18 فبراير 2026

يشكل ملف بنغازي اختباراً مزدوجاً للدولة الليبية وشراكتها مع الولايات المتحدة؛ ويتجاوز الطابع القضائي لأشخاص مُتهمين، فهو أداة ضغط سياسي تُستخدم لرسم موازين القوة داخل طرابلس، وقياس مدى استعداد الحكومة منتهية الولاية للمواءمة بين متطلبات السيادة واستحقاقات التعاون الأمني الدولي.

بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً على الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي الذي أودى بحياة السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز وثلاثة دبلوماسيين آخرين، أعلنت الولايات المتحدة في فبراير 2026 توقيف ونقل الزبير البكوش إلى أراضيها، ليواجه ثماني تهم فيدرالية تتصل بالقتل والإرهاب وإضرام النار والتآمر، في خطوة تعكس إصرار واشنطن على إبقاء الملف مفتوحاً ضمن سياق أوسع يتداخل فيه القانون بالسياسة والأمن بالدبلوماسية.

لكن السؤال الذي يتجاوز البكوش كشخص: ما الذي يجري داخل ليبيا اليوم؟ ولماذا يتقاطع هذا التصعيد الأمريكي مع أسماء سياسية نافذة، وفي مقدمتها وزير الدولة للشؤون السياسية والاتصال بحكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية وليد اللافي؟

العدالة الأمريكية: خطاب الحسم وملاحقة لا تسقط بالتقادم

من واشنطن، بدا الخطاب واضحاً، فوزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي أكدا أن الملف لم يُغلق يوماً، وأن مبدأ “لن ننسى ولن نسامح” يظل مرجعية ثابتة، ولائحة الاتهام الموجهة إلى البكوش تتهمه بالانتماء إلى “أنصار الشريعة” والمشاركة المباشرة في اقتحام المجمع الدبلوماسي وإضرام النار فيه، والمساهمة في الهجوم على ملحق وكالة الاستخبارات.

هذا المسار ليس جديداً؛ فسبقه اعتقال أحمد أبو ختالة ومصطفى الإمام ومحاكمتهما في الولايات المتحدة. غير أن الجديد اليوم تكثيف التحركات الأمريكية داخل ليبيا، وتزامنها مع مؤشرات على عمليات توقيف غامضة لأسماء مرتبطة بمجالس شورى محلية، مثل اختطاف أبريك مازق الزوي في مصراتة، وهو عضو في مجلس شورى أجدابيا.

الرسالة الأمريكية مزدوجة من العدالة مستمرة، إلى التعاون القضائي الدولي، لكن الوجه الآخر لهذه الرسالة هو أن واشنطن باتت تتعامل مع الملف باعتباره جزءاً من هندسة علاقتها مع طرابلس، لا مجرد قضية جنائية معزولة.

وليد اللافي: بين الاتهام السياسي وغياب الإدانة القضائية

في خضم هذا التصعيد، برز اسم وليد اللافي في تدوينة نشرتها مسؤولة أمريكية سابقة في وكالة الاستخبارات المركزية، اتهمته فيها بارتباطات بدوائر الهجوم على القنصلية في 2012، وبتحوله من “داعم لمجالس الشورى” إلى وزير في حكومة الوحدة الوطنية.

كما تداولت مذكرة تحقيق منسوبة للنيابة الليبية معطيات حول شبكة تمويل ودعم لوجستي وإعلامي لجماعات متشددة منذ 2012، تتضمن تحويلات مالية بملايين الدنانير، وإنشاء شركات واجهة، وعلاقات خارجية في إسطنبول وإيطاليا، ووفق ما ورد، أقر أحد المقربين من اللافي، عاطف بكرة ، بأدوار في التمويل والتنسيق، دون مشاركة قتالية مباشرة.

غير أن النقطة الجوهرية أن كل هذه المعطيات، حتى اللحظة، لم تُترجم إلى لائحة اتهام أمريكية رسمية بحق اللافي، ولم تصدر أحكام قضائية نهائية في ليبيا تثبت تورطه، فنحن أمام منطقة رمادية عبر اتهامات سياسية وإعلامية ثقيلة، مقابل غياب إجراء قضائي واضح.

مفارقة الشراكة: ليبيا “شريك استراتيجي” أم “بلد شديد الخطورة”؟

في الوقت الذي أعلنت فيه حكومة الدبيبة عبر وليد اللافي نفسه أن الولايات المتحدة شريك استراتيجي في ملفات مهمة، أصدرت واشنطن بياناً تحذيرياً تصنف فيه ليبيا بلداً شديد الخطورة، هذه المفارقة تختزل طبيعة العلاقة، فهي تتأرجح بين تعاون أمني وقضائي من جهة، وانعدام ثقة مؤسساتي من جهة أخرى.

فهل تعزز طرابلس علاقاتها مع واشنطن عبر تسليم مطلوبين؟ أم أنها تفقد ما تبقى من رصيدها السيادي أمام الرأي العام المحلي؟

القانون الدولي يجيز تسليم المواطنين بشروط دقيقة، تتضمن اتفاقيات ثنائية، ومبدأ التجريم المزدوج، وضمانات المحاكمة العادلة، وعدم التعرض للتعذيب، غير أن ليبيا لا تملك اتفاقية تسليم مجرمين رسمية مع الولايات المتحدة، ما يجعل أي عملية نقل رهينة ترتيبات سياسية وأمنية، أكثر منها مساراً قضائياً شفافاً.

مجالس الشورى: من الفاعل المسلح إلى العقدة السياسية

ظهور أسماء مرتبطة بـ”مجالس الشورى” سواء في بنغازي أو أجدابيا يعيد إلى الواجهة مرحلة الفوضى المسلحة بعد 2011، حين تشكلت هذه المجالس بوصفها تحالفات لكتائب محلية ذات مرجعيات أيديولوجية متشددة، وبعضها واجه تنظيم الدولة، كما اتهمت تشكيلات أخرى بالارتباط بأنصار الشريعة.

الإشكالية اليوم أن بعض الشخصيات التي دارت في فلك تلك المرحلة انتقلت لاحقاً إلى مواقع سياسية أو إعلامية، في سياق إعادة تدوير النخب بعد اتفاقات وقف إطلاق النار وترتيبات حكومة الوحدة الوطنية، وهذا الانتقال لم يُحسم قضائياً، ولم يخضع لعملية تدقيق شاملة على غرار ما شهدته دول أخرى في مراحل انتقالية.

إذا كانت واشنطن ترى أن بعض هذه الأسماء لعبت أدواراً مساندة أو لوجستية في 2012، فإن السؤال ليس فقط قانونياً، بل سياسي بامتياز، فهل تقبل الولايات المتحدة شراكة استراتيجية مع حكومة تضم شخصيات تحوم حولها شبهات؟ أم أن ملف بنغازي سيظل سيفاً مسلطاً يُستخدم عند الحاجة؟

هل يُسلم اللافي؟

السؤال المطروح في الشارع الليبي وبصيغة استفهامية مشحونة متى ستقوم حكومة الدبيبة بتسليم وليد اللافي إلى الولايات المتحدة؟

من الناحية القانونية البحتة، لا يوجد حتى الآن طلب تسليم معلن، ولا مذكرة توقيف أمريكية رسمية بحقه، ومن الناحية السياسية، تسليم وزير في حكومة قائمة سيكون زلزالاً داخلياً، واعترافاً ضمنياً بعجز القضاء الوطني على النظر في ملفه.

أما من زاوية المصلحة، فإن حكومة الدبيبة تبدو حريصة على إبقاء قنواتها مع واشنطن مفتوحة، خاصة في ظل تمسكها بالبقاء بالسلطة، وعرقلتها لأي مسار انتخابي، لكن أي خطوة تمس شخصية بهذا الوزن ستفجر صراعاً داخلياً، وتُفسر بوصفها خضوعاً لإملاءات خارجية.

ما الذي يُحاكم فعلياً؟

في الظاهر، تُحاكم واشنطن أفراداً متهمين بالإرهاب، في العمق يُحاكم نموذج الدولة الليبية ذاته، فهي دولة منقسمة وبقضاء ضعيف وأجهزة أمنية متشظية غير قادرة على احتكار العنف المشروع أو إدارة ملفاتها السيادية الحساسة.

إذا استمرت عمليات التسليم دون مسار قضائي وطني واضح، فإن ليبيا ستكرس سابقة خطيرة حيث العدالة تُستورد من الخارج، والسيادة تُدار بالتفاهمات الأمنية، وإذا امتنعت عن التعاون، فإنها تخاطر بعزلتها وبتصعيد أمريكي سياسي وربما اقتصادي.

بين هذين الخيارين، تحتاج ليبيا إلى مقاربة مختلفة من خلال تحقيق وطني مستقل وشفاف في كل الاتهامات المتداولة، بما فيها تلك التي تطال شخصيات سياسية نافذة، وإعلان نتائجه للرأي العام، فمبدأ “إما التسليم أو المحاكمة” ليس شعاراً نظرياً، بل قاعدة قانونية دولية.

العدالة بلا سيادة ناقصة، والسيادة بلا عدالة جوفاء

ملف بنغازي لن يُغلق بسهولة، لا في واشنطن ولا في طرابلس، لكن الطريقة التي يُدار بها اليوم تكشف خللا ًبنيوياً أعمق من مجرد ملاحقة مشتبه بهم، فهو أزمة في علاقة الدولة الليبية بقضائها وبمواطنيها وبشركائها الدوليين.

اللافي سواء ثبتت بحقه اتهامات أو لم تثبت ليس مجرد اسم في سجال سياسي، بل اختبار لقدرة ليبيا على معالجة ماضيها داخل مؤسساتها، فإذا عجزت عن ذلك، فستظل الملفات الثقيلة تُحسم في عواصم أخرى، وستبقى الأسئلة السيادية معلقة، بانتظار موجة جديدة من الضغوط.

وفي هذه المنطقة الرمادية، لا يكفي خطاب الشراكة، ولا يكفي شعار العدالة، المطلوب هو دولة قادرة على الجمع بينهما، دون أن تفقد أحدهما.

بقلم نضال الخضري

وفد استخباراتي تركي يزور طرابلس لتهدئة التوتر الأمني

اقرأ المزيد