورية المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات عام 2015.
هذا الجدل القانوني يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة السلطة التنفيذية في ليبيا منذ سنوات، فالحكومة التي يقودها الدبيبة لم تعد تحظى بإجماع سياسي، كما أن البرلمان في الشرق أعلن سابقا سحب الثقة منها، ومع ذلك، تستمر في ممارسة صلاحياتها في غرب البلاد باعتبارها السلطة الفعلية في طرابلس، فقرار تعديل الحكومة لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع من الصراع حول الشرعية السياسية.
مشهد غير “ثقافي” في وزارة الثقافة
الجدل لم يبق في حدود النصوص القانونية، فالمشهد الذي وثقته مقاطع الفيديو لوزيرة الثقافة وهي تقف أمام مقر الوزارة في طرابلس، بينما تمنعها قوة تابعة للواء 444 من دخول المبنى؛ أعطى الأزمة بعدا رمزيا لافتا، فوزارة الثقافة التي يفترض أن تمثل الفضاء المدني والإبداعي في الدولة، تحولت فجأة إلى مسرح لمواجهة أمنية.
وقالت توغي في التسجيل المتداول إنها مُنعت من دخول الوزارة “بالقوة” بناء على تعليمات من قيادة اللواء، وهو ما أثار انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، ورأت وزيرة الشؤون الاجتماعية السابقة سميرة الفرجاني أن الطريقة التي جرى بها التعامل مع الوزيرة المقالة “مهينة” ولا تليق بدولة تسعى إلى بناء مؤسساتها.
هذا المشهد، في دلالته الرمزية، يعكس مفارقة عميقة، فالدولة التي تعجز عن تنظيم انتقال إداري هادئ في وزارة الثقافة، تبدو أبعد ما تكون عن بناء مؤسسات مستقرة قادرة على إدارة الملفات الكبرى.

مبروكة توغي: بين الضحية والمسؤولية
التعاطف مع الوزيرة المقالة ليس مطلقا، فمبروكة توغي تحمل تاريخا مثيرا للجدل خلال فترة توليها الوزارة، ففي ديسمبر 2021 أوقفها مكتب النائب العام احتياطيا على خلفية اتهامات بفساد مالي وإداري، بينها تزوير مستندات رسمية والتصرف في المال العام خارج الأطر القانونية، وعلى الرغم من إطلاق سراحها لاحقا وعودتها إلى منصبها في أبريل 2022 بقرار من رئيس الحكومة، فإن تلك القضية بقيت تلقي بظلالها على صورتها السياسية.
بعض المراقبين يربطون إقالتها بموقفها خلال احتجاجات مايو 2025 التي اندلعت عقب مقتل عبد الغني الككلي (المعروف بـ”غنيوة”)، وتصاعد الصراع بين التشكيلات المسلحة في طرابلس، حيث أعلنت توغي حينها نيتها الاستقالة “لتكون أقرب إلى الشعب”، لكنها لم تمض في هذا القرار وعادت إلى ممارسة مهامها، الأمر الذي اعتبره بعض خصومها محاولة للضغط السياسي على الحكومة.
ويرى المرشح الرئاسي سليمان البيوضي أن الوزيرة “وضعت نفسها في هذا الموقف”، مشيرا إلى أن موقفها السابق أحرج الحكومة قبل أن تتراجع عنه، ما جعل قرار التخلص منها لاحقا يبدو وكأنه “انتقام مؤجل”.

البعد القبلي والجهوي
قراءة الأزمة من زاوية الصراع الشخصي بين الدبيبة وتوغي تبقى قاصرة، فالقضية تتقاطع أيضا مع حساسيات الهوية والتمثيل في ليبيا، فتوغي تنحدر من قبيلة التبو في الجنوب الليبي، وألمحت في تصريحاتها إلى أن قرار إقالتها مرتبط بانتمائها الجهوي والإثني، فضلا عن كونها امرأة في بيئة سياسية يغلب عليها الطابع الذكوري.
وذهب بعض المحللين أبعد من ذلك، فاعتبر المحلل السياسي محمد قشوط أن استهداف توغي يقرأ بوصفه رسالة سياسية إلى مكون التبو، خصوصا في ظل التوترات الأخيرة في الجنوب الليبي ومواقف بعض المجموعات التباوية من العمليات العسكرية هناك.
فحتى لو بدت هذه القراءة مبالغا فيها، فإنها تكشف مدى هشاشة التوازنات الاجتماعية في ليبيا، حيث يمكن لأي قرار إداري أن يتحول بسرعة إلى قضية تمثيل قبلي أو جهوي.

الوزير الجديد وميراث الماضي
لم ينج الوزير الجديد، سالم العالم، أيضا من الانتقادات، فعلى الرغم من سيرته الأدبية بوصفه شاعرا وكاتب أغان، فإن ماضيه السياسي عاد إلى الواجهة فور إعلان تعيينه، حيث أشار نشطاء إلى أنه كان فاعلا في حركة اللجان الثورية خلال عهد معمر القذافي، بل واتهم بكتابة تقارير ووشايات استهدفت مثقفين آخرين في تلك الفترة.
هذه الاتهامات، سواء صحت أم لا، تعكس حساسية الذاكرة السياسية في ليبيا، فالثقافة كانت إحدى الأدوات التي استخدمها النظام السابق لبسط سيطرته الرمزية على المجتمع، ولذلك فإن تعيين شخصية مرتبطة بتلك المرحلة في منصب وزير الثقافة يثير بطبيعته شكوكا لدى قطاع من النخبة الثقافية.
وهناك بعدا آخر لهذه المسألة؛ فالدبيبة يسعى في المرحلة الأخيرة إلى التقرب من أنصار النظام السابق في إطار إعادة تشكيل تحالفاته السياسية، واختيار شخصية ذات خلفية قذافية لقيادة وزارة الثقافة ربما يكون جزءا من هذه المناورة.
وزارة صغيرة تعكس أزمة دولة
على المستوى المالي والإداري، لا تبدو وزارة الثقافة من الوزارات الثقيلة في ميزانية الدولة، حيث بلغت مصروفاتها خلال شهري يناير وفبراير من العام الجاري نحو 10.7 مليون دينار ليبي، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، لكن الرمزية السياسية للوزارة تتجاوز حجمها المالي بكثير.
فالثقافة في دولة مثل ليبيا ليست مجرد نشاط فني أو أدبي، بل هي مساحة للصراع حول الهوية الوطنية والرواية التاريخية، فالصراع على قيادة هذه الوزارة يعكس بدرجة ما الصراع الأوسع حول مستقبل الدولة نفسها.

مناورة سياسية في لحظة دولية حساسة
لا يمكن أيضا فصل التعديل الوزاري الذي قام به الدبيبة عن التحركات الدولية الأخيرة في الملف الليبي، فالتصريحات الأميركية والأممية التي تدعو إلى توحيد المؤسسات وإطلاق عملية سياسية جديدة توحي بأن هناك ضغوطا لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في البلاد.
و يفسر بعض المحللين التعديلات الوزارية بوصفها محاولة من الدبيبة لإعادة التموضع سياسيا قبل أي تسوية محتملة تفضي إلى تشكيل حكومة جديدة، فإظهار الحكومة بمظهر السلطة القادرة على اتخاذ قرارات سيادية جزء من معركة تثبيت الأمر الواقع في طرابلس.
لا أبطال في هذه القصة
تبدو أزمة وزارة الثقافة أقرب إلى مرآة مكبرة لأزمة الدولة الليبية نفسها، فالوزيرة المقالة تحمل سجلا مثيرا للجدل، والوزير الجديد يجر خلفه ميراثا سياسيا ثقيلا، بينما يقف رئيس الحكومة في قلب صراع مستمر حول شرعية سلطته.
ولعل المفارقة الأكثر مرارة أن وزارة الثقافة التي يفترض أن تكون حاضنة للمعنى والجمال والذاكرة؛ تحولت في هذه اللحظة إلى رمز لاضطراب الدولة نفسها، حيث لا يبدو أن أحدا يثير التعاطف الكامل، فالجميع، بدرجات متفاوتة، جزء من الأزمة التي يعيشها البلد.
بقلم مازن بلال
ليبيا.. اجتماع لتنسيق إعادة إعمار المرافق الأمنية المتضررة في درنة
