بعد إطلاق شعار “ليبيا خالية من الميليشيات والفساد”، يجد رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة نفسه في قلب عاصفة سياسية وأخلاقية، إثر لقائه بآمر ميليشيا “شهداء النصر” في الزاوية، معيداً للأذهان حقبة فايز السراج، التي ربطت مصير الدولة الليبية بمصالح أمراء الحرب.
من إرث السراج إلى واقع الدبيبة… جذور السلطة الميليشياوية
منذ أن تشكلت حكومة الوفاق الوطني عام 2015 بقيادة فايز السراج، تحولت طرابلس إلى مركز نفوذ متنازع عليه بين عشرات المجموعات المسلحة التي تتقاسم الثروة والنفوذ باسم “الشرعية”.

ففي عام 2016، سمحت المجموعات المسلحة في طرابلس للسراج بدخول العاصمة، فمنحها صفة رسمية باعتبارها تابعة لوزارة الداخلية أو وزارة الدفاع، وغيرها من المؤسسات، فشرعن بذلك وجود الميليشيات من خلال تعيين قادتها في أجهزة سيادية حساسة، مثل جهاز المخابرات والأمن الداخلي ودعم الاستقرار.
هذه السياسة حولت الدولة الليبية إلى “دولة ميليشياوية” بامتياز، تقوم على توازنات السلاح لا على مؤسسات القانون.
الدبيبة… الوعود المدنية تحت ظلال البنادق
حين وصل عبد الحميد الدبيبة إلى رئاسة حكومة الوحدة الوطنية في مارس 2021، حمل خطاباً مختلفاً ووعد بمكافحة الفساد وتفكيك الميليشيات، وأطلق شعاراً طموحاً: “ليبيا خالية من الميليشيات والفساد“، غير أن ما تبع ذلك من سياسات أظهرت أن الرجل لم يخرج عن النهج القديم إلا من حيث الخطاب.
بالطبع — إليك سطرين مكثّفين وواضحين يلتقطان جوهر المرحلة:
عملياً بين 2021 و2025 اعتمد الدبيبة على تحالفات براغماتية مع أمراء الحرب والكتائب المسلحة في طرابلس ومصراتة لضمان بقائه في السلطة وحماية حكومته من خصومه السياسيين، وتحول النزاع السياسي على الشرعية إلى صراع مسلح تديره شبكات أمراء الحرب داخل العاصمة، باعتبارها الفاعل الحقيقي على الأرض.

وأثبتت أحداث مايو 2025 في طرابلس، وذلك مع اندلاع اشتباكات بين قوات حكومية وجهاز دعم الاستقرار، أن الدبيبة لا يقود عملية إصلاح بل إعادة هيكلة للتحالفات الميليشياوية.
القائد السابق للجهاز، عبد الغني الككلي “غنيوة”، الذي قتل خلال المواجهات، هو من منحه السراج سابقاً شرعية قانونية، وبعد عام واحد، استقبل الدبيبة محمد كشلاف، المتهم بجرائم ضد الإنسانية، في لقاء رسمي صور على أنه “لقاء تنموي”!
لقاء “القصب”.. غطاء سياسي لأمراء الحرب
لقاء الدبيبة بمحمد كشلاف كان خرقاً فاضحاً لقرارات مجلس الأمن التي تدرج كشلاف على قائمة العقوبات منذ عام 2018، بسبب تورطه في تهريب الوقود والبشر والسيطرة على مصفاة الزاوية.
المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا وصفت اللقاء بأنه “انتهاك جسيم للقانون الدولي”، معتبرة أنه دليل على علاقة مباشرة بين الحكومة وشبكات التهريب، وأن هذا السلوك يشجع على الإفلات من العقاب ويقوض جهود العدالة.

الصورة التي قدمها عبد الحميد الدبيبة خلال لقائه بآمر الميليشيا محمد كشلاف، كانت تعبيراً عميقاً عن فلسفة الحكم في طرابلس، فهي تظهر أن من يملك السلاح يملك الأمان، بينما من يلتزم بالقانون يبقى خارج معادلة القوة والنفوذ، فانقلبت معايير الشرعية رأساً على عقب، وتحولت الدولة إلى متفرج يمنح الحصانة لمن يهددها، وبدا اللقاء كترجمة رمزية لواقع سياسي يقول بوضوح القوة تحمي نفسها، لا القانون.
منطق “التحالفات المؤقتة” الدولة كرهينة
التحليل السياسي لممارسات الدبيبة يكشف أنه يعتمد استراتيجية مزدوجة؛ إظهار العداء العلني للميليشيات أمام المجتمع الدولي، مقابل التفاهم الضمني معها لضمان السيطرة على العاصمة.
فهو يعرف أن أي صدام شامل مع تلك الجماعات يعني فقدانه الحماية الميدانية وربما الإطاحة به، وسياسته تتخذ طابع “المرونة الانتهازية”، حيث يوازن بين ميليشيا وأخرى، ويمول بعضها لكبح نفوذ الأخرى، في تكرار واضح لأسلوب السراج في “إدارة الفوضى لا إنهائها”.
يوضح تتبع مسار الأحداث في طرابلس أن الدبيبة لم يقطع مع إرث السراج، بل عمد إلى تطويره وإعادة تسويقه بلغة أكثر نعومة، فبدلا ًمن تفكيك المنظومة الميليشياوية التي ورثها، عمل على إعادة هندستها بطريقة تضمن له السيطرة عبر شبكة معقدة من الولاءات والمصالح المتبادلة، وتحولت العاصمة من ساحة اختبار لبناء الدولة إلى مختبر جديد لإعادة إنتاج الفساد والسلاح، حيث تزداد التشابكات وتتعمق المصالح، بينما يبتعد مفهوم الدولة أكثر فأكثر عن واقعه المنشود.
اقتصاد الميليشيات… حين يتحول السلاح إلى عملة سياسية
وفق تقارير أممية، ينتشر في ليبيا نحو 29 مليون قطعة سلاح، معظمها في أيدي جماعات محلية تتخذ من تهريب الوقود والمهاجرين والسلع مصدر دخل ثابت، وتحولت هذه الجماعات إلى ما يشبه الشركات الموازية، تتقاسم مناطق النفوذ وتبرم تفاهمات مع الحكومة مقابل “الولاء”.

وبينما يعلن الدبيبة خططاً للتنمية والمشروعات، تضخ أموال الدولة في قنوات غير رسمية، لتغذية هذا الاقتصاد الميليشياوي الذي بات يتحكم حتى في توزيع الوظائف والعقود العامة.
ما يقوم به الدبيبة أنتج اقتصاد سياسي فاسد، تتحكم فيه شبكات القوة المسلحة، وتستفيد من غياب الشفافية والمحاسبة، ما يجعل أي إصلاح حقيقي شبه مستحيل.
انعكاسات النهج على الداخل والخارج
على الصعيد الداخلي، يفاقم هذا النهج الانقسام السياسي، ويعطل مسار توحيد المؤسسة العسكرية الذي ترعاه الأمم المتحدة.

أما دولياً فهو يضع حكومة الدبيبة في مواجهة مباشرة مع قرارات مجلس الأمن، ويقوض ثقة الاتحاد الأوروبي وشركاء ليبيا في أي التزامات تتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة.
ويحذر خبراء حقوقيون من أن استمرار الحكومة في التعامل مع قادة ميليشيات مطلوبين دولياً يقوض العدالة الانتقالية ويكرس ثقافة الإفلات من العقاب، بينما يخسر المواطن الليبي آخر ما تبقى من ثقته في الدولة.
منطق البقاء لا منطق الدولة
استخدم السراج والدبيبة الميليشيات كوسيلة للبقاء، فالسراج عين قادة الميليشيات في المناصب الأمنية لحماية موقعه من خصومه السياسيين، أما الدبيبة فيستعين بهم اليوم لضمان بقائه في الحكم رغم انتهاء ولايته.

لكن الثمن هو تدمير ما تبقى من الشرعية للمؤسسات، وتحويل طرابلس إلى مدينة تتحكم فيها الولاءات المسلحة لا القوانين، وهكذا تصبح السلطة في ليبيا رهينة لقاعدة واحدة؛ من يملك السلاح يملك القرار، فيما يتحول مشروع الدولة المدنية إلى شعار للاستهلاك الدبلوماسي.
ليبيا في مرآة الدبيبة… فوضى تتجدد
لقاء الدبيبة بمحمد كشلاف لم يكن حدثاً معزولاً، بل مؤشراً على مسار متواصل من إعادة إنتاج الفوضى، فكما فتح السراج الأبواب أمام أمراء الحرب في طرابلس عام 2016، يفتح الدبيبة اليوم بوابات الشرعية أمام قادة التهريب والانتهاكات في الزاوية، مانحاً إياهم موقعاً جديداً داخل النظام السياسي.
لا يختلف الدبيبة عن سلفه إلا في اللغة الدعائية، فكلاهما وعد بنهاية عهد الميليشيات، وكلاهما رسخها أكثر في مفاصل الدولة، وأنتجت هذه السياسة دولة بلا سيادة، وحكومة بلا شرعية، ومواطن يراقب من بعيد مشهد السلطة وهي تدار برصاص البنادق لا بأصوات الصناديق.
بقلم: نضال الخضري
ليبيا تعتمد ضوابط جديدة للاستيراد للسيطرة على سعر الصرف
