في الذكرى السادسة والستين لأول تجربة نووية فرنسية في الصحراء الجزائرية، عادت مطالبات حقوقية دولية إلى الواجهة داعية إلى كشف الحقيقة الكاملة ومحاسبة المسؤولين وضمان إنصاف الضحايا الذين ما تزال آثار التفجيرات تطال حياتهم حتى اليوم.
وأصدرت 22 منظمة حقوقية بيانا مشتركا، بدعوة من منظمة “شعاع لحقوق الإنسان”، أكدت فيه أن التفجيرات التي جرت في رقان وإن إيكر منذ عام 1960 خلفت أضرارا صحية وبيئية واجتماعية مستمرة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفا من الماضي.
وذكرت المنظمات بأن فرنسا نفذت بين عامي 1960 و1966 سبعة عشر تفجيرا نوويا وعشرات التجارب الإضافية، ما أدى إلى تلوث إشعاعي واسع النطاق، ارتبط بارتفاع معدلات السرطان والأمراض المزمنة والتشوهات الخلقية، إضافة إلى تدهور الموارد الطبيعية وتضرر أنماط العيش، فضلا عن آثار اجتماعية ونفسية تفاقمت بسبب ضعف الرعاية الصحية وغياب الشفافية.
وأشار البيان إلى أن تداعيات التلوث لم تقتصر على الصحراء الجزائرية، بل امتدت إلى مناطق في غرب إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، ما يضفي على القضية بعدا إقليميا يتجاوز الحدود الوطنية.
وفي سياق متصل، لفتت المنظمات إلى وجود حراك سياسي ونقاشات متزايدة في كل من فرنسا والجزائر حول هذا الملف.
وفي باريس، تتقدم مبادرات برلمانية تهدف إلى تعديل منظومة التعويض لتصبح أكثر إنصافا لضحايا التجارب في الجزائر وبولينيزيا الفرنسية، إلى جانب دعوات لتعزيز الشفافية والمساءلة.
أما في الجزائر، ناقش البرلمان القضية لأول مرة في فبراير 2025 عبر ندوة انتهت إلى سلسلة توصيات ركزت على العدالة النووية ونقل الذاكرة ودعم البحث في الآثار الصحية والبيئية.
غير أن المنظمات عبرت عن استيائها من استمرار تجاهل الحكومتين لمراسلات المقررين الخاصين للأمم المتحدة المؤرخة في سبتمبر 2024، والتي دعت إلى جملة إجراءات، من بينها فتح الأرشيف، وتحديد مواقع النفايات المشعة، وتنظيف المناطق المتضررة، وتعويض الضحايا وضمان علاجهم، إلى جانب مطالبة الجزائر باتخاذ خطوات عملية لإعلام السكان بالمخاطر ومنع تكرار المآسي وإشراك المجتمع المدني بشكل شفاف.
كما أعرب البيان عن قلقه إزاء الجدل الدائر حول قانون يجرم الاستعمار في الجزائر، لا سيما بعد تحفظ مجلس الأمة على بعض مواده المتعلقة بالتعويض، معتبرا أن ذلك يثير تساؤلات حول جدية الإرادة السياسية في دفع هذا الملف نحو حلول فعلية بدل توظيفه في سياقات سياسية ظرفية.
وشددت المنظمات على أن أي مبادرات تبقى منقوصة ما لم تتحول إلى نتائج ملموسة تعيد الحقوق لأصحابها وتطوي هذا الفصل المؤلم من التاريخ.
وطالبت فرنسا باعتراف صريح بمسؤوليتها، ورفع السرية عن الوثائق والخرائط، بما فيها مواقع دفن النفايات المشعة، وتسليم الأرشيف النووي كاملا للجزائر، إلى جانب إصلاح آليات التعويض وتوسيع نطاق الأمراض والمناطق المشمولة، ودعم برامج المتابعة الصحية وإزالة التلوث، والتوقيع والتصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية.
وفي المقابل، دعت المنظمات السلطات الجزائرية إلى إطلاق برنامج وطني لحماية الصحة العامة في المناطق المتضررة، يقوم على الرصد والكشف المبكر والعلاج، وضمان وصول المعلومات الدقيقة إلى السكان بمختلف لغاتهم، وتعزيز الشفافية عبر نشر تقارير دورية، وتمكين الضحايا من تنظيم أنفسهم في جمعيات مستقلة، وتكثيف التعاون مع فرنسا للحصول على الوثائق والبيانات اللازمة، واستكمال التصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية والاستفادة من آليات التعاون الدولي.
وختم البيان بالدعوة إلى إنشاء لجنة متابعة مشتركة ودائمة تضم ممثلين عن الحكومتين وبرلمانيين وخبراء مستقلين وجمعيات الضحايا، تتولى الإشراف على برامج المتابعة الصحية والبيئية وتنفيذ خطط إزالة التلوث وجبر الضرر وفق جدول زمني واضح ومعايير شفافة وآليات مساءلة.
العـداء الجزائري عثماني يتوج بلقب جديد
