31 يناير 2026

الدكتور آصف ملحم، مدير مركز JSM في موسكو، أكّد في تصريحات خاصة لشبكة “أخبار شمال إفريقيا”، أن مفاوضات أبوظبي الأمريكية-الروسية-الأوكرانية تأتي في لحظة دولية دقيقة مع تصاعد التوتر الأمريكي-الأوروبي وبلوغ معارك أوكرانيا ذروتها، ما يعزز طرح التفاوض مقابل رهانات أوروبية على إطالة الحرب.

وأوضح ملحم أن قراءة هذه المفاوضات من منظور أوروبي تعيد إلى الواجهة معادلة تاريخية متكررة في العلاقات الدولية، مفادها أن أوروبا تتدخل عادة لتعطيل أي تقارب روسي-أمريكي، في حين تتدخل الولايات المتحدة لتعطيل أي تقارب روسي-أوروبي، انطلاقاً من سياسة أمريكية تقوم على استثمار التناقضات بين القوى الكبرى.

وفي ما يتعلق بالوضع الميداني في أوكرانيا، أشار إلى أن المعركة وصلت إلى مرحلة الذروة، حيث تتعرض أوكرانيا لضغوط شديدة على مختلف محاور الجبهة، ولم تعد تمتلك القدرة على الاستمرار في القتال بالوتيرة نفسها، ما يجعل وقف الحرب، من وجهة نظر واقعية، محاولة لتقليل الخسائر، وهو ما يُعد بحد ذاته مكسباً.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة باتت ترى أن استمرار دعم الحرب ضد روسيا لن يؤدي إلى نتيجة واضحة لصالح أوكرانيا، بل قد يرفع من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين موسكو وواشنطن.

وبيّن أن هذا التقدير يعني أن كلاً من روسيا والولايات المتحدة لا يرغبان في استمرار الصراع، في حين تعتمد أوروبا على حسابات مختلفة، تقوم على الاعتقاد بأن إطالة أمد الحرب قد تفضي إلى إضعاف روسيا على المدى الطويل، انطلاقاً من فرضية أن مواجهة روسيا ضعيفة ستكون أسهل من مواجهة روسيا قوية في المستقبل.

وفي سياق متصل، توقف ملحم عند البعد الاقتصادي لانعقاد المفاوضات في أبوظبي، معتبراً أن اختيار الإمارات ليس تفصيلاً، إذ تحولت إلى مركز مالي يلعب دوراً في مساعدة شركات غربية وروسية على تجاوز العقوبات المفروضة على موسكو.

وأوضح أن الالتفاف على العقوبات لا يقتصر على الجانب الروسي، بل تشارك فيه أيضاً شركات غربية تبحث عن الثغرات القانونية لتحقيق الأرباح، مشيراً إلى أن الإمارات قادرة على لعب دور حلقة وصل بين المستثمرين الغربيين والروس، ولا سيما في مجالات التحويلات المصرفية والتأمين والخدمات المرافقة.

وحول تأثير التقدم الميداني الروسي على مسار المفاوضات، شدد ملحم على أن ضم الأراضي لا يشكل عاملاً حاسماً بحد ذاته، نظراً إلى أن التقدم يتم ببطء شديد وعلى مساحات محدودة، مؤكداً أن طبيعة المعركة هي معركة استنزاف بالدرجة الأولى، حيث يسعى كل طرف إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بالطرف الآخر من حيث العتاد والأفراد، واعتبر أن السيطرة على الأراضي تأتي كنتيجة لاحقة لإضعاف القوات الموجودة فيها، وليست هدفاً منفصلاً عن منطق الاستنزاف.

وأشار إلى أن العقدة الأساسية تتمثل فيما يُعرف بـ”حلقة الدونباس”، التي تضم مدناً رئيسية مثل سوليدار وأرتيومفسك وبخموت وسيفيرسك وليمان وكراماتورسك ودروشكوفكا وكريستنتينفكا، وهي منطقة ذات كثافة سكانية عالية تُقدَّر بنحو 300 ألف نسمة، ما يجعل اقتحامها عملية شديدة التعقيد ومكلفة بشرياً.

ولفت إلى أن المفاوضات الجارية تتركز بشكل أساسي حول هذه المنطقة، حيث يلعب الضغط العسكري دوراً في استنزاف الطرف الأضعف أكثر مما يسهم في تحقيق مكاسب جغرافية سريعة.

وفي تقييمه للموقف الروسي المنفتح على السلام، أكد ملحم أن موسكو تدرك أن السلام يبقى الخيار الأفضل، وأن تجنب الحرب أقل كلفة من خوضها، وهو أمر تعيه القيادات السياسية والعسكرية على حد سواء، نظراً لحجم الخسائر والدمار. وشدد على أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات يظل الطريق الأقصر لإنهاء الصراع، مهما طال أمد المعارك.

وفي المقابل، رأى أن المراوغة الأوكرانية تقوم على عاملين رئيسيين، أولهما الرهان على الاحتفاظ بما تبقى من “حلقة الدونباس” لفترة أطول، بهدف الادعاء لاحقاً بأنها لم تسلّم هذه الأراضي، واستخدام ذلك كورقة ابتزاز سياسي للحصول على ضمانات أميركية أقوى.

وأما العامل الثاني، فيتمثل في اعتقاد أوكراني-أوروبي بأن العقوبات أضعفت روسيا، وأنها قد تعجز عن استكمال سيطرتها على المنطقة، ما قد يُعد انتصاراً سياسياً لكييف.

وأوضح ملحم أن هذا النهج، برأيه، يفتقر إلى المبررات العسكرية والموضوعية، لأن إطالة أمد الصراع تعني سقوط المزيد من القتلى دون تحقيق مكاسب حقيقية، معتبراً أن ما يجري لا يتجاوز كونه مراوغة إعلامية وسياسية.

كما أشار إلى أن مطلب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي بالحصول على ضمانات أمنية أمريكية بالتدخل العسكري في أي حرب مستقبلية يظل مطلباً غير واقعي، نظراً إلى أن الولايات المتحدة لن تدخل في مواجهة مباشرة مع دولة نووية كروسيا.

وحول المعوقات المحتملة أمام المفاوضات، قال ملحم إن القضايا الأساسية باتت واضحة، وإن وجود شخصيات أمنية وعسكرية رفيعة المستوى في مفاوضات أبوظبي يدل على مناقشة الجوانب الفنية لوقف إطلاق النار والانسحاب من بعض المناطق.

ولفت إلى أن من بين المقترحات المطروحة تحويل أجزاء من دونيتسك إلى منطقة اقتصادية أو منطقة منزوعة السلاح، مع إطلاق استثمارات مشتركة روسية-أمريكية بمشاركة أوكرانية، بما يساهم في إنعاش الاقتصاد الأوكراني المثقل بديون خارجية تقترب من 200 مليار دولار.

وختم ملحم بالقول إن العقدة الأساسية تبقى في إدارة منطقة الدونباس ذات الكثافة السكانية العالية، إلا أن صياغة توافقات خاصة حولها قد تفتح الباب أمام تسوية أوسع، لا سيما في ظل حاجة جميع الأطراف إلى مخرج سياسي واقتصادي من الصراع.

خاص ـ أخبار شمال إفريقيا

المغرب يرتفع بوارداته من الديزل الروسي إلى 321 ألف طن

اقرأ المزيد