03 أبريل 2025

تتقاطع السلطة مع الفوضى غرب ليبيا، فلا تفسير لمشاركة وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عماد الطرابلسي، مائدة إفطار رمضاني، مع محمد بحرون، المطلوب من النائب العام بتهمة القتل سوى تشابك العمل الرسمي مع مافيات الإجرام.

هذا اللقاء لم يكن عبثياً، بل يبدو جزء من “هندسة تحالفات أمنية” يقودها إبراهيم الدبيبة، المستشار السياسي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة، فهو معروف بترتيب السياسات بعيداً عن ضجيج الإعلام، ابتداء من ترتيبه لقاءات سرية بين مسؤولين ليبيين وإسرائيليين ووصولاً لتدخله لإطلاق سراح “الفأر” من السجن عبر وساطات داخل الحكومة، حيث تؤكد تقارير أنه هو من هرّب محمد بحرون بعد صدور مذكرة توقيف بحقه، ثم أعاده لاحقاً ضمن اتفاقات غير معلنة، فسياسته تقوم على نظام التوازن بين الميليشيات بدلاً من حكم القانون، والإفطار بين عماد الطرابلسي و “الفأر” كان تكريساً علنياً لهذا “العفو السياسي”.

لم تمر ساعات على هذا اللقاء حتى تعرض اللواء حاتم الغايب، آمر جهاز البحث الجنائي في المنطقة الغربية، لمحاولة اغتيال نُسبت إلى عناصر من نفس الجماعة التي يترأسها “الفأر”، وهذا الحدث لا يُفهم بمعزل عن طبيعة المشهد الأمني في غرب ليبيا، حيث يتداخل جهاز الدولة مع زعماء العصابات المسلحة، ويُصبح الاختلاف بين الشرطي والمجرم مسألة توقيت أو ولاء.

مشهد الإفطار: عندما تبتسم العدالة للصورة الجماعية

لم يقتصر الإفطار الرمضاني على “الفأر” فهو جمع على طاولة واحدة قادة ميليشيات، من ضمنهم أسماء معروفة بجرائم ودماء مثل بشير خلف الله، المعروف بلقبه “البقرة”، قائد ميليشيا “رحبة الدروع” في منطقة تاجوراء شرق طرابلس، إضافة لعبد الغني الككلي الملقب بـ”غنيوة” المتورط بأنشطة غير قانونية مرتبطة بتعاطي وتجارة المخدرات، فمعظم من اجتمع بهم طرابلس مصنفون كمجرمين محلياً ودولياً، والإفطار الرمضاني كمناسبة اجتماعية عابرة تحول إلى رمز لتدهور شرعية الدولة.

عملياً فإن ربط تعرض اللواء حاتم الغايب لمحاولة الاغتيال عبر إطلاق نار كثيف على سيارته في منطقة أبوصرة، مع لقاء الطرابلسي بـ”الفأر” لم يكن مجرد اشتباه لأن المعلومات الأولية تُشير إلى ضلوع أفراد من “قوة الإسناد الأولى” في الزاوية، التابعة لـ”الفأر”، في الهجوم، وهذه ليست صدفة، بل رسالة أمنية مفادها: من يعارض الميليشيات، حتى من داخل أجهزة الدولة، يصبح هدفاً.

ما حدث يسلط الضوء على حالة “الازدواج الأمني” في غرب ليبيا، فاللواء حاتم الغايب يمثل جانباً من مؤسسات الدولة يسعى لفرض النظام، بينما يحمي الطرابلسي، وزير الداخلية المفترض، قتلة مطلوبين يطلقون النار على رفاقه في نفس الوزارة، وهنا تتقاطع أدوار الدولة والعصابة بشكل واضح.

الفأر” وموت البيدجا: الجريمة المؤجلة

محمد بحرون الذي كان حاضراً على مائدة الإفطار مع الطرابلسي ليس فقط مطلوباً، بل متهم بقتل شخصية محورية في الغرب الليبي هو عبد الرحمن ميلاد، المعروف بـ”البيدجا” الذي كان لاعباً رئيسياً في قطاع تهريب الوقود والمصالح الأمنية، وتصفية حساباته كانت مسألة وقت، لكن الجديد هو أن قاتله المزعوم لم يختف بعد الجريمة بل عاد، وحضر إفطاراً رسمياً تحت أنظار العدالة، دون أن تُحرّك ورقة واحدة من ملف النائب العام، وهذه الواقعة دقّت آخر مسمار في نعش مكتب النائب العام، وأثبتت أن أوامر القبض حبر على ورق في دولة تسير نحو سيناريو يشبه هايتي، فالعدالة ليست فقط غائبة، بل تُستخدم كأداة لتصفية الخصوم وحماية الحلفاء.

ليست هذه أول مرة تُظهر فيها الدولة الليبية ارتباكها بين محاربة الجريمة واحتضانها، لكن ما جرى مؤخراً يُمثل خطوة جديدة نحو “تطبيع الجريمة”، فظهور “الفأر” على مائدة الإفطار إلى جانب مسؤول أمني رفيع هو إعلان فعلي بأن السلطة لا تُميز بين الجاني والحارس، وأن التحالف مع الجريمة أفضل من المواجهة معها، والطبيعة الرمزية لشهر رمضان أضافت إلى الحدث بُعداً أخلاقياً لا يمكن تجاهله، حيث يتم استغلال المناسبات الدينية لتجميل الميليشيات، وشرعنة وجودها، وإعادة تدويرها كأدوات “شرعية”.

ما وراء الإفطار: لماذا تسكت الدولة؟

الصمت الرسمي عن هذه الواقعة لا يُعبّر عن تجاهل، بل عن تواطؤ في ظل فوضى السلاح في الغرب الليبي، حيث أصبحت حكومة الدبيبة رهينة توازنات الميليشيات، ولا يمكنها تجاهل “الفأر” أو غيره دون أن تُفجر حرباً أهلية مصغرة في طرابلس، لذلك تُفضّل الحكومة “الاحتواء الناعم”، حتى لو كلفها ذلك شرعيتها وسمعتها الدولية، لكن المشكلة أعمق من مجرد قرار سياسي، فالأجهزة القضائية نفسها غير قادرة على تنفيذ أوامرها، وأصبحت القوة الخاصة بالميليشيات هي المعيار وليس النص القانوني، والمجرمون، مثل “الفأر”، يعرفون أن الحماية تأتي من العنف وليس من النص القانوني.

ردة فعل دولية خافتة: صمتٌ مقابل “الاستقرار

ما يُثير القلق أكثر هو التجاهل الدولي لهذه الفضيحة، فالأطراف الخارجية، وخاصة الأمم المتحدة والدول الأوروبية، ما زالت تراهن على “استقرار شكلي” في ليبيا يمنع تدفق اللاجئين ويُؤمن صادرات النفط، ولذلك تتغاضى عن حقائق مثل الإفطار مع القتلة، أو اغتيال ضباط شرطة، وحتى التصنيفات الدولية التي تُدرج بعض الميليشيات كجماعات إرهابية، لا تجد طريقها للتنفيذ الفعلي داخل ليبيا.

ما بين إفطار رمضاني ومطر من الرصاص، تتضح صورة ليبيا الراهنة حيث تُدار البلد عبر حروب الميليشيات أو تحالفاتها، وتظهر السلطة كحامية للقانون صباحاً وتحمل بندقية مساءً، والإفطار الرمضاني بين الطرابلسي و “الفأر” لم يكن مجرد غلطة بروتوكولية، بل علامة جديدة على انهيار الحدود بين الدولة والعصابة، فالفرق بين الأمني والمجرم في غرب ليبيا بات في الشكل فقط، وما حدث يُثبت حاجة ليبيا إلى حل سياسي يعيد مؤسسات الدولة وينهي فوضى السلاح.

بقلم نضال الخضري

اقرأ المزيد