31 مارس 2026

يعكس ملف الأموال الليبية في الخارج جوهر الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، حيث تتحول الثروة السيادية إلى ضحية مباشرة لطبيعة السلطة المؤقتة في غرب ليبيا.

حين تُدار الموارد الكبرى بعقلية انتقالية قصيرة الأمد؛ يغيب التخطيط الاستراتيجي، وتصبح القرارات محكومة باعتبارات البقاء السياسي لا المصلحة الوطنية، ما يفتح الباب أمام استنزاف تدريجي لثروة يفترض أن تكون ركيزة للاستقرار.

لم يعد ما يجري مجرد إخفاق إداري معزول، بل نمط متكرر من التسريبات وسوء الإدارة وتضارب المصالح، ما يعكس خللا بنيويا يتجاوز المؤسسة الليبية للاستثمار إلى بنية الحكم ذاتها، فالتداخل بين السياسي والاقتصادي، في ظل غياب مؤسسات مستقرة، أنتج بيئة تدار فيها الأصول بمنطق اللحظة، لا بمنطق الدولة، لتتحول الثروة من أداة بناء إلى مجال مفتوح للهدر.

فأحدث التحقيقات التي أعادت تسليط الضوء على هذا الملف جاءت من خارج ليبيا، وعبر تقرير استقصائي صادر عن منظمة أمريكية متخصصة في تتبع الفساد المرتبط بالنزاعات، ما يعكس غياب آليات الرقابة المحلية الفعالة، ويطرح تساؤلات حول من يملك فعليا زمام المساءلة.

أصول ضخمة… وعوائد شبه معدومة

تدير المؤسسة الليبية للاستثمار أصولا تقدر بنحو 62.85 مليار دولار، وفق تقييمات دولية، ما يجعلها أحد أكبر الصناديق السيادية في إفريقيا، لكن المفارقة الصادمة أن هذه الكتلة المالية الهائلة لم تترجم إلى عوائد ملموسة لصالح الاقتصاد الليبي أو المواطنين.

وتشير المعطيات إلى أن نحو ثلثي هذه الأصول (40 إلى 43 مليار دولار) يخضع للتجميد الدولي، بينما يبقى ما بين 20 و23 مليار دولار خارج القيود، إضافة إلى نحو 9.5 مليار دولار يمكن الوصول إليها عبر تراخيص خاصة.

عمليا هذا يعني أن المؤسسة قادرة على إدارة ما يقارب نصف أصولها، أي ما بين 30 و33 مليار دولار، ومع ذلك لا يظهر أي أثر تنموي أو مالي واضح لهذه القدرة .

الأخطر أن القيمة الإجمالية لهذه الأصول لم تشهد نموا يُذكر منذ عام 2011، بل تشير التقديرات إلى تآكلها، ما يعكس غياب استراتيجية طويلة الأمد لإدارة الثروة السيادية.

سوء الإدارة من لندن إلى مونروفيا

تكشف الأمثلة الواردة في التحقيق عن نمط متكرر من الإهمال وسوء التقدير، بل وأحيانا الفساد الصريح، حيث تثبت الوقائع عن سوء الاستثمار والهدر والفساد، ففي لندن ظل مبنى بقيمة 72 مليون دولار شاغرا لمدة عقد كامل، ما تسبب في خسائر تقدر بنحو 79 مليون دولار من الإيرادات المحتملة، هذه الحالة ليست مجرد خطأ إداري، بل تعكس غيابا شبه كامل للحوكمة، خصوصا عندما تقترن بتعيينات قائمة على المحسوبية، مثل تعيين أقارب لمسؤولين في مواقع حساسة داخل الشركات التابعة .

وفي جنوب إفريقيا، لم تحقق استثمارات عقارية ليبية بمئات الملايين أي عوائد تذكر على مدى أكثر من عشرين عاما، بما في ذلك فندق “مايكل أنجلو” في ساندتون، الذي ظل مغلقا منذ 2020، رغم موقعه الاستراتيجي، كما تعثرت الشركة المالكة في سداد قرض بقيمة 110 ملايين دولار نتيجة ضعف الإدارة المالية والتخطيط الاستثماري.

أما في ليبيريا، فتبدو الصورة أكثر قتامة، حيث فشلت المؤسسة في تحقيق أي دخل من أصولها، وسط شبهات بارتباط هذه الاستثمارات بشبكات نفوذ محلية، دون أي جهد جدي لاسترداد الأموال أو حماية الحقوق الليبية.

شركة “أولى إنرجي”.. قصة نجاح مبتورة

تُعد شركة “أولى إنرجي” مثالا على الإمكانات الضائعة، فهي شركة وقود تعمل في عدة دول إفريقية، وكان يمكن أن تمثل رافعة اقتصادية حقيقية، لكن التحقيق يكشف أن تعيين إدارتها تم على أسس سياسية لا مهنية، ما أدى إلى تضخم النفقات وتسجيل خسائر، إضافة لفرض غرامة تتجاوز 10 ملايين دولار في المغرب بسبب مخالفات قانونية .

هذه الحالة تظهر إشكالية أعمق، فحين تتحول الشركات التابعة للصناديق السيادية إلى أدوات لتوزيع النفوذ السياسي، تفقد وظيفتها الاقتصادية، وتتحول إلى عبء على المال العام.

المؤقت السياسي كعامل اقتصادي

لا يمكن فهم هذا النزيف المالي بمعزل عن السياق السياسي، فالحكومة منتهية الولاية في غرب ليبيا، بوصفها سلطة انتقالية، تفتقر إلى الأفق الزمني الواضح، ما يدفعها إلى تبني سياسات قصيرة الأمد، تركز على البقاء السياسي أكثر من الاستدامة الاقتصادية.

وفق سياسات حكومة طرابلس تصبح الأصول السيادية عرضة للاستغلال، سواء عبر التعيينات القائمة على الولاء، أو عبر استخدام الموارد لسد عجز مالي آني، كما حدث عندما استخدم مصرف ليبيا المركزي نحو 4.2 مليار دولار من الاحتياطيات لتغطية عجز في النقد الأجنبي خلال شهرين فقط في 2026، مقابل إيرادات نفطية أقل بكثير .

هذه الديناميكية تظهر الاعتماد على “اقتصاد المؤقت”، حيث تُدار الموارد بمنطق الطوارئ، لا بمنطق التنمية.

غياب الرقابة… وحضور الخارج

اللافت أن التحقيق الأبرز في هذا الملف جاء من منظمة أمريكية، لا من مؤسسات رقابية ليبية، فلا يعكس ضعف الرقابة المحلية فقط، بل أيضا فقدان الثقة الدولية في قدرة المؤسسات الليبية على إدارة أصولها.

ودعت المنظمة إلى عدم تخفيف القيود الدولية المفروضة على الأصول الليبية إلا بعد تحقيق معايير صارمة في الحوكمة والشفافية، محذرة من أن أي تخفيف غير مشروط يؤدي إلى ضياع مليارات الدولارات في جيوب شخصيات سياسية بدلا من توجيهها لصالح الشعب .

هذا الموقف يبين معضلة مزدوجة، فالعقوبات تحمي الأصول من النهب، لكنها في الوقت ذاته تعيق استثمارها، وبين هذين الحدين، تضيع فرصة تحويل الثروة إلى تنمية.

تهريب الوقود واستنزاف مواز

لا يقتصر النزيف على سوء إدارة الاستثمارات، بل يمتد إلى أنشطة موازية مثل تهريب الوقود، الذي تشير التقديرات إلى أنه يستنزف نحو 40% من الوقود المستورد، وهذا النشاط، المرتبط بشبكات منظمة، يمثل نزيفا مزدوجا عبر خسارة مالية مباشرة، وتشويه لآليات السوق.

كما أن ضخ الدولار النقدي في السوق، وفق تحذيرات خبراء، يفتح الباب أمام عمليات غسيل الأموال، ويهدد استقرار العملة، ما يفاقم من الأثر الاجتماعي للأزمة.

بين التآكل والصراع على الشرعية

في ظل هذا المشهد، يصبح ملف الأموال الليبية في الخارج ساحة صراع غير معلن على الشرعية، فكل طرف سياسي يسعى للسيطرة على هذه الأصول، ليس فقط لأهميتها الاقتصادية، بل لرمزيتها السياسية.

لكن هذا الصراع، في غياب إطار دستوري موحد، يؤدي إلى مزيد من التآكل، ويشير الخبراء إلى أن أي حديث عن إدارة هذه الأموال يجب أن يؤجل إلى حين قيام دولة موحدة بمؤسسات منتخبة، قادرة على وضع استراتيجية وطنية لإدارة الثروة.

لا تكمن أزمة الأموال الليبية في الخارج في نقص الموارد، بل في غياب الدولة القادرة على إدارتها، فالثروة موجودة، بل ضخمة، لكن آليات تحويلها إلى رفاه اجتماعي تكاد تكون معدومة.

التحقيق الأمريكي لم يكشف جديدا بقدر ما أكد ما هو معروف، فسوء الإدارة ليس عرضا، بل نتيجة لبنية سياسية هشة، وأن استمرار الوضع الحالي يعني ببساطة استمرار النزيف.

بقلم مازن بلال

ليبيا.. انتشال جثث 6 مهاجرين قرب مصراتة واستمرار عمليات البحث

اقرأ المزيد