في تطور لافت، أوقفت السلطات الهندية المواطن الأمريكي ماثيو فان دايك، الذي سبق له القتال في ليبيا عام 2011 ضد نظام معمر القذافي، ضمن مجموعة تضم ستة أوكرانيين، بتهم تتعلق بالتخطيط لأنشطة إرهابية، والتورط في تدريب جماعات مسلحة على تقنيات عسكرية متقدمة، بينها الطائرات المسيّرة.
تكشف هذه الواقعة عن مسار أوسع يتجاوز الحدث نفسه، حيث تعكس كيف تحوّل بعض الفاعلين الذين ظهروا في سياق “الربيع العربي” بوصفهم مقاتلين في معارك ذات غطاء أخلاقي، إلى عناصر تتحرك ضمن شبكات عنف عابرة للحدود، في عالم تآكلت فيه الحدود بين العمل العسكري، والنشاط الأمني الخاص، والعمل الإعلامي.
تبدو عملية التوقيف، في ظاهرها، حادثا أمنيا عابرا للحدود، لكنها تعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة الفاعلين الذين برزوا في سياقات ما بعد “الربيع العربي”، حيث لم تعد أدوارهم قابلة للتصنيف ضمن ثنائيات بسيطة كـ”الثائر” أو “المقاتل من أجل الحرية”.
ففي سياق دولي يتآكل فيه الحد الفاصل بين الحرب والإرهاب، وبين الدولة والفاعل غير الحكومي، يغدو بعض هؤلاء جزءا من شبكات عنف عابرة للدول، تتحرك وفق منطق جديد تتداخل فيه الأيديولوجيا بالمصالح، والخبرة القتالية بالفرص التي تتيحها مناطق النزاع المفتوحة.
من ليبيا: لحظة التأسيس الرمزي
شكّلت ليبيا في عام 2011 نقطة جذب لمزيج غير مسبوق من الفاعلين من ثوار محليون، ومقاتلون أجانب، وأجهزة استخبارات، وتحالف عسكري دولي بقيادة الناتو، وبدا الصراع وكأنه مواجهة أخلاقية واضحة بين نظام استبدادي وقوى تسعى إلى إسقاطه.
وفي هذا الظرق انضم ماثيو فان دايك إلى “الثوار”، وشارك في القتال ضد القذافي، قبل أن يُعتقل ويقضي نحو ستة أشهر في سجون النظام، ثم يُفرج عنه لاحقا، وهذه التجربة لم تكن مجرد محطة شخصية، بل كانت لحظة تأسيس لصورته العامة كـ”مقاتل أجنبي يحمل قضية عادلة”.
لكن المشكلة لم تكن في الأفراد بقدر ما كانت في البنية التي أنتجتها تلك الحرب، فليبيا ما بعد 2011 لم تتحول إلى دولة مستقرة، بل إلى فضاء مفتوح للسلاح والميليشيات، حيث تراجعت سلطة المؤسسات لصالح شبكات القوة المحلية.
من البطولة إلى المنطقة الرمادية
ما تكشفه سيرة فان دايك هو انتقال تدريجي من وضوح ظاهري إلى منطقة رمادية معقدة، فبعد ليبيا، لم يخرج الرجل من عالم الصراع، بل أعاد تشكيل دوره داخله.
ويعرّف دايك نفسه كمراسل حربي ومخرج أفلام وثائقية، لكنه في الوقت ذاته أسس منظمة تُعنى بتدريب مجموعات مسلحة في مناطق نزاع، وهذا التداخل بين الإعلام والعمل العسكري ليس تفصيلا ثانويا، بل يعكس نمطا جديدا في الحروب الحديثة، حيث يصبح الفاعل نفسه منتجا للسردية ومشاركا في القتال في آن واحد، فلم يعد هناك فصل واضح بين من يوثق الحرب ومن يخوضها.
العولمة الجديدة للعنف
التحقيقات الهندية تشير إلى أن فان دايك كان ضمن شبكة تنشط عبر عدة دول، وتحديدا في المنطقة الحدودية بين الهند وميانمار، حيث يشتبه في تدريب جماعات مسلحة على استخدام تقنيات متقدمة، بينها الطائرات المسيّرة.
هذا التطور يسلط الضوء على ظاهرة أوسع من تدويل الخبرة القتالية، فالمعارك لم تعد محصورة جغرافيا، بل أصبحت الخبرات تُنقل من ساحة إلى أخرى؛ من ليبيا (حرب إسقاط نظام)، إلى سوريا (حرب سرديات وصراع دولي)، ثم أوكرانيا (حرب تقليدية بتقنيات حديثة)، وأخيرا ميانمار/الهند (نزاعات إثنية وحدودية)، وفي هذا المسار، لا يكون الفاعل مجرد “مرتزق” بالمعنى التقليدي، بل وسيطا للعنف ينقل التكتيك والتكنولوجيا والشبكات.
لماذا تخشى الهند هذا النموذج؟
من منظور أمني، لا تكمن خطورة القضية في عدد المتهمين، بل في طبيعة ما يُنسب إليهم من التدريب على حرب العصابات، واستخدام الطائرات المسيّرة، والتواصل مع جماعات متمردة عرقية، والعمل في مناطق حدودية رخوة.
هذه العناصر، إذا ثبتت، تعني أن الفاعلين لا يشاركون فقط في نزاع، بل يرفعون من مستوى قدرات جماعات محلية، وهو ما تعتبره الدول تهديدا استراتيجيا طويل الأمد.
ليبيا مجددا: مصنع الفوضى المستدامة
لفهم هذه التحولات، لا يمكن فصلها عن السياق الليبي، فليبيا بعد 2011 لم تكن مجرد ساحة صراع، بل بيئة منتِجة لأنماط جديدة من العنف، والعوامل الأساسية كانت واضحة عبر انهيار مؤسسات الدولة ووفرة السلاح وتدخلات خارجية متناقضة، إضافة لاقتصاد ريعي قائم على النفط.
هذا الخليط أفرز ما يمكن تسميته بـ”طبقة أمراء السلاح”، حيث لم تعد السلطة حكرا على الدولة، بل موزعة بين شبكات مسلحة ذات مصالح متشابكة، ووسط هذه الظروف لم يكن غريبا أن يبقى بعض من وُصفوا بـ”ثوار 2011” في مواقع نفوذ، أو أن يتحول آخرون إلى فاعلين في اقتصاد الحرب، أو حتى إلى عناصر ضمن شبكات عابرة للحدود.
الدبيبة كنموذج للنظام الهجين
ضمن هذا المشهد، يبرز نموذج عبد الحميد الدبيبة، الذي يمثل نمطا سياسيا قائما على تداخل المال بالسلطة، والاعتماد على تحالفات مع جماعات مسلحة وإدارة التوازنات بدل بناء المؤسسات، والدبيبة اضطر سابقا إلى مغادرة ليبيا على خلفية اتهامات تتعلق بالفساد وتمويل جماعات متشددة، قبل أن يعود لاحقا إلى المشهد السياسي.
هذه الحالة لا تثبت بالضرورة تورطا مباشرا في الإرهاب، لكنها تثير أسئلة جدية حول طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية وشبكات السلاح في ليبيا، فاعتماد الحكم على تحالفات مع ميليشيات ذات خلفيات متباينة، بعضها ارتبط في تقارير سابقة بتيارات متشددة، يجعل الخط الفاصل بين إدارة التوازنات الأمنية والانزلاق نحو رعاية غير مباشرة لعنف منظم خطا شديد الهشاشة.
وتبدو تجربة عبد الحميد الدبيبة مثالا دالا، حيث أُثيرت بحقه في مراحل سابقة اتهامات تتعلق بتمويل جماعات إسلامية متشددة، ما يعزز الشكوك حول طبيعة شبكة العلاقات التي يستند إليها في الحكم، وهذه الاتهامات لم تحسم قضائيا، إلا أنها تعكس بيئة سياسية يصبح فيها توظيف الفاعلين المسلحين جزءا من آليات السلطة، بما يحمله ذلك من مخاطر تداخل المصالح مع أنماط عنف قد تتجاوز السيطرة الرسمية.
هل تحوّل “الأبطال” إلى إرهابيين؟
السردية الشائعة تقول إن “أبطال 2011” أصبحوا لاحقا إرهابيين، لكن هذه القراءة تبسيطية، فالأدق هو أن البيئة انهارت وغابت الدولة وأصبح السلاح لغة السياسة، وداخل هذا الواقع لا يكون التحول نتيجة “خيانة فردية”، بل لأن البنية تدفع نحو العنف.
بعض المقاتلين اندمجوا في شبكات جريمة، آخرون انضموا إلى جماعات متشددة، وغيرهم تحولوا إلى مقاولين أمنيين عابرين للحدود.
فان دايك كنموذج عالمي
ما يمنح قضية فان دايك أهميتها لا يرتبط بشخصه بقدر ما يرتبط بالنموذج الذي يجسده؛ فهو فاعل عابر للحدود يتنقل بين نزاعات متعددة، ويتخذ موقعا هجينا يجمع بين المقاتل والإعلامي والمدرب، في تداخل يعكس طبيعة الحروب المعاصرة التي لم تعد تفصل بوضوح بين أدوار الفاعلين ووظائفهم ومن يستخدمهم.
وتحيط بهذا النموذج شرعية متقلبة تجعله يُنظر إليه بطلا في سياق، ومتهما في سياق آخر، فيما يحمل في الوقت ذاته خبرة قتالية وتقنية قابلة للنقل بين ساحات الصراع، هذا النمط من الفاعلين الذي غالبا ما يتم استخدامه عبر أجهزة الاستخبارات لم يعد استثناء، بل بات أكثر حضورا خلال العقد الأخير، مع تراجع احتكار الدول للعنف، وصعود شبكات غير رسمية تمتلك التمويل والخبرة والتكنولوجيا، وتتحرك في المساحات الرمادية بين السياسة والأمن والاقتصاد.
عالم ما بعد الدولة الصلبة
قضية اعتقال مواطن أمريكي قاتل سابقا في ليبيا، ضمن شبكة يُشتبه في نشاطها بين الهند وميانمار، مؤشر على أن العنف لم يعد محليا، ولا منظما فقط عبر الدول، بل أصبح شبكة عالمية مرنة يقودها أفراد يمتلكون الخبرة والسردية والاتصال، وهناك من هو قادر على توظيفهم على المستوى الدولي.
والسؤال كيف أنتجت الحروب الحديثة فاعلين لا يمكن تصنيفهم ضمن هذه الثنائية أصلا؟ أما ليبيا، التي كانت نقطة البداية في هذه القصة، فتبقى المثال الأوضح، فهي ليست حكاية أبطال سقطوا، بل دولة انهارت فملأ فراغها من امتلك السلاح.
كشفت تقارير محلية ودولية ومقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي عن تزايد مقلق في ظاهرة استغلال وتجنيد الأطفال داخل المدارس ورياض الأطفال في السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
وتُظهر المقاطع أطفالاً يحملون أسلحة ويرددون شعارات تحريضية، مما يعكس خطورة الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال، ويكشف نمطاً متكرراً من محاولات تجييشهم سياسياً وعسكرياً عبر المدارس والمؤسسات التعليمية.
ووفقاً لتحقيقات ميدانية، تتنوع أساليب الاستغلال بين تلقين الأطفال شعارات ذات طابع سياسي، وتقديم حوافز مادية أو تعليمية لتشجيعهم على الانخراط في النزاع، إضافة إلى استخدام المدارس كمنابر لبث خطابات عدائية أو لتنظيم فعاليات دعائية ذات طابع تحريضي.
ويُعد تجنيد الأطفال أو استخدامهم في النزاعات المسلحة جريمة حرب بموجب القانون الدولي، ويخضع السودان للعديد من المواثيق الدولية التي تحظر هذه الممارسات.
وقد حذّرت منظمات حقوقية من أن تفشي هذه الظاهرة يهدد مستقبل التعليم والأمن الاجتماعي في البلاد.
وأشارت التقارير إلى أن الحرب تسببت في إغلاق عدد كبير من المدارس وحرمان مئات الآلاف من الأطفال من حقهم في التعليم، فيما ارتفعت المخاطر التي يتعرضون لها من تجنيد قسري وقتل وإصابات.
ووصفت المنظمات وضع الأطفال في السودان بأنه “كارثي” ويهدد مستقبل جيل كامل.
كما رصدت وسائل إعلام مقاطع مصورة لأطفال يرددون عبارات تحريضية ضد أطراف سياسية ومدنية، ويظهر أحد المقاطع طفلاً في الرابعة من عمره يحمل سلاحاً ويتحدث عن التوجه إلى الخرطوم للقتال، ما أثار موجة واسعة من الغضب والقلق حول حجم الاستغلال الذي يتعرض له القُصّر.
وحذّر حقوقيون من التعامل مع هذه المقاطع دون تحقق، ودعوا إلى حماية هوية الأطفال وسلامتهم النفسية والجسدية، معتبرين أن نشر هذه المواد دون ضوابط قد يضاعف الضرر الواقع عليهم.
وأكد الخبراء أن استغلال الأطفال في النزاعات يؤدي إلى أضرار نفسية واجتماعية عميقة، ويفقدهم فرص التعليم والمستقبل، كما يسهم في نشوء جيل معرض للعنف والانقسامات.
ودعا ناشطون ومنظمات مدنية إلى فتح تحقيقات عاجلة في جميع حالات التجنيد داخل المؤسسات التعليمية، ومحاسبة الجهات المتورطة، مع تنفيذ برامج تأهيل وإدماج للأطفال المتأثرين.
كما طالبوا السلطات بضمان حماية المدارس ومنع أي نشاط سياسي أو عسكري داخلها، وتعزيز الرقابة المجتمعية والتوعية بمخاطر استغلال الأطفال في النزاعات.
وشدد مواطنون على ضرورة التزام وسائل الإعلام بالمعايير الأخلاقية في تغطية هذه القضايا الحساسة، وحماية خصوصية وهوية الأطفال، لضمان سلامتهم النفسية والجسدية.
تظاهر المئات من سكان مدينة قابس الساحلية جنوب شرق تونس، الخميس، أمام المحكمة الابتدائية بالمحافظة للمطالبة بوقف نشاط المجمع الكيميائي بالمدينة الذي يتهمونه بالتسبب في كوارث بيئية وصحية منذ عقود.
جاءت التظاهرة تزامناً مع انعقاد جلسة قضائية نظرت في دعوى قضائية تهدف إلى وقف وتفكيك وحدات المجمع الكيميائي، الذي يقول السكان إنه تسبب في تلويث الواحات والمياه والشواطئ، كما أدى إلى حالات اختناق جماعية بين التلاميذ.
وهتف المتظاهرون أمام المحكمة بشعارات منها “الشعب يريد تفكيك الوحدات” و”قتلونا”، في مشهد يعكس الغضب العارم الذي يشهده السكان الذين يعانون من تداعيات التلوث.
من جهته، أوضح منير العدوني، عضو الهيئة المشرفة على القضية، أنه “تم تأجيل القضية للخميس المقبل”، مشيراً إلى أنهم قدموا “مؤيدات تقرّ بالجريمة المرتكبة في حق الجهة”.
يذكر أن مجمع قابس الكيميائي، الذي أنشئ عام 1972، يحول الفوسفات إلى أسمدة، ويقوم بإلقاء مخلفاته الصلبة المحتوية على معادن ثقيلة في البحر، مما أدى إلى اختفاء أكثر من 90% من التنوع البيولوجي البحري في خليج قابس، وفقاً للدراسات.
كما سجلت في قابس معدلات مرتفعة لأمراض الجهاز التنفسي والسرطان مقارنة بباقي المناطق التونسية.
ويأتي هذا التحرك الشعبي والقضائي في وقت وجّه فيه الرئيس التونسي قيس سعيّد، السبت الماضي، بتشكيل فريق عمل لإيجاد حلول عاجلة لأزمة قابس، فيما تواجه السلطات تحدياً صعباً في التوفيق بين المطالب البيئية والصحية للمواطنين وأهمية قطاع الفوسفات للاقتصاد الوطني، حيث تهدف إلى زيادة إنتاج الأسمدة خمسة أضعاف بحلول عام 2030.